تداعيات الضربة الإسرائيلية على مواقع إيرانية في سورية

إسرائيل عازمة على خلط اﻷوراق في الشرق اﻷوسط، مدعومةً بسياسة الرئيس اﻷمريكي، دونالد ترامب، الذي بدا أكثر وضوحاً في ممارسة العنجهية اﻷمريكية، اتجاه القضايا المصيرية في المنطقة والعالم.

الأيام السورية؛ فرات الشامي

إسرائيل تطلق النذير الحاسم:

على عكس كلّ الضربات اﻹسرائيلية السابقة التي تم توجيهها إلى إيران فوق اﻷراضي السورية، بدا أنّ التصعيد العسكري من طرف تل أبيب يوم الخميس العاشر من أيار/مايو الجاري، جرس إنذارٍ يقرع، ويهدد بمزيدٍ من التطورات الخطيرة، والتداعيات التي من شأنها أن تقود إلى منعطفٍ تاريخي، مفصلي، في الصراع على تقاسم النفوذ في الشرق اﻷوسط.

“إذا ضربتنا إيران بالمطر، سنضربهم بالفيضان”… كلماتُ صرح بها وزير الدفاع اﻹسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، إبان الضربات الجوية التي استهدفت مواقع عسكرية تابعة ﻹيران في سورية، في محاكةٍ للمثل الشائع؛ “من ضربني بالورد رميته بالنار”.

لهجة تل أبيب يمكن أن ترسم ملامح حالةِ توترٍ ستسود الفترة القريبة المقبلة، حلبة الصراع فيها اﻷراضي السورية، ولعل إيران ستلعب دور متلقي اللكمات؛ فاللغة اﻹسرائيلية حازمة، ومن الطبيعي أنّها تستند إلى دعمٍ دولي، من فوق وتحت الطاولة.

الموقف الروسي الباهت:

المعطيات تؤكد أنّ الضربة حصلت بموافقة أو تنسيق بين تل أبيب وموسكو، فقد جاءت بعد ساعاتٍ من اللقاء الذي جمع بين رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، والرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في روسيا، تلك الزيارة التي سبقها ترجيحاتٌ وتحليلاتٌ سياسية تحدثت عن سعيٍّ حثيث تقوم به تل أبيب لتحجيم الدور اﻹيراني في سورية.

روسيا لعبت دور المتفرج خلف الحلبة، واكتفت بمشاهدة حليفها اﻹيراني، يتلقى الصفعات المؤلمة على أرض الحليف الثاني (نظام بشار اﻷسد)؛ ولعل الاكتفاء بدور المشاهد يبرهن بأنّ موسكو كانت على علمٍ مسبق بالضربة؛ بدليل أنها تمتلك منظومة صواريخ إس -400 ولم تستخدمها في حماية حليفها.

موسكو الحليف الذي تشد طهران ظهرها به، طلع ما بينشّد فيه الظهر، كما يقال في المثل العربي الدارج؛ فقد اكتفت روسيا بالتعبير عن قلقها إزاء التصعيد اﻹسرائيلي، معتبرةً أن لهُ تأثيراً سلبياً على التسوية السياسية.

الموقف الروسي يعكس انسجاماً واضحاً في دبلوماسيتها القائمة على سياسة التوازن في العلاقة بينها وبين “تل أبيب-واشنطن” من جهة، و”طهران” من جانبٍ آخر، فهي تبعث بالتالي رسالة مفادها، عدم الرغبة الروسية في تأزيم علاقاتها مع بقية اللاعبين اﻷساسيين في الملف السوري.

موسكو إذاَ غير معنية تماماً بالضربة التي تلقتها إيران؛ فجنودها ومواقعها بعيدة عن التهديد والخطر.

يمكن الذهاب أبعد كثيراً، إنْ استرجعنا تصريحات رئيس الوزراء اﻹسرائيلي، بنيامين نتنياهو بعد لقائه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين؛ فقد استبعد قيام روسيا بالتحرك لمنع أو الحدِّ من الضربات تلك.

ويبدو من خلال تصريحات نتنياهو، أنّ روسيا ليست رافضةً لاستهداف إيران فحسب، بل إنها لن تتحرك لمنع ضربات أخرى توجهها إسرائيل لها في سورية.

الموقف الروسي من الضربة اﻹسرائيلية على المواقع اﻹيرانية في سورية، يفسر ما يتم الحديث حوله مؤخراً، حتى داخل الشارع السوري، فالرغبة الدولية قوية وتزداد في محاولة إخراج ميليشيا إيران مقابل بعض اﻻمتيازات، وبالطبع موسكو لن تمانع هي الأخرى في حال حازت على ضمان بقاء مصالحها في سورية.

المعركة المعلنة ضد إيران:

اللافت اعتراف إسرائيل بالضربات الجوية الواسعة على المواقع الإيرانية العسكرية في سورية؛ ما يعني اﻻنتقال من مرحلة المواجهة السرية، إلى الحرب المباشرة، عسكرياً، بعد أنْ كانت مجرد معركة إعلامية في الفضاء، وبلغةِ العوام مجرد (ملاسنة) لكن بعيداً، حتى اليوم، عن اﻷراضي اﻹيرانية.

مستقبل الخيار العسكري:

السعي اﻹسرائيلي ﻻ يستهدف إيران بالضبط، وإنّما يمكن إدراجه في إطار التذكير والتأكيد على الخط الأحمر الذي يقضي بمنع تمدد المشروع اﻹيراني في المنطقة، والذي بات حقيقةً أسهمت فيه السياسات اﻷمريكية السابقة، بعد احتلال العراق، واليوم باتت سورية ولبنان موطئ قدمٍ راسخة لـ”طهران”.

خشية تل أبيب بدأت تزداد مع تنامي الدور اﻹيراني قريباً من حدودها (الجولان السوري المحتل)، بالتالي؛ تخشى إسرائيل من تحويل اﻷرض السورية منطلقاً لتنفيذ ضرباتٍ عسكرية باتجاه المناطق التي تحتلها.

عموماً، يتفهم العالم، الخط اﻷحمر اﻹسرائيلي، ويمكن إيجاد المبرر لها، في تصعيدها، وليس من المستبعد احتواء ما يحدث، وفق تفاهماتٍ سوف تفرضها تل أبيب نفسها، فهي اﻷقوى والمدلل دولياً، وطهران تدرك ذلك تماماً.

ميدانياً؛ في حال استمرار التصعيد وعدم احتوائه وهذا أمرٌ مستبعد، سيقود إلى تغييراتٍ كبرى في الشرق اﻷوسط، وهذا ما يزال خياراً مرفوضاً من المجتمع الدولي.

إيران تتلقى الصفعات:

لم تكد تصحو طهران من صفعة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الذي أعلن انسحاب الولايات المتحدة، من الاتفاق النووي، حتى تلقت الضربات المؤلمة التي وجهتها تل أبيب. صفعتين ﻻ يفصل بينهما فاصلٌ زمني كبير، يعزز الرغبة في تحجيم نفوذ إيران.

ثمةَ صفعةٌ أخرى تلوح بها واشنطن، ولن تملك “طهران” الغارقة في الوحل السوري والعراقي القدرة على استيعابها، تتمثل بفرض عقوباتٍ اقتصادية جديدة.

تحركاتٌ أخرى تنتظر الإشارة، فالأخطبوط الأمريكي-الإسرائيلي بدأ بتصفية العنجهية الإيرانية وإغراق أحلامها (التي صنعها بنفسه)، ومن يعلم ما قد تقدّمُ عليه داعش قريباً.

موسكو مستفيدة هي اﻷخرى من تلك الضربات، بل ربما تزغرد لها سرّاً، فحتى وإن كان خيارها متوافقاً مع الرغبة اﻹيرانية في إبقاء اﻷسد، لكنها تمتلك رؤية مغايرة، من شأنها ومن مصلحتها إضعاف النفوذ اﻹيراني في سورية؛ حتى تبقى روسيا “سيدة المشهد السوري”.

أعداء المشروع الفارسي في المنطقة كُثُر؛ والجميع متأهبٌ للانقضاض على الفريسة والأخذ بالثأر؛ حتى نظام الأسد لم يعدْ يمتلك القدرة على حماية حليفه، بل ربما له المصلحة الأكبر في التخلص من سلطته عليه، وكما يقال في المثل الشعبي: إذا وقعت البقرة كثرت السكاكين.

إيران كيف ترد؟!

الرد اﻹيراني على إسرائيل محكومٌ بجملة من العوامل في مقدمتها:

العامل اﻻقتصادي الذي سيلعب الدور اﻷكبر في تحديد قدرة إيران على الرد عسكرياً، فالمؤشرات تؤكد أنّ انسحاب أمريكا من اﻻتفاق النووي أثر بشكلٍ كبير على سعر صرف الريال اﻹيراني، بالتالي؛ فإنّ أيّ خطوةِ تصعيدٍ إيرانية ستنعكس سلباً على الداخل (الإيراني) الذي يشهد موجة اضطرابات واحتجاجات؛ بسبب اﻷزمة اﻻقتصادية، واﻷوضاع المعيشية المتردية.

كذلك الموقف الروسي في حال قررت إيران الرد عسكرياً على تل أبيب، منطلقةً من اﻷرض السورية.

ميدانياً، احتمال الرد اﻹيراني ضعيف، والورقة الوحيدة التي تمتلكها طهران، تتمثل بتحريك أذرعها “حزب الله اللبناني” وبعض الميليشيات الموالية لها في سورية.

الموقف اﻹيراني متأزّم، ومعظم المؤشرات العسكرية والسياسية تؤكد ضعف اﻷوراق التي تمتلكها حكومة طهران لمواجهة تل أبيب وأهدافها.

بالمحصلة؛ إسرائيل حشدت جيداً باتجاه معاقبة طهران على ملفها النووي، وتجاوزاتها في سورية (ليس دفاعاً عن الثورة السورية بالتأكيد)، فتل أبيب ﻻ تريد جاراً قوياً على حدودها، باختصار.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر arabic.rt تركيا الآ
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend