إدلب إلى أين ؟

إدلب في مرمى النظام، بالمقابل تكلفة الفاتورة مرتفعة في حال وجه سهامه إليها، فما مصير منطقة بات تأوي الملايين من المهجرين القسريين؟

الأيام السورية؛ بقلم: د. محمد عادل شوك

كلّما خرجت منطقةٌ من قبضة الفصائل، يعيش الأدالبة أيامًا عصيبة، في انتظار أن يطال محافظتهم ما طالها أخواتها في المحافظات الأخرى، و هي معزوفةٌ بات الجيش الإلكتروني للنظام، يتقنها بشكل و يعرف أوزانها الإيقاعية بشكل جيد، و قد كان أكثرها علوًّا حينما سقطت حلب في منتصف شهر: 12/ 2016، حينما عاش الأدالبة على أعصابهم في انتظار الشرّ المستطير، الذي سيحرق الأخضر و اليابس في محافظتهم الخضراء، غير أنّ شيئًا من ذلك لم يحصل، و اتجه النظام و حلفاؤه إلى مناطق رخوة أخرى.

لقد بات واضحًا لدى المراقبين أنّ سعي النظام لاستعادة إدلب، أمرٌ لا يتعدّى الناحية الرغائبية، التي يحول دونها حسابات معقّدة: محليًّا، و إقليميًّا، و دوليًّا.

فالنظام نفسُه ليس جادًّا في مسعاه، فهو يعرف أنّ هذه المجاميع التي رحَّلها إلى إدلب من عموم القطر، أزاحت عن كاهله عبئًا ثقيلاً: عسكريًا، و أمنيًا، و حتى اقتصاديًا، و أنّ كلَّ ما يروّج له جيشُه الإلكتروني، لا يعدو أن يكون بطاقات ترضية أمام مؤيديه، ناهيك عن أنّه يدرك أيضًا أنّ فاتورة العمل العسكري فيها، أكبر من أن يستوعبها، فهو سيزج بقواته في منطقة باتت مفتوحة داخليًا بعد عملية غصن الزيتون، و خارجيًا نحو تركيا التي يربطها علاقات تحالف مع عدد من فصائلها، و هو الذي أرهقته مناطق لا تتعدّى ربع مساحتها، و مغلقة من جهاتها الأربع، و لم تخضع لإرادته إلاّ بعد مؤازرة كبيرة من حلفائه، ناهيك عن أنّه بات يدرك أنّ هوامش التحرك أمامه قد ضاقت بعد الضربة الثلاثية، و بعد الانخراط لأمريكي بواجهة فرنسية في ملف التسوية السياسية، وفق مظلة جنيف، و ليس تحت أيّة مظلة أخرى.

و الدول الإقليمية هي الأخرى غير مستعدة لأن تتحمّل تبعات عملية عسكرية، تجعل مجاميع ذات أشربة آيديولوجية متنوعة، و ذات قدرات عسكرية عالية تخترق حدودها، و تجعل منظوماتها الأمنية في وضع متوتر.

فكثيرٌ من أتباع الفصائل قد رضي أن تكون الوجهة ” إدلب “، ضمن عمليات التهجير القسريّ، غير أنّه متحفّز للخروج عن السيطرة، في حال ضاقت به أرض سورية الرحبة، إلى بلدان الجوار الضيقة.

تركيا على وجه الخصوص، التي قدّمت كثيرًا من التنازلات إلى روسيا، و أطرت الفصائل أطرًا للقبول بمخرجات أستانا، وصلت إلى حالة الإشباع في استقبال السوريين، و ليست في وارد أن تجعل النظام يمضي في هذا المسعى.

صحيحٌ أنّ إدلب باتت في عين العاصفة، و أنّ عنق الزجاجة قد ضاق على قاطنيها، الذين ناهزوا الثلاثة ملايين، و على مسلحيها الذين يربو عددهم على الخمسين ألف، و أنّ أزمة انعدام الثقة بين فصائلها قد استحكمت؛ غير أنّ اجتراح الحلول العسكرية من أيّة جهة كانت، أمرٌ دونه محاذير، و مدارسة كثيرة.

ليس أمام الذين يرغبون في التعاطي معه، سوى المضي في خطوات ذات تبعات أقلّ تكلفة، و ذلك ما بدأت بعض ملامحه تظهر عيانًا.

فالنظام و قد حافظ على منظومته الأمنية، قد عزّز من تحركاتها في عموم مناحيها، عقب حملات التهجير القسرية من أحياء حلب، و شرق سكة القطار، وصولاً إلى الغوطة و القلمون الشرقي، حيث ضخ بين أفواجها كثيرًا من خلاياه النائمة، التي تحرّكت بشكل مثير للانتباه عقب كل حملة منها، و كان آخرها حالة الفلتان الأمني و الاغتيالات، التي وصلت إلى سيارة الشيخ المحيسني، و عدد من قادة و كوادر الفصائل، في اليومين الفائتين.

و إنّ تركيا التي باتت ملزّمة بموجب التفاهمات ( الأمريكية ـ الروسية )، أن تضبط الإيقاع فيها، و تعيد الأمور فيها إلى نصابها قبل سيطرة الهيئة، بات الوقت يداهمها، و لم يبق أمامها سوى أن تتحرك فيها قُدمًا؛ و عليه فقد رشحت أخبارٌ أنّها قامت بجلب عناصر نافذة في الهيئة إلى أنقرة، من أجل وضعهم في خارطة تحركها المنتظر، و أنّها ستضع أمامهم خيارات ليست كثيرة، لعلّ من أبرزها أن تحلّ الهيئة نفسها، و يغادر قادتها المشهد ( إن لم يكن حتى سورية )، و تنخرط عناصرها غير المؤدلجة في فيلق الشام، الذي سيعهد إليه الجانب الأمني في معبر باب الهوى، و أن تعود مكاتب الحكومة المؤقتة إلى سابق عهدها، و يعهد إليها الجانب التنظيمي و المالي للمعبر، و أن تنخرط الفصائل الأخرى في مشروع الجيش الوطني و قيادة الأركان.

و هذا ما يفسِّر الإعلان المفاجئ لوقف دائم للاقتتال بين الهيئة و الجبهة، لدرجة أنّ الأطراف الموقعة عليه، لم تجد متسعًا من الوقت لتطبعه في أوراق رسمية، أو تعلنه على معرّفاتها الرسمية، قبل الإعلان عنه على صفحات التواصل الاجتماعية، و هناك من قرأ في التواقيع التي مهرته كثيرًا من الرعشة في الارتجاف.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend