السعادة في العطاء

يقول الكاتب الأمريكي فنسنت بيل في كتابه “كيف نجعل من السعادة عادة؟”: “أن نتعلم أنّ السعادة الحقيقية ليست في الأخذ فقط، وإنما في العطاء أيضاً”، وبقدر ما يعطي الإنسان تكون سعادته.

الأيام السورية؛ بقلم: أمل المصطفى

إنّ الابتسامة التي تأتي بعد معاناة معينة هي في الغالب تلك التي يحرص صاحبها على أن يشرك معه فيها أكبر عدد من الناس.

في قريتنا الصغيرة تصنع أم محمد سعادتها وهي في قلب المعاناة والحرب السورية؛ التي أودت بروح أغلى البشر على قلبها ابنها البكر محمد في معارك القلمون، ثم عانت من التهجير مع بقية أولادها وزوجها المريض.

أتت إلى إدلب تاركة روحها الملازمة لجدران منزلها التي بنته مع زوجها، كانت موظفة كمستخدمة في المشفى بأجر زهيد، وزوجها عامل تنظيفات، تنتظر آخر الشهر لتجري تحسينات على منزلها المتواضع.

تتابع أم محمد نعمل نهاراً في المشفى ومساء أقوم بنسج لباس من الصوف ليكون مصدر رزق ثانٍ؛ علنا نقوم بتأمين مستلزمات البيت الكثيرة وسط غلاء لا طاقة لنا به، وسط هذه الظروف الصعبة نضطر لترك البيت مرغمين لنهجر إلى الشمال السوري.

في لحظة ما أترك منزلي الذي أمضينا حياتنا في بنائه وتنظيمه، لنبدأ حياة جديدة من الصفر، ولكن المأساة أنّ زوجي الآن  مريض وبحاجة لدواء، كما أنّنا بحاجة لبيت يضم معاناتنا بصمت بانتظار مساعدة من منظمة أو إحسان من البشر.

وسط كل ما ألمّ بنا هل أستسلم وأضعف أمام أسرتي؟ أم أكون لهم عوناً لشق حياة جديدة تسودها لغة العمل والأمل بحياة سعيدة مهما عظمت الشدائد والمحن.

هذه الحيرة لم تطل، فبعد جولة على الأسواق تمكّنت من إيجاد عمل لبناتي داخل المنزل وهو تغليف السكاكر، أما ولدي الوحيد فقد عمل سائقاً في إحدى المنظمات الإنسانية، وبالنسبة لي عدت لأعمل مستخدمة في إحدى مشافي إدلب، وبراتب معقول.

تتابع أم محمد: السعادة تغمر قلوب أسرتي البسيطة، وابتسامة الأمل ما لبثت أن ازدادت يوماً بعد يوم، وبدأت تظهر قوتها في إخماد نار الفرقة والتهجير، حتى تلاشى الحزن خجلاً من أمسه المنصرم باستثناء ذكريات القلب المفجوع بابني البكر، ولكن شمس الأمل تريد وضع حدّ لظلام الذكريات المخيف.

أتى الليل بثقله ليطرح جسدي المتعب على فراشي البارد، وخُيل إلي أنّني لن أنهض بعد اليوم من رقدتي لهول التعب والألم، لكن ما إن أشرقت الشمس من جديد حتى عادت لي الحياة ثانية وبقوة الأمل وحب الحياة وبحثاً عن سعادة لا تتوقف مهما ألمّ بنا من عقبات.

والآن رغم أنّنا لا نملك مأوى خاص، ولا ننعم باستقرار؛ ترى وجوهنا وقد غشاها الأمل، وارتسمت الابتسامة معلنة الرضى والقبول بحياة قاسية لا ننتصر فيها إلا بالبحث عن السعادة مهما بعدت.

سنوات الحرب السوداء التي غيّبت شبابنا، وسلبت ديارنا، وهجرتنا بعيداً، ورغم ذلك نجد حياتنا وسعادتنا في العطاء، تقول إيمان ابنة أم محمد: “أمي امرأة عظيمة، كلما اشتد الخطب بنا تهدّئ من روعنا، وتظهر الحياة لنا بأنها تستحق أن نحياها بالأمل والسعادة، علمتنا الرضى والصبر ومعالجة كل العقبات بالتروي والعقلانية، وتدفع عنّا الهم والحزن بالعمل”.

هذه إحدى قصصُ التغريبة السورية، بألمها ومعاناتها، بعجرها وبجرها، وكيف تمكّنت المرأة السورية من تحويل الشقاء إلى سعادة ونجاح فقط بسلاح بسيط هو: العزم والإرادة الصلبة والرضى، إنها باختصار السيدة الحرة الناجحة.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend