لبنان ما بعد الانتخابات البرلمانية

ما شكل الدولة اللبنانية بعد اﻻنتخابات الأخيرة؟ إلى أيّ حدٍّ يمكن الحديث عن الانتهاء من الملف الطائفي وشبح الحرب الأهلية؟

الأيام السورية؛ فرات الشامي

المعركة الانتخابية البرلمانية في لبنان انتهت؛ بعد سنواتٍ عاشتها الدولة وسط أجواءٍ متوترة، نتيجة الاستقطاب الشديد على المستوى السياسي والطائفي، داخلياً وإقليمياً.

من خلال متابعة تطور المشهد أمام صناديق الاقتراع، قبل وبعد عملية فرز الأصوات، تترسخ لدى المتابع معطياتٌ هامة في مقدمتها؛ أنّ الساحة السورية أفرزت أثراً واضحاً على المعركة البرلمانية اللبنانية، كما أنّ التنافس الإقليمي (السعودي-الإيراني) أضاف بصمته هو الآخر على النتائج الانتخابية، بشكلٍ أو بآخر، لا سيما في جانب العلاقة بين (الأصدقاء والفرقاء)؛ والتي دفعت التكتلات والتيارات السياسية لإعادة النظر في شكل التحالفات.

طبيعة العلاقة السياسية والتركيبة الاجتماعية اللبنانية ذات البعد الطائفي؛ فرضت وجود نظرتين؛ داخلية، تتطلع إلى شكل الحكومة التي ستقود دفة السفينة السياسية على المستوى الداخلي والخارجي؛ خلال المرحلة القادمة، فيما كانت العين الأخرى تراقب ما يحدث إقليمياً من أوضاع مرشحة إلى التدهور.

نتائج الانتخابات النيابية اللبنانية، عكست على مدى العقود الماضية، أنّ عملية الاقتراع في الداخل لم تكن إلا مرآةً لحالة الاستقرار أو التوتر الإقليمي، بالتالي؛ فإنّ الحديث عن استقلالية المشهد السياسي في لبنان غير دقيقة. وهذا لم يختلف اليوم، بل على العكس، بدا أنّ البصمة الخارجية واضحة تماماً.

لبنان في كلِّ مرحلة واستحقاق انتخابي يثبت أنّه محطة هامة في المنطقة ومسرحاً تدور بداخله صراعاتٌ بالوكالة ومعارك قوية؛ بقيت (على الأقل حتى اليوم) تدور فوق الخشبة السياسية الداخلية (الهشة)، وأنّ كل ما يفرزه المشهد السياسي الداخلي يعكس حقيقة وصورة الصراع الإقليمي بامتياز. بدلالة أزمة استقالة الرئيس سعد الحريري، مع ما يمثله بالنسبة للمكوِّن السني؛ التي ما تزال ماثلة في أذهان الشارع، والأطراف الإقليمية المعنية (طهران-الرياض).

بعبارةٍ أخرى؛ المسرح الانتخابي اللبناني، وصندوق الاقتراع كان دائماً تصويتاً على ما يحدث خارج حدود لبنان بشكلٍ أو بآخر.

من المؤكد أنّ القانون الانتخابي الجديد شكل نجاحاً بالنسبة لتحالف حزب الله وحركة أمل، على حساب تيار المستقبل، الذي يتزعمه سعد الحريري، وفي ذلك مدلولاتٍ خطيرة على الحياة السياسية اللبنانية داخلياً، كما أنها مؤشر واضح على ترسيخ النهج الإيراني في لبنان.

يدعم المؤشر السابق تصريحات زعيم حزب الله، حسن نصر الله، يوم أمس الاثنين؛ الذي اعتبر في خطابه المتلفز، مستبقاً صدور النتائج الرسمية أنّ ما حدث يعد بمثابةٌ: ((انتصار سياسي ومعنوي كبير لخيار المقاومة الذي يحمي سيادة البلد)).

يحق لحزب الله أن يحتفل بالنتيجة التي حققها على حساب خصمه تيار المستقبل، فالعملية لم تخرج في جوهرها عن تنافس إقليمي بين إيران-السعودية، بموافقة دولية، من المحتمل أن تكون نتائجها مقدمة وذريعة بالنسبة لواشنطن التي تسعى للخروج من الاتفاق النووي الموقع مع طهران، ولعل الثمن دفع في لبنان كما هو واضح.

يواجه حزب الله ضغوطاً دولية وإقليمية هائلة يعود السبب إلى سلاحه الذي انخرط في الحرب السورية، ودوره في محاربة إسرائيل، لتكون نتائج اﻻنتخابات البرلمانية اللبنانية، رصيداً سيساهم في تعزيز حضور الحزب سياسياً لمواجهة خصومه بقوة بعد أن تحصن بدخوله تحالفاً برلمانياً قوياً يصل إلى 67 نائباً من أصل 128 نائباً؛ على المستويين الداخلي والخارجي.

بالمقابل فإنّ انتكاسة تيار المستقبل دفعت بعض المحللين للتلميح أو التصريح حول دور حزب الله في مستقبل الساحة اللبنانية مستقبلاً، ومن الطبيعي أن يكون ذلك مؤشراً آخر على حضور الحزب في صنع القرار السياسي الخارجي، يقول أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اليسوعية كريم مفتي لوكالة الأنباء الفرنسية: ((حزب الله في طريقه لأن يكون مؤثراً في عملية صنع القرار، ولكن ذلك سيعتمد أيضاً على التحالفات التي سينسجها أو يجددها)).

معظم الشواهد تؤكد أن اﻻنتخابات البرلمانية اللبنانية هذه المرة استهدفت نهج الحريري تحديداً، وفي طياتها معالم واضحة لحرب سياسية برداء طائفي تدعمه طهران، التي سوف تترسخ قدمها شرعياً بعد هذه النتائج، بالتالي تكون حصدت سياسياً الثمرة.

المنافسة بين نهجين سياسيين في لبنان تشير إليه صحيفة الأخبار القريبة من حزب الله في افتتاحيتها التي حملت عنوان، “الرابحون والخاسرون”؛ جاء فيها أنّ حزب الله وحركة أمل أظهرا “قدرة فائقة على تنظيم الصفوف بما يمنع تعرضهما لأي انتكاسة”، فيما “تلقى الحريري (وتيار المستقبل الذي يرأسه) الصفعة الأكبر في تاريخه”. معتبرةً أنّ: “خسارة الحريري” هي “العلامة الفارقة في هذه الانتخابات”.

عملياً؛ خسر تيار المستقبل أمام منافسه حزب الله، لكنه حافظ على موقعه ومكانته ممثلاً لأكبر كتلةٍ سنية في لبنان؛ إضافةً لما حققه من نتائج مقبولة في دوائر الشمال مجتمعة (عكار والمنية والضنية وطرابلس)، وهذا ما سوف يعطيه فرصة قوية لتشكيل الحكومة مجدداً.

الحريري خرج في هذه الدورة الانتخابية أمام مواجهاتٍ صعبة، تمثلت في حملة تضخيمٍ إعلاميٍّ كبير، أراد معارضوه من خلالها تجيير التراجع الذي حصده ﻻ سيما في بيروت لصالح أجندتهم، بحسب ما يصف مؤيدوه مخرجات النتائج الانتخابية.

تيار المستقبل حقق نجاحاً مقبولاً، وإن لم يكن ضمن السقف المطلوب، لكنه أتى كنتيجة لوجود مجموعة من العوامل والفرص الذهبية التي حاول التيار تجييرها لمصلحته للفوز بمقاعد انتخابية جديدة، مستفيداً من تفتت بعض القوى أو عدم تماسكها، والعامل الأهم كان سببه حتمية الالتفاف السنّي حوله، كردٍّ طبيعي وخشيةٍ يبررها تداعيات تدخّل إيران في لبنان، فالمثال قريب وحاضر في كلٍّ من سورية وقبلها العراق.

المرجح أنّ كتلة الحريري ستكون أضعف في التركيبة البرلمانية الجديدة، مقارنة بمكانتها خلال السنوات الماضية.

إنّ جميع المؤشرات الداخلية اللبنانية التي كانت أمام المراقب حتى فترة قريبة رجحت أنّ تعديل “القانون الانتخابي”، وتأجيل اﻻنتخابات البرلمانية العام الماضي، جاء لإتاحة الوقت أمام اللبنانيين للتوافق عليه، في حين تؤكد النتائج مؤخراً؛ أن مسألة التوافق اللبناني-اللبناني ما هي إلا محصلة لتفاهمات إقليمية دولية معاً.

سقف التوقعات السياسية في لبنان لم تكن واقعية فعلياً، وهي التي افترضت بأنّ نجاح القانون الانتخابي النيابي الجديد المعتمد على مبدأ “القوائم النسبية”، كان من المفترض به تحجيم النزعة الطائفية، لكنه أعاد تدويرها وترسيخها في المجتمع اللبناني وأمعن في ذلك، إرضاءً واستجابةً للواقع الداخلي والإقليمي.

النتائج التي خرجت اليوم تؤكد بأنّ القانون الانتخابي الجديد، الذي أعاد تقسيم الدوائر النيابية؛ سيسهم في تعقيد المشهد السياسي في الداخل اللبناني، فضلاً عن احتمالية تفكيك المفكك أصلاً.

بالتالي؛ فإنّ السعي لتحصين الدولة اللبنانية على المستوى الداخلي، ومنع انتقال الحمى الطائفية إليها (وهي موجودة فعلاً)، قد فشل. وأكدت لبنان أنها ضعيفة إلى حدٍّ كبير في مواجهة الانقسام والصراع خارج حدودها.

لا يستبعد المراقب أو يستغرب، مستقبلاً، عودة شبح الشحن الطائفي، باعتبار أنّ (الطائفية)، هي المحدد الجوهري الذي ترتب عليه توزيع المقاعد والتصويت. وهذا ما أثبتته عملية فرز الأصوات.

فالتحالفات التقليدية المعتادة ظلت على حالها بالنسبة لحزب الله وحركة أمل إضافةً لبعض القوى القريبة منها، بينما واجه تيار المستقل، الذي يتزعمه “سعد الحريري”، في هذه الدورة الانتخابية مشاكل كبيرة؛ هي محصلة طبيعية لمشوارٍ سياسي محفوفٍ بأداءٍ حكوميٍّ ضعيف، وخطابٍ انتخابيٍّ هزيل، ما أفقد التيار جزءاً من شعبيته وحضوره التقليدي.

يبدو أن الارتباط اللبناني بالمسرح الإقليمي أفرز حالة صدام (طائفي) تقوده (إيران) من جهة، وتزكي فتيله دولٌ إقليمية في مقدمتها (السعودية).

نحن أمام مظهرٍ سياسي بعباءة طائفية مستشرية في المنطقة، وبوجهٍ خاص في العراق وسورية، وبالطبع لبنان، يدفع إليها التنافس المحموم بين (الرياض-طهران).

ما أفرزته صناديق الاقتراع في الانتخابات اللبنانية، تؤكد أنّ تركيبة البرلمان الجديد لن تشهد تغيراتٍ جذرية مستقبلية؛ ما يعطي انطباعاً مسبقاً عن صورة الحكومة القادمة.

المرجح مواجهة صعوبات في تشكيل حكومة توافقية، تقوم على مبدأ الائتلاف، وليس الأغلبية. بالتالي؛ فإننا سنكون أمام توازنٍ في الخطاب السياسي الخارجي، وبمعنىً أدق؛ الحفاظ على نهج “النأي بالنفس” على المستوى الرسمي (فقط).

بالمحصلة؛ لبنان خرجت بعد اﻻنتخابات كما دخلت، حالة جديدة من تكريس الانقسام الطائفي، والتحالفات الهشة.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر حزب الله أكبر الفائزين وتراجع كبير لكتلة الحريري انتخابات لبنان الرابحون والخاسرون
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend