السوريون وحق العودة

ما مصير اللاجئين السوريين في دول الشتات بعد حل المسألة السورية، وإنهاء ملف الحرب الدائرة، بغض النظر عن المنتصر؟

الأيام السورية| فرات الشامي

ميدانياً استطاع نظام الأسد أن يكسب المعركة ضد معارضيه، بالمفهوم العسكري، ويمكن القول: إنّه تمكن إلى حدٍّ كبير من تخطي مرحلة صعبة عاشها نظامه لينتقل في المرحلة المقبلة إلى قتل الثورة فكرياً؛ من خلال الضغط عبر العامل النفسي لكل من ينتمي إليها سواء في الداخل السوري أو دول الشتات.

ما بعد هزيمة الفصائل المعارضة المسلحة داخل الغوطة الشرقية، وحشر الجميع في الشمال، بدأت سياسياً كفة النظام تترجح، ومن المنطقي أن يبدأ الكلام عن اللمسات الأخيرة في مرحلة الحسم، وما سوف يعقبها.

حق العودة، الجزء الأكثر غموضاً في ملف الأزمة على المسرح السوري اليوم، فلا يمكن الاعتماد على تصريحات المسؤولين في حكومة النظام الداعية للرجوع إلى ما بات يسمى في عرف الشارع، حضن الوطن، ولا يمكن حتى التسليم لتلك الأصوات المرتفعة التي خوّنت من خرجوا، وترفض عودتهم.

سياسياً، المسألة ليست بحجم حكومة مترهلة يتزعمها الأسد مطلقاً، وإنما هي مصالح دولية وإقليمية أكبر من حجم النظام السوري والمعارضة في آنٍ واحد، وما سينتج مستقبلاً من تفاهمات في أروقة اجتماعات الأطراف الكبرى المعنية، هي التي سوف تحدد مصير ملف حق العودة.

اللافت اليوم أن الكلام عن ملف حق العودة لم يعد محصوراً أو مرتبطاً بالقضية العراقية، والفلسطينية من قبلها. بل بات بالإمكان الحديث عن مصيرٍ غامضٍ لآلاف المهجرين قسرياً من سوريا هرباً من الحرب، وبطش الأطراف المتنازعة، المعارضة والنظام على حدٍّ سواء، كما لا يمكن بالتأكيد حصرها بأبناء السنّة، فالكثيرون هاجروا إلى دول الجوار، خوفاً، دون تفكير بالانتماء الطائفي أو العرقي، وهؤلاء من يبحثون عن إجابة حول مصيرهم.

بالنسبة للمعارضين، ثواراً مقاتلين أو مطلوبين لنظام الأسد الموجودين في الشمال السوري، فلا شك بأّن الكلام حول مسألة حق العودة محسوم بالنسبة للمنتصر في المعارك العسكرية، وهؤلاء-المعارضة-باتوا على دراية كاملة بمصيرهم وبأنّ الطريق إلى الحسم سوف ينتهي على بوابة محافظة إدلب، منفاهم القسري.

بقاء نظام الأسد، يعني بالنسبة للموالين تحقيق النظرية التي أطلقها في إحدى خطاباته التي تحدث فيها عما أسماه، المجتمع المتجانس، بالتالي؛ فإنّ عودة اللاجئين تعتبر مشكلة بالنسبة لأنصار الأسد، الذين يرون فيهم أنهم خونةً وأعداء للوطن، وهي فلسفة عزّزها خطاب بشار الأسد وإعلامه في الأعوام الماضية.

تشير التطورات الراهنة والوقائع الأخيرة، في سورية، بالمقارنة مع ملف حق العودة الفلسطيني والعراقي أنّ الحالة متقاربة، ولا تبدو أفضل حالاً؛ فالهندسة الديموغرافية التي بدأت بالنشوء على الجغرافيا السورية وفق أسسٍ طائفية، تشكلت ملامحها منذ عمليات التهجير القسري للريف الدمشقي، وباتت تؤكد أن المنهجية المرسومة للتغيير السكاني في البلاد يسير بخطوات متسارعة، من المرجح أن تنتهي إلى إفراز قوانين من شأنها أن تُفقد المغتربين أو حتى المهجرين السوريين ممتلكاتهم من عقارات وغيرها.

مركز كارنيجي لدراسات الشرق الأوسط، حدد في تقرير أعده الباحث السوري، سلام الكواكبي، تحت عنوان “أصوات مهمّشة.. ما يحتاجه اللاجئون السوريون للعودة إلى الوطن“، مؤشراتٍ تؤكد صعوبة أو معوقات العودة بالنسبة للاجئين السوريين من بينها أنّ:

((نسبة كبيرة من المنازل التي هدّمت في الكثير من المناطق والمدن لا تقوم على أساس الملكية، فهي أقرب إلى العشوائيات والبناء غير القانوني والمنظم، لذلك يفقد سكّانها المهجّرون حقّهم فيها بمجرد ما قُصفت وسويّت بالأرض، وهذا حدث بشكلٍ واقعي.

وضع اليد على الأملاك والاستيلاء عليها، وبروز مافيات تشتريها بأسعار هزيلة، وتبيعها للسكّان الجدد، على أسس طائفية، من الظواهر المنتشرة المنهجية اليوم.

ويعزّز هذه المنهجية الجديدة المرسوم العاشر الذي أصدره، بشار الأسد، في شهر إبريل/نيسان الجاري، القائم على حق الدولة في إعادة التنظيم، والسماح بإحداث مناطق تنظيمية ضمن المخطط التنظيمي، يتم فيها حصر الملكيات الخاصة، وتسجيلها من جديد في السجل العقاري، على أن يكون هذا التسجيل نهائياً في نهاية فترة الطعن المقدرة بـ 30 يوماً من تاريخ حصر أملاك المنطقة الإدارية. وبناءً على هذا المرسوم، فالجميع مطالب بإعادة تسجيل ملكيته العقارية والزراعية، ومن لم يقم بذلك في المدة المحدّدة يفقد حقّه في ملكيته، ويستطيع تفويض أحد أقاربه، لكن هذه الإجراءات الضبابية سمحت ببث فوبيا لدى المهاجرين بفقدانهم ملكياتهم، ما استغله بعض المنتفعين المافيات النشيطة حالياً في شراء هذه الملكيات بأسعار زهيدة، وهو ما حذّر منه محامون ونشطاء سوريون معارضون بأنّ ذلك وسيلة خلفية غير قانونية، لتغيير الملكيات وشراء الممتلكات وإكمال عملية الهندسة السكانية الجارية! )).

موضوعياً فإنّنا أمام نقطتين في ملف العودة يركز عليها اللاجئون أو الهاربون من الحرب في طريق عودتهم:

فالحالة الأمنية غير المستقرة، والخوف من إجراءات محتملة سوف يقوم بها النظام السوري بحق العائدين، فإنها ما لم تتضح ستظل عائقاً في طريق العودة.

كذلك الاستقرار السياسي وعملية انتقال السلطة، وتحقيق العدالة الانتقالية، ما يزال في إطاره الغامض، ما يعني أنّ طريق العودة سوف يكون محفوفاً بحروب بديلة عنوانها الانتقام. وبالتالي متابعة منهجية مشروع النظام القائم على فكرة التغيير الديمغرافي على الأقل ينبع ذلك من تجربة الناس وخبرتهم في سياسات نظام الأسد تاريخياً، في حال بقائه.

حق العودة، ملف سوف يفتح في مرحلة قادمة، لن يختلف في قسوته عن مشهد العنف الذي نراه اليوم على الساحة السورية، إن لم يتم التعامل معه بجدية كورقة إنسانية، لا ورقة ضغط ترمى على طاولة التفاوض والمصالح الدولية.

بقاء نظام الأسد، يعني بالنسبة للموالين تحقيق النظرية التي أطلقها في إحدى خطاباته التي تحدث فيها عما أسماه، المجتمع المتجانس، بالتالي؛ فإنّ عودة اللاجئين تعتبر مشكلة بالنسبة لأنصار الأسد، الذين يرون فيهم أنهم خونةً وأعداء للوطن، وهي فلسفة عزّزها خطاب بشار الأسد وإعلامه في الأعوام الماضية.

ملف المهاجرين والمهاجرين السوريين، أو ما يمكن تسميته لاحقاً، حق العودة، قضية دولية بامتياز، سوف تتركز معظم المباحثات المستقبلية حولها، في حال فرض حل جذري للمسألة السورية، بغض النظر عن المنتصر فيها.

مسألة العودة تعتبر قضية إنسانية في المقام الأول، لها تداعياتها المستقبلية، سيسولجياً، لما يفرزه اللجوء من نتائج سلبية، اجتماعياً وثقافياً، على البلد الأم وكذلك المستضيف، وبالطبع لا يمكن إغفال آثارها النفسية.

حق العودة، ملف سوف يفتح في مرحلة قادمة، لن يختلف في قسوته عن مشهد العنف الذي نراه اليوم على الساحة السورية، إن لم يتم التعامل معه بجدية كورقة إنسانية، لا ورقة ضغط ترمى على طاولة التفاوض والمصالح الدولية.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر سانا: الرئيس الأسد يصدر قانوناً يجيز إحداث مناطق تنظيمية ضمن المخطط التنظيمي خطاب بشار الأسد: الآن صار المجتمع متجانسا
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend