الائتلاف السوري وتداعيات الاستقالات الجماعية

هل بات الائتلاف السوري المعارض على حافة الانهيار؛ أم أن الاستقالات الجماعية منه مجرد خطوة عابرة ومتأخرة؟

الأيام؛ فرات الشامي

أخيراً سمعنا صوتاً من داخل الائتلاف بعد دخوله غرفة العناية المركزة، نتيجة غيبوبته التي امتدت زمناً طويلاً. الغريب أنّ ذات الأصوات التي ارتفعت محتجةً على انحراف المسار كانت في بدايات ولادته تتصدر المشهد القيادي، وصنع القرار.

فقدان الائتلاف أرضيته الشعبية في الداخل وسحب الغطاء الدولي عنه يعود زمنياً إلى فترة بعيدة؛ لاعتباراتٍ كثيرة؛ أهمها فقدان الثقة مع الشارع في الداخل، نتيجة عدم احترام قيادته-التي استقالت مؤخراً-تطلعات الثوار، التي لم يكن لتتحقق دون إيجاد آليات عمل مؤسساتية شفافة، تقوم على المصارحة أمام مؤيديها، والمحاسبة على الخطأ، وهو جوهر ما يسعى إليه الشعب السوري.

الاستقالات الجماعية الأخيرة مجرد هروب إلى الوراء من المساءلة أمام محكمة الناس، وكأنها تبرئة للذمة، قبل محاولات ترشح الحديث حولها لتشكيلاتٍ جديدة قيد النمو، على شاكلة الائتلاف، تحت مسمياتٍ أخرى، تراعي المرحلة القادمة.

الائتلاف ومن قبله المجلس الوطني، تشكل على أسسٍ مغايرة تماماً لرؤية الداخل، ومبدأ الثورة، فترجحت فكرة المحاصصة السياسية للأقوى، واستعجل السياسيون في مراكز صنع القرار، الثمرة.

مجموع ما سبق، من الطبيعي أن يبرر للمجتمع الدولي تهميش الائتلاف السوري المعارض، فمن لا يحترم تطلعات جماهيره، لا يمكن أن يجد باب الاحترام والرغبة في التعاطي السياسي معه مفتوحاً. كيفية التعامل، بالنسبة للغرب، تقوم على مدى مصداقية أي كيان وحقيقة تمثيله لتطلعات مناصريه.

عملياً بقي هذا الكيان حتى فترةٍ قريبةٍ مجردَ حدثٍ تاريخي، لم يرقَ للخروج من رحم الثورة إلى رحم التعامل الناضج معها وفق تطلعات جماهيرها. مطوية أوراق اعتماده في ذاكرة النسيان، فوق رفٍّ مظلم من زوايا التاريخ، يعتريه غبار الأسئلة حول أسباب تعثّر علاجه، وبالطبع نشأته وظروف ولادته.

الاستقالات الجماعية الأخيرة مجرد هروب إلى الوراء من المساءلة أمام محكمة الناس، وكأنها تبرئة للذمة، قبل محاولات ترشح الحديث حولها لتشكيلاتٍ جديدة قيد النمو، على شاكلة الائتلاف، تحت مسمياتٍ أخرى، تراعي المرحلة القادمة.

الخروج المتأخر لشخصيات قيادية عملت طويلاً داخل الائتلاف، تحاول اليوم أن تتدارك مسار الخطأ القديم، بتجديده، من غير أن تبرر على الأقل أخطاءها القديمة، يعتبر انتكاسة جديدة لرموزٍ يفترض أنهم يمثلون بشفافية رغبة الشارع الثائر، الذي يرى ضرورة محاسبة المخطئ مهما كان مركزه. بالعامية يقال: «إجا يكحلها عماها».

«المسار السياسي للأزمة السورية أصبح متطابقاً مع الرؤية الروسية، الأمر الذي يجعل سوريا تحت الوصاية الدولية». تلك مبررات المستقيلين من عضوية الائتلاف، وللأمانة فهي حقيقة صحيحة، تختزل مسار المشهد داخلياً وعلى المستوى الدولي، لكن تثير الكثير من النقاط والمواقف لعلّ من بينها؛ توقيت الاستقالة المتأخر.

المشهد السوري يؤكد أنّ تدويل الثورة منذ البدايات دفع في طريق خدمة الأجندة الروسية-الغربية، التي تتماشى مع تطلعات النظام السوري، وما هي إلا نتيجة منطقية وحتمية لغياب الرؤية وآليات العمل الدبلوماسية التي كان من المفترض أن يقدّمها الائتلاف السوري منذ ولادته بتاريخ 11 /‏‏‏ 11 /‏‏‏ 2012.

فَشِلَ الائتلاف في ترويج رؤيته أمام طاولة التفاوض مع الأطراف الدولية، المعنية بالملف السوري، كما أنه لم يستطع تقديم خطابٍ يلامس الشارع الموالي للأسد، لجذبه إلى الحياد على أقلّ تقدير، أو للدفع به نحو الضغط على النظام باتجاه خلق حالة سلمية للحوار.

بالمقابل نجح الأسد في الترويج لنظامه مستفيداً من ثغرات المعارضة الكثيرة، في مقدمتها قضية الإرهاب والتطرف، وقدم نفسه بديلاً عن الفوضى التي من المحتمل أن تنشأ في حال غيابه.

تراكمية الفشل النابعة من سلسلة الأخطاء الفردية والتنظيمية داخل الائتلاف السوري المعارض، لسنواتٍ دون علاج كبّلت عمله، وحولته إلى مجرد واجهة فقدت معناها ودورها التاريخي. ما يعني أنّ محاولات إصلاحه اليوم ينطبق عليها المقولة الشعبية: ((لا يصلح العطار ما أفسد الدهر))، فكيف إذا كان الفساد من صنيعتنا؟

صحوة الموت؛ لا شيء يليق بتوصيف الاستقالات الجماعية التي أطلقت رصاصة الرحمة على الكيان المشلول منذ ولادته، وما مبررات الشخصيات المعارضة التي صَحَتْ في نهاية الشوط الأخير من اللعبة إلا كما يقال: «مفكرين حالهم جابوا الديب من ديلو».

المقام ليس للتشكيك بوطنية الشخصيات المعارضة، سواءً تلك المستقيلة، أو التي بقيت على قيد العمل في أروقة الائتلاف، لكن ذلك لا يمنع صحة الفرضية التي تقول بمسؤوليتهم ومشاركتهم في حرف المسار؛ بسبب تأخرهم في الاعتراض.

الشارع السوري يتحملُ جزءاً كبيراً هو الآخر من هذا المشهد، بسبب صمته الطويل؛ وعدم الخروج بمظاهرات سلمية لتصحيح المسار أو الذهاب بعيداً وإسقاط الكيانات المعارضة التي لم تعد تمثل تطلعاته، هذا ما خلق خللاً واضحاً؛ فانكسرت جسور التواصل والثقة مبكراً، مع الأسف.

تراكمية الفشل النابعة من سلسلة الأخطاء الفردية والتنظيمية داخل الائتلاف السوري المعارض، لسنواتٍ دون علاج كبّلت عمله، وحولته إلى مجرد واجهة فقدت معناها ودورها التاريخي. ما يعني أنّ محاولات إصلاحه اليوم ينطبق عليها المقولة الشعبية: ((لا يصلح العطار ما أفسد الدهر))، فكيف إذا كان الفساد من صنيعتنا؟

بالتالي فإن غياب الشفافية بين المؤسسة السياسية المعارضة، الائتلاف السوري، وبين الشارع الثائر، خلقت منطقياً الانفصال وربما الطلاق البائن بين الطرفين.

أما الانتقادات اليوم فلا نفع لها، والمسؤولية الوطنية تدفع بنا للعمل جدياً قبل فوات الفرصة واللعب في الوقت المتبقي من الشوط، للحفاظ على الأقل لما بقي من مطالب عادلة لبقايا الشارع السوري المعارض الذي تمّ حشره في الشمال، تحت رحمة بعض العصاباتِ المسلحة التي ادّعت زوراً ثوريتها.

فات الأوان؛ وباختصار إنْ لم نكن على قدر المسؤولية بخطورة المرحلة القادمة؛ فإنها سوف تكتب على يد الاحتلال الروسي، وليس مطلوباً إبداله بغيره حتماً. عملياً لا تحمل تلك الاستقالات والتصريحات قيمةً تاريخية، وإنّما نحن أمام المقولة المعروفة: «عذر أقبح من ذنب».

 

 

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر العربي الجديد: استقالة أتاسي وخوجة من عضوية الائتلاف السوري المعارض
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend