جدلية العلاقة الفاسدة بين الراعي والرعية

أخيراً فعلها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وكان صادقاً في وعيده، مثلجاً صدور العرب المستشيطة غضباً، ﻻ سيما في نفط ستان العربية.

الأيام السورية؛ فرات الشامي

على صفحات التواصل الاجتماعي، الهتافات ترتفع، والقلوب تكاد تطير، وليس ثمة من أخفى استعداده ﻻفتداء (ترامب) بالروح والدم، وكأنما بان على يديه أنّهُ المهديّ المنتظر، ومخلص الأمة من فزاعة النووي الإيراني.

بالروح بالدم نفديك ترامب، مقولةُ موغلةٌ في التاريخ العربي، تقدس الحاكم وتمجده، ترفعه إلى رتبة الإله.

السعودية، الإمارات، أعلى المستويات العربية الرسمية باركت الخطوة الحكيمة، شأنهم في ذلك شأن العدو الإسرائيلي، الذي التقى ﻷول مرة مع المصلحة العربية، ولربما ذاب جليد العلاقات، إثر تلك المبادرة، من يدري؟!

مطالعة لما كتبته الصحف وهللت له الأقلام العربية، بأوامر من أعلى الهرم العربي، يضعنا أمام مقاربة من نوعٍ مختلف؛ الشعب والأمراء العرب، حكامنا واﻹمبراطور ترامب اﻷسد…!!

ترامب مرّغ تلك المقولة في التراب، وفهم العربي اللغز، فأشاح بوجهه ويممه شطر واشنطن، فحيث ما كنتم فولوا وجوهكم إليها...!!

عرفنا اليوم، شعبياً على الأقل، من كان المقصود بالهتاف والتقديس، إنّها اليد التي مكّنت لحكامنا من الجلوس فوق رقابنا لعقودٍ طويلةٍ، وحقبةٍ مديدةٍ، يومها اختزلنا الأرض والتاريخ والمقدرات التي هي مُلكُ للأمة بشخصية القائد الملهم…. كنا مغفّلين إلى تلك الدرجة، لم نبصر أنّ وراء الشمس والمحيط من يدير لنا الدفة… إنّه البيت الأبيض.

فعلها ترامب أخيراً، وخرج من اﻻتفاق النووي الذي وقعه سلفه باراك أوباما، لكن قبل التهليل لفعلته، هل كان خروجه لسواد عيون اﻷمة العربية والإسلامية؟!

العلم عند الله؛ وإنما اﻷعمال بالنيات، ولكلِّ امرئٍ ما نوى.

أعلنها ترامب أمام الجماهير العريضة: ((إننا السادة الذين توّجناكم، نحن من يحميكم من الشعوب، نخلع من نشاء ونبقي من نشاء، نعزّ من نشاء ونذلُّ من نشاء، لكن لم ولن نفعلها عفو الخاطر، بلا ثمن، حتى اﻻتفاقيات والمواثيق، كلها ينبغي أن تفصّل على المقاس اﻷمريكي… فأمريكا أولاً وأخيراً)).

لن نستغرب إذا وجدنا من بين السياسيين (العرب) من يهتف، بعد الصنيعة اﻷمريكية التي مرغت أنف اﻹيرانيين: «أمريكا وبس والباقي خس، ماما أمريكا، أمريكا أٌم الدُّنيا».

وليس مستبعداً أن يدرس أبناؤنا ويهتفون في طابور الصباح: ترامب اﻷسد إلى اﻷبد.

كثيرٌ من القادة العرب اختار زيارة البيت اﻷبيض لإقناع إدارته بضرورة فك اﻻرتباط والحلِّ من اﻻتفاق، فكان المنطق اﻷمريكي منطق (الراعي) وكان أصحابنا قد اختاروا طواعيةً أن (يُحلبَوا) معتقدين أنههم من (يدفع)!! حتى وإنْ كان الثمن المدفوع (القدس).

ترامب اﻷسد بدا صادقاً في لحظةٍ تاريخية غاية في اﻷهمية، أظهر فيها جوهر القضية والصراع، بل أماط اللثام اﻷسود عن وجه الطغاة العرب.

البعض شكر وهتف بحياة ترامب، لكنه لم يعلن موقفه مما فعله ويفعله بحق الشعب العربي السوري الذي خرج مطالباً بالديمقراطية؛ التي دعانا إليها من سبقوه في واشنطن، فانقلب عليهم بصمته على جرائم اﻷسد… ربما ﻷنّه تبنى منهج السلفية الجهادية التي تعتبر أنّ الديمقراطية كفر، بالتالي؛ خروج الثوار في سورية، خروجٌ عن الملّة؟!

لم يخبرنا أولئك الذين رحبوا بصنيعة ترامب (اﻻنسحاب من اﻻتفاق النووي الإيراني)، هل صفحوا عن شراكته مع الطغاة العرب وأثمه بحق الضعفاء (الشعوب)؟!

حتى في طهران، رغم أنهم أعلنوا حربهم على الشيطان اﻷكبر (أمريكا)، سيجدون خلال فترةٍ قريبةٍ أنفسهم مبتعدين عن الصواب، وأنّ مسرحية الوﻻء ﻵل البيت، وتفتيت الراية المسلمة، إثر صراعٍ تاريخي عمره يزيد عن 1400 عام، بين الصحابيين عليٍّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، لم يكن هو اﻷصل، بل كان فرعاً عن ولاء الملالي في (قم)، ﻵل البيت اﻷبيض…!!

قدّس الله سرّ اﻷسد وآله، قدس الله سرّ الخميني وآله، منطقٌّ عربيّ-فارسي اختزل الأمة والإله (ظل اﻹله على اﻷرض)، في رسومٍ تفنى، ونسينا الوطن، وجوهر الإسلام... فكان اﻻنقسام في الوﻻء والبراء بستارٍ ديني، يخفي أهدافاً سياسية.

ترامب سوف ينسف الماضي برمته، تاريخاً طويلاً اعتقدنا فيه-نحن العرب-؛ أنّ المستهدف هو القائد، فهو الوطن وكلُّ منهما يتماهى في اﻵخر، وأنّ المتآمرين الخونة ﻻ همّ لهم إلا النيل منه (القائد طبعاً)، فإنْ سلخ الصهاينة أرضاً كالجوﻻن، أو انتهكوا سيادة الأرض، فقد هُزِموا بفعل بقاء الرمز فوق عرشه.

ضجيج ثغاء الشعوب، ظلّ طويلاً يغطي أنين الحالمين بالكرامة، مشكلة العربي (بعضهم دون شك)، كانت في اﻻختيار الصحيح، فجوقةٌ اختارت الطاعة العمياء، وأخرى انكفأت على نفسها بعد اختيارها (المجد)، وما إنْ خرجت عن صمتها حتى عادت لتغفو من جديد في سرير الاستسلام.

العرب اكتشفوا اليوم، معنى سياسة القطيع، تعلموا أنّ ملحمة الخروج عن الطاعة (كفر)، أو (شقٌّ لعصا الجماعة)، واﻷهم في كل ما تسير به التراجيديا في المنطقة أننا أمام ملهاةٍ بكتابةٍ أمريكية فجرها القائد الملهم ترامب، خارجاً فيها عن النص المعتاد، بلا مواربة، صارخاً: “ادفعوا لتبقوا”.

فهمها الحاكم العربي، فهل يستوعب الدرس الحاكم بأمر الله في طهران؟! أم يبقى مصير الشعوب (الصامتة) سوقاً كالقطيع إلى الهاوية؟! تلك جدلية العلاقة الفاسدة بين الراعي والرعية.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend