قمة الكوريتين التاريخية مساراتها أين تتجه

القمة التاريخيّة الأولى بين الكوريتين، إلى أين تتجه، وهل تسير بشبه الجزيرة الكورية إلى طي الخلاف التاريخي والانقسام؟

الأيام السورية؛ فرات الشامي

تحوّلٌ تاريخي حمله يوم الجمعة السادس والعشرون من نيسان/أبريل الجاري، سبقه حبس للأنفاس، قبل ساعات من القمة التي جمعت الرئيس الكوري الجنوبي مون جيه-إن، وزعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون؛ في أول قمة للكوريتين منذ أكثر من عقد، بعد توترٍ وقطيعةٍ بين الجارين، سبق أن وصلت إلى الصدام العسكري بين عامي 1950 و1953.

قمة الكوريتين التي كانت عند خط ترسيم الحدود العسكريّة، كتبت تاريخاً جديداً للعلاقات الثنائية بين الجارين المتخاصمين، وأصبح بذلك الرئيس كيم جونج أون، أول زعيم لكوريا الشمالية تطأ قدماه الجنوب منذ الحرب الكورية.

ثمة مؤشّراتٌ توحي أنّ الزعيمان الكوريان يحاولان إظهار جديةٍ في إطار السعي للسلام، تجلى ذلك خلال عدة نقاط ملفتة: أولها، الموقف العفوي والمبادرة التي لفت إليها الرئيس الكوري الجنوبي، مون جيه إن، الذي دعا نظيره زعيم كوريا الشمالية، كيم جونج أون، لعبور الخط إلى الشمال لفترة وجيزة قبل أن يعود الاثنان مرة أخرى إلى الجانب الكوري الجنوبي من الحدود.

تبع البروتوكول الدبلوماسي حفاوةً في استقبال الضيف الشمالي، في المنطقة منزوعة السلاح بين البلدين، ليكون المشهد الأبرز متمثّلاً بتوقف الرئيس كيم جونج أون، للتوقيع في دفتر الزوار ببيت السلام في كوريا الجنوبية، ويكتب عبارةً باللغة الكورية في الدفتر: “تاريخٌ جديدٌ يبدأ الآن. عهد من السلام” ثم أمضى توقيعه والتاريخ.

عبارةٌ هي الأخرى تفتح باب التأويل للحديث عن فترةٍ تاريخية تطوى فيها مرحلة طويلة من الخلاف والحرب، بالمقابل، لا يمكن الجزم أو التكهن مبدئياً بأنّها سوف تكون خط البداية لإصلاح العلاقات بين الجارتين اللدودتين، لكنها تبقى لحظةً تحمل في طياتها رسالة بأنّ المستحيل غير موجود في عالم السياسة والمصالح الدولية. هذا ما تشير إليه كلمات الرئيس كيم، الذي قال قبل أن يبدأ مع نظيره الرئيس الجنوبي مون في المحادثات: “إننا اليوم عند خط بداية، حيث يسطر تاريخ جديد من السلام والرخاء والعلاقات بين الكوريتين”.

المشهد الودي السابق لم يمنع المستضيف الجنوبي من إبراز قوته، مرسلاً رسالةً واضحة للضيف الشمالي، أنّ الحرب لم تنته بعد، وهذا بالضبط ما فسرته وسائل إعلام كورية جنوبية، حين تحدثت عن دلالات اكتفاء العسكريين في الوفد الجنوبي بمصافحة الزعيم الضيف كيم جونغ أون.

طروحات وقضايا من المفترض أنّه تمت مناقشتها في القمة التاريخية، قد يكون من المبكر الحديث عن نتائجها لكن عزيمة الطرفين بدت واضحة تفسرها تصريحات الرئيس كيم: “اليوم وبدلاً من التوصل إلى نتائج لن نتمكن من تنفيذها مثلما حدث في الماضي، فإننا يجب أن نحقق نتائج جيدة خلال الحديث بصراحة بشأن القضايا الحالية والقضايا ذات الأهمية”.

أسبابٌ كثيرةٌ تفسر أهمية القمة التاريخية الثنائية بين الكوريتين في مقدمتها: انعقادها في المنطقة منزوعة السلاح، وهي قطعة أرض مساحتها 260 كيلومترا نصت الهدنة بين البلدين عام 1953 على أنها ستكون منطقة عازلة بين الجنوب والشمال. وأنها القمة الأولى بعد حربٍ وتوترٍ بين البلدين، كان من المرجح أن تنتهي بحربٍ جديدة. فهي المرة الأولى التي يلتقي فيها الزعيمان الكوريان منذ 2007، كما يمكن اعتباره أول قمة من نوعها لزعيم كوريا الشمالية الشاب.

كمقدمة لهذا اللقاء التاريخي يمكن القول: بأنّ الجليد المتراكم والمحيط بالعلاقة الثنائية بين الكوريتين يكاد يقترب من الذوبان، ويعود الفضل في تحسن العلاقات مؤخراً إلى الخطوة الاستثنائية التي ارتسمت ملامحها مع بداية دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في شباط/فبراير الفائت.

الحوار بين الجارتين المتحاربتين، أتى على أعلى المستويات مباشرةً بعدأشهر قليلة من تحسن العلاقات بين البلدين، ما يؤكد أنّه سوف يمهد الطريق ويذلل العقبات أمام المباحثات المقترحة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية.

تكمن الأهمية في هذا اللقاء بأنّ مواضيعه حساسة، حيث يتصدّر أجندة اللقاء قضايا نزع السلاح النووي والسلام في شبه الجزيرة الكورية.

إضافةً لكونه (القمة الكورية) تعتبر تلاقياً كبيراً، يعطي أنّ انطباعاً ورسائل خارجية بأنّ الحرب والتوتر بين الدول، تزيله الدبلوماسية أو على الأقل تحجمه.

المثير للضحك في قمة كهذه ما صرّح به الزعيم الشمالي لنظيره الجنوبي، بأنّه لن يوقظه لاحقاً بعمليات إطلاق الصواريخ التي تنفذها بيونغ يانغ عادة في فترة الصباح.

سبعة عقود من التوتر شهدتها شبه الجزيرة الكورية المقسومة، لعلّ أبرز محطاتها كانت على النحو التالي:

الحرب (1950-1953):

في 25 يونيو 1950 الجيش الكوري الشمالي يعبر خط العرض ال38 الفاصل بين الشمال الشيوعي والجنوب الرأسمالي، ويسيطر على سيول في غضون ثلاثة أيام.

اتسع نطاق الحرب مع دعم الولايات المتحدة للجنوب، والصين للشمال، ما أوقع ما يقارب مليونين إلى أربعة ملايين قتيل.

تمّ توقيع هدنة هشة في 27 يوليو 1953 لكن دون أن يعقب ذلك اتفاق سلام، ما يؤكد بأنّ البلدين لا يزالان يعيشان عملياً حالة حرب.

توغلات واغتيالات:

  • 21 يناير 1968: اعتراض مجموعة كوماندوس من 31 شخصاً، أرسلتها بيونغ يانغ لاغتيال الرئيس بارك تشونغ هي، على بعد مئة متر فقط من مقره، ومقتل أكثر من 90 كورياً جنوبياً في إطلاق النار الذي تبع ذلك. والسلطات الكورية الجنوبية تقبض على أحد ناجيين اثنين فقط من المجموعة.
  • 18 آب/ أغسطس 1976: جنود كوريون شماليون يهاجمون فريقاً يقطع الأشجار في المنطقة منزوعة السلاح بين الكوريتين ومقتل جنديين أميركيين.
  • 9 تشرين الأول/أكتوبر 1983: كوريا الشمالية تقصف ضريحاً في رانغون ببورما خلال زيارة للرئيس الكوري الجنوبي تشون دو هوان، والضحية بلغت حصيلتها 21 قتيلاً.
  • 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1987: انفجار قنبلة على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية الكورية الجنوبية قبالة سواحل بورما خلّفت 115 قتيل، وسيول تتهم بيونغ يانغ لكن الأخيرة تنفي.
  • 18 أيلول/سبتمبر 1996: مقتل 24 عميلاً من كورية الشمالية، وأربعة عملاء كوريين جنوبيين خلال محاولة توغل لغواصة في كوريا الجنوبية بالقرب من مرفأ غانغنونغ.
  • 15 حزيران/يونيو 1999: مواجهات بين قطع حربية للكوريتين قبالة جزيرة يونبيونغ الحدودية في البحر الأصفر، أدت إلى مقتل نحو 50 كورياً شمالياً وغرق طوربيد.

الطموحات النووية:

9 تشرين الأول/ أكتوبر 2006: الشطر الشمالي يجري أول تجربة نووية ناجحة، ما يدفع بالأسرة الدولية على فرض عقوبات لا تزال سارية بحقه.

26 آذار/مارس 2010: سيول تقول: إنّ زورق تشونان السريع تعرّض لطوربيد أطلقته غواصة كورية شمالية، مما أدّى إلى مقتل 46 بحاراً، لكن بيونغ يانغ تنفي تورطها.

23 تشرين الثاني/نوفمبر 2010: القوات الكورية الشمالية تطلق 170 قذيفة أو صاروخٍ على جزيرة يونبيونغ في أول هجوم على منطقة مأهولة بمدنيين منذ الحرب؛ ما أوقع أربعة قتلى بينهم مدنيان، ورد مسلح من سيول.

في 2017، بيونغ يانغ تكثّف إطلاق الصواريخ البالستية وتنفذ في 3 أيلول/ سبتمبر سادس تجربة ذرية لها، والأكثر قوةً حتى اليوم، على خلفية تصعيد كلامي بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون الذي يعلن أنّ بلاده باتت قوة نووية فعلية.

بالمقابل يمكن الحديث أيضاً عن محطات انفتاح بين الكوريتين، فعلى الرغم من حالة التوتر بين الطرفين، فقد عقد الزعيم الكوري الشمالي الراحل كيم جونغ ايل قمتين تاريخيتين مع نظرائه الجنوبيين بين عامي 2000 و2007؛ الأمر الذي دفع إلى تهدئة الوضع في شبه الجزيرة.

مؤخّراً كانت المحطات التالية:

من 9 إلى 25 شباط/ فبراير 2018: الشطر الشمالي يشارك في الألعاب الأولمبية الشتوية على أرض الجارة الجنوبية، الأمر الذي يفتح باب التقارب بين البلدين.

21 نيسان/أبريل الجاري: كيم جونغ أون يعلن بشكل مفاجئ تعليق التجارب النووية وإطلاق الصواريخ البالستية العابرة للقارات وإغلاق موقع للتجارب النووية.

وأخيراً: 27نيسان/ إبريل الجاري: قمة تاريخية بين الزعيمين الكوريين في المنطقة منزوعة السلاح.

الولايات المتحدة الأمريكية بصمتها سوف تكون واضحة في ترسيم العلاقة بين البلدين، بما يضمن مصالحها، ومن يدري لعلّ ذلك يعني استهدافاً لموسكو، لتفويت فرصة التقارب بينها وبين كوريا الشمالية؛ من خلال سحب الشماليين إلى الصف الأمريكي.

ما يخرج من تحليلاتٍ مشككة في نتائج قمة الكوريتين؛ أمرٌ طبيعي ومرجح، فعالم السياسة مليءٌ بالمفاجآت، فنحن أمام عقدٍ من الزمن شهد تصرفاتٍ عدائية وتهديداتٍ بين الطرفين.

يعتمد كل شيءٍ في مثل هذا اللقاء التاريخي على سبيل المثال على موافقة بيونغ يانغ نزع أسلحتها النووية. إضافةً لحل الكثير من المشاكل العالقة، والتي من المتوقع أن يكون في مقدمتها العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية.

ولعلّها (العقوبات) كانت ورقة الضغط التي مكّنت سيول من إجبار بيونغ يانغ للقبول بالحل التفاوضي، والجلوس إلى طاولة الحوار سريعاً، من غير أنْ ننسى الضوء الأخضر الذي خرج من واشنطن.

يعتقد الكوريون الشماليون أنّ عليهم الوصول إلى أصل الصراع وداعمه الرئيسي، “واشنطن”، وهذا لن يكون إلا عبر المرور بجلسةٍ على مستوى القمة مع الجار الجنوبي، فهو الذي يمثل السياسة الأمريكية.

زعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، دعا إلى وضع حدٍّ للمواجهة والتوتر في شبه الجزيرة الكورية، وبناء عالمٍ جيدٍ مرغوبٍ فيه. أمّا عن صدق الرجل، فالأيام حبلى بالأخبار، والشارع الدولي والكوري بالذات ينتظر مستقبل وثمار ما بات يعرف باسم “قمة الكوريتين”.

الترحيب الواسع بالقمة التي جمعت الكوريتين، يؤكد أنّ مستقبل العلاقات قد يسير إلى تحقيق سلامٍ يضمن مصالح الأطراف اللاعبة في القضية. هذا ما تؤكده التصريحات التي صدرت عن المجتمع الدولي، وعلى رأسه ما صدر عن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في تغريدة له على تويتر، حيث أشاد بما أسماه الإعلان التاريخي حول نية الجانبين لوضع حدّ للعداء القائم بينهما. مضيفاً في بيان صدر عن الرئاسة الأميركية أنّ “الأمور الجيدة تحصُل ولكنّ الأيام وحدها ستثبت ذلك”.

كذلك موقف الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الذي أعرب عن أمله بأنْ ينفّذ الجانبان ما تم الاتفاق عليه من أجل تعزيز الثقة والمصالحة، وإحراز تقدم في إخلاء شبه الجزيرة الكورية من السلاح النووي.

موقف موسكو له إيقاعه الحاضر طبعاً، فهي مهتمة بما سيخرج عن اللقاء، لا سيما وأنّ واشنطن ستكون حاضرةً في المستقبل، ويبدو أنّ الموقف الروسي جاء لصالح الحوار الكوري-الكوري، فقد وصف المتحدث الرسمي باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، اللقاء الذي جمع الزعيمين الكوريين بالقول: “إنها أخبار إيجابية للغاية” .

المصالح الدولية والرضا الأمريكي-الروسي سوف يحدد مستقبلاً ويوضح شكل العلاقة بين الكوريتين، وإلى أين ستنتهي، وهل سوف تتجدد الحرب أم يزول شبحها بعيداً، يقال عبر وسائل الإعلام الكورية، أنّ الشعبين الكوريين متفائلين، بانتظار الغد.

فرات الشامي


مصادر أخرى:

لماذا استقبل عسكريو كوريا الجنوبية زعيم الشمال ببرود؟

زعيم كوريا الشمالية عد نظيره الجنوبي بعدم إيقاظه مبكراً

أبرز محطات التوتر بين الكوريتين خلال 70 عاماً

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر بي بي سي روسيا اليوم euronews
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend