وصفي الأتاسي

جاهد وصفي الأتاسي في سبيل تحرير بلاده من الأتراك كان في طليعة المناضلين من أجل استقلالها من الفرنسيين. ولما كان من زعماء حمص والأسرة الأتاسية كان موفودهم في الاجتماعات التي كان يعقدها زعماء الأسر الكبيرة في حمص وحماة والمناطق المجاورة لمباحثة أمر الثورة.


المتصرف النائب الوطني الكبير واضع أول دستور عربي السيد وصفي بك بن محمد نجيب أفندي بن العلامة محمد أمين أفندي الأتاسي

نائب حمص وعضو المؤتمر السوري وأحد واضعي الدستور العربي الأول ورئيس النادي العربي في حمص

1880-1932م

 من رجالات الرعيل الوطني الأول.   ولد في حمص عام 1880م، وترعرع في بيت علم، فوالده كان رئيس مجلس إدارة حمص، وكان أخوه توفيق أحد أعضاء مجلس المعارف المؤسَس لنشر الثقافة والوعي. ولما شب رحل الأتاسي إلى الأستانة فدرس في كلية حقوقها وتخرج منها وعاد إلى بلاده وقد هيأته دراسته القانونية ليكون من الإداريين والسياسيين المتميزين.  وتولى الأتاسي بعض المناصب الإدارية حتى وقت الثورة العربية، ويبدو أنه من أصحاب الرتب العثمانية لأنه كان يخاطب بالبكوية.

ناضل الأتاسي في سبيل الثورة العربية، وقاد مواطنيه خلال الإنتقال إلى الحكم العربي، وبعد دخول الجيش الهاشمي العربي مدينة دمشق انتمى إلى حزب العربية الفتاة، وقد كان الذين نالوا عضوية الحزب قبل دخول القوات العربية دمشق يعتبرون أعضاءً مؤسسين، يحق لهم معرفة أسماء باقي الأعضاء، وكذلك انتخاب الهيئة الإدارية السنوية، بينما كان المنتمون إليه بعد قيام الحكم العربي يعتبرون أعضاءً عاديين.  وفي 13 أيار (مايو) عام 1920م شُكلت لجنة خاصة استثنت الأتاسي وقلائل آخرين مثل يوسف العظمة وعادل أرسلان وعبدالرحمن الشهبندر ورشيد رضا وأمين التميمي من عضويتهم العادية وأسبغت عليهم لقب الأعضاء المؤسسين للجمعية العربية الفتاة.

وفي 6 محرم عام 1337 الهجري 1918م ليلة انسحاب القوات التركية من مدينة حمص باتجاه الشمال وقبل وصول القوات العربية إلى حمص بقيادة السيد عمر بك الأتاسي، انتخب أعيان حمص حكومة عربية مؤقتة لتحل محل الحكومة المنسحبة تجنبا للفوضى والاضطراب، فاختير صاحب الترجمة عضوا لها هو وابن عمه المفتي محمد طاهر أفندي الأتاسي، وقامت هذه الحكومة بالإشراف على أمن المدينة ريثما تصل القوات العربية الفيصلية إلى حمص.

سرعان ما برز نجم وصفي الأتاسي كأحد زعماء البلاد الأحرار، وقد توسم فيه الملك فيصل الهاشمي الحكمة وحب الوطنية وحسن السياسة، فنصبه متصرفا (محافظا) على منطقة حماة عام 1920م.

ولما قام أول مجلس نيابي سوري وعربي عام 1919م (المؤتمر السوري) بقرار من الملك المنصّب فيصل الهاشمي، انتخب وصفي الأتاسي عضواً ونائباً عن أهالي مدينة حمص، وانتخب ابن عمه هاشم الأتاسي ممثلاً آخر عن حمص.  ولهذا المجلس -الذي ضم أكثر من ثمانين عضواً منتخبين من مناطق سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، فكان بذلك أول وآخر مجلس نيابي عربي لبلاد الشام كافة مجتمعة- انتخب هاشم بك الأتاسي رئيساً.

وقد أثنى محمد عزة دروزة، أحد النواب في المؤتمر السوري، وسكرتير لجنة الدستور، على الأتاسي، فقال في معرض وصفه لبعض أعضاء المؤتمر: “ومنهم وصفي الأتاسي، وكان ذكياً ألمعياً وحدوياً استقلالياً، وقد تخرج من كلية حقوق الأستانة، وكان حسن الثقافة والكلام والحجاج، وظللنا متواثقين متعاونين عهد المؤتمر، وضمته جمعية الفتاة إليها فكان ذلك من وسائل توثيق الصلة والتعاون، ثم افترقنا بين يدي الاحتلال الفرنسي، ولم يعمر طويلاً حيث وافاه أجله في العشرينات رحمة الله عليه”.  وكان الأتاسي أحد الثلاثة الذين اختيروا لتشكيل لجنة ترتيب المؤتمر، وكان الوطنيان الكبيران سعدالله الجابري ورياض الصلح هما العضوان الآخران.  قامت هذه اللجنة باختيار بناء العابد المعروف في ساحة الشهداء لجعل أحد طوابقه مقراً للمؤتمر، وسعى أعضاء اللجنة لتأمين وسائل الاجتماع، من أثاث ومنصات ومكاتب، لأعضاء الحكومة والمؤتمر والصحافة، وجهزوا قاعات اللجان والسجلات، وذلك بعد أن مُنِحوا مخصصات مالية من قبل الحكومة.

ثم انقلب المؤتمر السوري بعد ذلك مجلساً تأسيسياً ونيابياً، وفي 10 آذار عام 1920م انعقدت جلسة علنية لانتخاب رئيس المجلس التأسيسي والكاتب والسكرتير والهيئة الإدارية لتقرير دستور للبلاد، فانتخب هاشم الأتاسي رئيساً للمجلس، وانتخب ابن عمه وصفي الأتاسي عضواً في الهيئة الإدارية التي ضمت أشخاصاً ستة من أعضاء المؤتمر السوري، ومنهم حكمت الحراكي مندوب المعرة، وسعدالله الجابري نائب حلب.  و قام أعضاء المؤتمر السوري بوضع الدستور العربي الأول، يشرف على ذلك رئيس المجلس والهيئة الإدارية، ناصين فيه على وحدة واستقلال البلاد، وعلى وراثية الملكية في الأسرة الهاشمية، فكان وصفي بك الأتاسي أحد المؤسسين للدستور العربي.  و كان للأتاسي في وضع الدستور جهد محمود ومداخلات حسنة، وقد كانت تلك المهمة في غاية الصعوبة لأن البلاد كانت حديثة الاستقلال، ولأن ذلك الدستور كان أول دستور عربي لأول دولة عربية مستقلة، فلم يكن لزعماء البلاد سابق خبرة بوضع الدساتير، وإن كان الكثير منهم من رجال القانون وخريجي مدارس الحقوق، ولوجود تمثيل كبير في المؤتمر لكافة قطاعات شعب بلاد الشام وعقلياته المتفاوتة، فمن نواب المؤتمر كان العالم الديني والمسيحي والقانوني والمثقف وكبير العشائر، فكان النقاش يحتدم على مواد الدستور، وقد أخذ وصفي الأتاسي على عاتقه توضيح وشرح مقررات اللجنة لباقي الأعضاء والدفاع عن الدستور أمامهم والرد على أسئلتهم والاستماع إلى اقتراحاتهم وتعليقاتهم، وذلك بالإضافة إلى كونه أحد مقرري الدستور، وتم للجنة بذلك أن تتوصل إلى وضع دستور أرضى كافة القطاعات وأفراد الشعب وجماعاته، وهو أمر يثير الإعجاب إن علمنا أن واضعيه كانوا حديثي العهد بهذا الأمر الهام الحيوي من نشوء الأمم وتنظيم أمورها.

وكما جاهد وصفي الأتاسي في سبيل تحرير بلاده من الأتراك كان في طليعة المناضلين من أجل استقلالها من الفرنسيين.  ولما كان من زعماء حمص والأسرة الأتاسية كان موفودهم في الاجتماعات التي كان يعقدها زعماء الأسر الكبيرة في حمص وحماة والمناطق المجاورة لمباحثة أمر الثورة.  ففي عام 1919م أوفد الحماصنة الأتاسي مندوباً عنهم في اجتماع عقده الأعيان في حمص في منزل شيخ عشائر الأحسنة حضره زعماء الدنادشة وأحمد آغا البرازي عن حماة وعبدالمجيد آغا سويدان زعيم حسية وممثلين عن آل الكيلاني والعظم الحمويين وغيرهم من زعماء العشائر والأسر، وتقرر في هذا الاجتماع التعاون من أجل الثورة التي اتخذت من تلكلخ، عاصمة الدنادشة، مقراً لها، وأن يقوم الحماصنة بتأمين الغذاء والسلاح للثائرين.

وبين العامين 1919 و1920م كان وصفي بك من المؤسسين للجنة الدفاع الوطني في حمص، والتي ترأسها ابن عمه عمر الأتاسي، وكان من الأعضاء المتألقين فيها، يعمل على جمع التبرعات والإعانات المالية لدعم نشاطات اللجنة، ويشارك في التخطيط للثورات والمعارك التي كانت اللجنة تدعمها وتشعل شرارتها، وبالأخص تلك التي قامت في تلكلخ، ومعارك الدفاع عن مدينة حمص.

وفي أوائل عام 1919م أسس وصفي بك النادي العربي في حمص فرعاً للنادي العربي الذي أسسه الأحرار العرب في دمشق في عهد الأمير فيصل الهاشمي، وكان مقره قهوة الفيصل التي كانت لا تزال قائمة حتى الثمانينات من القرن العشرين، وانتخب الأتاسي رئيساً للنادي وكان من أعضائه أديب الموصلي، أنيس الملوحي، سليمان المعصراني، عبدالقادر الجمالي، عبدالكريم الحسامي، عبدالمؤمن الشيخة، فؤاد رسلان، محيي الدين الجندي، نديم الموصلي، هاني السباعي، ياسين زكية، وغيرهم من الوطنيين في حمص، وبعض هؤلاء أصبحو فيما بعد من قادة البلاد ومشاهير ساستها المناضلين ضد الانتداب الفرنسي، وقام أعضاء النادي العربي بالنشاط الوطني فقدموا محاضرات ومسرحيات وطنية استهدفت الاحتلال الفرنسي حتى أغلق الفرنسيون النادي في تموز عام 1920م.

وفي تموز من عام 1925م انضم وصفي بك الأتاسي وغيره من زعماء الحماصنة مثل مظهر باشا رسلان، وصالح أفندي الجندلي، وشكري بك الجندي، وشفيق بك الحسيني، وعبدالكريم بك الدروبي، إلى حزب الشعب الذي أسسه الزعيم المجاهد عبدالرحمن الشهبندر وافتتحوا فرعاً له في تلك المدينة بعد أن اجتمعوا بمندوبي الشهبندر إلى حمص: جميل مردم بك وحسن الحكيم.

ثم شارك وصفي الأتاسي في التخطيط والتدبير للثورة السورية الكبرىعام 1925م، ولما قرر الوطنيون مقاطعة انتخابات عام 1926م كان الأتاسي على رأسهم، فكان من الذين اعتقلوا في حمص، ثم أخذوا إلى تلكلخ ومنها أودعوا جزيرة أرواد مع غيره من أركان الرعيل الأول من الوطنيين أمثال هاشم بك الأتاسي، ومظهر أفندي الأتاسي، ورفيق رسلان، ومظهر رسلان، وراغب الجندي، وشكري الجندي، ونورس الجندي، وسعدالله الجابري، وفارس الخوري، ونجيب الريس، ويحيى خانكان وغيرهم.

ولما تأسست الكتلة الوطنية عام 1928م برئاسة هاشم الأتاسي لخوض انتخابات المجلس التأسيسي انضم وصفي بك الأتاسي إلى صفوف الوطنيين الذين انتسبوا إليها، وكان أحد الموقعين على البيان الذي أعلن فيه الوطنيون عن رغبتهم في الإشتراك بالإنتخابات، وكان أن اكتسحت قائمة الوطنيين الإنتخابات وفازت بأغلبية مقاعد المجلس في نيسان عام 1928م، إلا أن الأجل وافى الوطني الكبير والمجاهد وصفي الأتاسي عام 1932م، ولو أن العمر طال به لكان للأتاسي أن يلعب أدوارا ريادية.

ويجدر بالذكر أن المرحوم تزوج أرملة أخيه السيد وجيه أفندي بن نجيب الأتاسي الذي توفي عن بنتين من زوجته، وهي من السادة آل الجندي، فهو عديل صبري بك بن عبدالحميد باشا الدروبي، فأنجب وصفي بك منها كل أولاده، وتعهد بنات أخيه حنيفة وفاطمة بالتربية رحمه الله، وتزوجن من السادة آل الأتاسي فتزوجت حنيفة السيد سيف الدين الأتاسي وتزوجت فاطمة السيد جمال بن توفيق بن نجيب الأتاسي، وهكذا كان دأبهم وعادتهم في رعاية أرامل إخوانهم وأولادهم.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend