قراءة في رواية: الباشا والتراب

الكاتب: ايمن البارودي.

قراءة: أحمد العربي.

تبدأ الرواية من مدخل غريب، بطلها  يجد نفسه ميتاً وهو في سن الستين، وهو شاعر الوطن وبطله، يجد نفسه في لحظة قدر مجنون خارج لعبة الحياة، وهو في ذروة عطائه ومجده ونهمه لأن يمتلئ من الحياة أكثر، سيترك خلفه زوجة متصابية، ابنة الحسب والنسب، وابناً في عزّ شبابه، غارقاً في ملذاته، مستفيداً من عزّ أبيه، وترك وراءه -أيضاً – خادمته التي كان قد ودّعها بليلة غرام ما زالت آثارها عليه، وهو ميت الآن. تركها وفي رحمها طفل الخطيئة، ولأنه لا يريد لابنه مستقبل التشرد؛ فقد عقد على خادمته بعقد سري يعلنها زوجته؛ لتحمي نفسها ومستقبلها مع طفلها القادم، هو الآن من موقعه في الغياب يراقب بحسرة، وغير قادر على فعل شيء، زوجته وابنه يدركون خطيئة الأب ومجونه.

قرروا أن يتخلصوا من الخادمة وكل تبعات علاقتها مع المرحوم، وفي ذهنهم أنهم من أصل شريف عريق غني، لهم جذورهم التاريخية، وإنّ المرحوم نفسه مجرد ابن أخ بالحرام لوالد الزوجة، وإنهم بعد أن احتضنوه وزوجوه وجعلوا منه شاعر الحق وبطل الوطن؛ يخون زوجته مع خادمته، بنت الريف الفقيرة التي لا يعرف لها أصل أو فصل.

يتحكم بمسار السلطة الأموات والأحياء والجن، ثلاثي :العقائد المزيفة ، ومصالح الحكام، والقوى العظمى المسيطرة عالميا.

في الرواية تتداخل ثلاثة عوالم: الأموات والأحياء والجن أيضا، ولهم جميعاً دورٌ في مسار الحياة، وفي مسار أبطال روايتنا، الخادمة تعرف ما يخطط لها وتتحرك لتحمي نفسها وجنينها، تتصل بالمحامي وهو شاهد عقد زواجها، وتطلب منه التدخل عند السلطات العليا لتحميها وجنينها، وتجتمع “العصبة ” أصحاب السلطة وتقرر أن يعيش الطفل وأن يحصل على حقه من الإرث، وأن يكون له مستقبلا مميزا كابن لشاعر الوطن وصوت الحق!!، سندخل بعد ذلك في متاهة التآمر والتآمر المضاد بين الزوجة وابنها والخادمة وجنينها، وكل طرف يريد تصفية الآخر، يحضر الجن بقدرتهم المعرفية الخارقة وبأفعالهم وحضورهم الشبه مطلق، وسيكونون شيعاً وأطراف متفاعلة ومنافسة، فتارة تتفق على أن تكون الزوجة الشرعية وابنها هم قادة البلاد، وتارة يتفقون بأن تكون الخادمة ووليدها القادم هم أبطال البلاد القادمين وحكامها، سيكون كل شيء مباحاً للوصول إلى الهدف، ويكون هناك عمل كثير وكبير من الإنس والجن، و هناك دوما محافل تقرر، وفوق المحفل محفل، والكل يتحرك في أرض يكاد أصحاب الأمر أن يكونوا فيها مجرد أدوات أي مفعول بهم، ومن خلالهم في البلاد والعباد.

تنتهي الرواية بمعرفتنا أنّ الوليد سيأتي وسيكون هو القائد للبلاد، وسيعيد صوغ الماضي ليكرّس عظمته من الماضي الى المستقبل كما يصنع مجده في الواقع، يخلق تحالفاته مع الجن، لأنه دون الجن لا إمكانية لحكم مستمر أو مستتب، و إن لم يتحالف مع الجن كلهم فهو يتحالف مع بعضهم!!.

ابن الخطيئة يصبح رأس السلطة وقائد دولة الاستبداد، ورمز كل الشعارات المدعاة الكاذبة.

انتهت الرواية؛ ولكن لم ينته تحليلها، فهي من الروايات التي كتبت بلغة الرمز و “التقية” وتوصيل الفكرة دون مسؤولية، كتبت عام 2005، يعني الاستبداد السوري والعربي في عز مجده وتسلطه، والربيع العربي كان حلما للناس، أو كابوساً مستحيلاً للسلطات، لذلك كان لا بد من قراءة ثانية للرواية، قراءة لما وراء السطور، نحن أمام حكّام مستبدين في المكان والزمان، متسلطين على الناس، مرتبطين تاريخياً مع الجن (النظام العالمي)، بشقيه غرباً وشرقاً، وهناك حكام معاصرين صنعتهم ظروف متنوعة، انقلابات الخمسينات والستينات، إضافة إلى صراع بين الطرفين على الحكم، والكل تحت رعاية وهيمنة النظام العالمي ومصلحته قطعاً، الغائب الأكبر والضحية هو الشعب سواء عند الحكام القديمين أو الجدد (ملكيين وجمهوريين)، وعند النظام العالمي، هم ضمير مستتر كأداة يتمّ استخدامها لمصلحة الحكام بنوعيهما، والنظام العالمي المهيمن بتنوعه، لذلك لن تكون مرتاحاً عندما تقرأ الرواية، فهي رواية المؤامرات القذرة، والأهداف الدنيئة، لا أهداف سامية في حقل الرواية وأبطالها أبداً، لا شعب يتطلع لنور الحرية والكرامة والعدالة، وحتى كاتبها المختبئ وراء سطورها يستعمل تقنية تجعله قادراً على التملص من مسؤولية أي فهم صحيح للرواية من الحاكم بأمره (لا سمح الله).

رواية تقرأ الظلام الذي كان يغطينا، فيها كثير من التهكم والسخرية المرة التي تبكي واقع الحال، لا أمل في الرواية ولا ضوء في آخر نفقها، وهذه حقيقة في تاريخها.

الرواية شهادة على عصر ومرحلة معينة، وبهذه الصفة بالضبط هي رواية تستحق التقدير والاهتمام، وهنا تميزها وامتيازها. وكان لا بد أن يأتي الربيع العربي يقلب الحال ويحضر الشعب الغائب المغيب، صاحب المصلحة والحق، ويتحرك منتصراً لحقه بالحرية، والكرامة، والعدالة، والدولة الديمقراطية، والحياة الافضل، ولو أن ذات الأعداء من حكام تابعين، والنظام العالمي، وربيبته (إسرائيل)، ما زالوا يعملون لإلغاء الشعب، والتحكم به عبر حكام هم أدوات لهم، يخونون شعوبهم، والصراع ما زال مستمراً.
شكرا أيمن بارودي على روايتك، وإلى إبداع جديد فيه نور الحرية التي بزغت شمسها.



صورة غلاف الرواية

أيمن البارودي: أكاديمي سوري، له العديد من الروايات، قرأنا له هذه الرواية، ورواية نهر الفن المقدس، والروايتين متميزتين.

نشر: دار التكوين.2005.

نسخة إلكترونية.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend