سوريا: حين يسكت القلم ويتحدث الرصاص

الأيام السورية؛ فرات الشامي

تختلط السطور بين الحقيقة والخيال، مثلَ اختلاطِ حياتنا في الداخل السوري بين الوهم والأمنيات، بين الحلم والكوابيس التي تعلن كلَّ لحظةٍ أننا نعشق ما يقترب بنا نحو التراب، ليضمّ بقايا “فكرة”، أو حتى “ثورة”.

لا مأساة تاريخياً تحاكي المشهد السوري بعد سبع سنوات عجاف، ثمة ما يشي بأنّ مطالب الشارع تبددت كالغيم، أو انحرفت إلى الاستسلام، التعويل على المجتمع الدولي، كطالب الماء في الصحراء!

مزيفة كلّ الأحداث التي تحاصرنا في الداخل السوري، بما فيها كذبة أننا نعيش في الشمال المحرر، كلُّ ما حولنا يؤكّد أننا مازلنا خاضعين للنظام السوري، بدايةً من تعاملاتنا النقديّة، حتى مناهج الدراسة، إلى سلوكياتنا البعثيّة الأمنيّة أو المخابراتيّة.

مزيفة كلّ الأحداث التي تحاصرنا في الداخل، بما فيها كذبة الديمقراطية التي صدقناها وهرولنا للنزول إليها وهي العروس التي تزينت في أحلامنا، كأنثىً تتلقف آمالنا، حتى ظننا أننا قادرون على احتضانها في سرير الحب الشرعي.

لكنّها كانت تدعونا إلى فراش الغواية والهوى…!!

سقطت حمص، داريا، قدسيا والهامة، حلب، عقد المسبحة انفرط… عند غوطة دمشق !!

ما الفائدة من رصد علامات التعجب تلك التي وضعتها في نهايات السطور؟ ألا يستحق جيلٌ من أبنائنا أن نجيب على إشارات استفهامه؟ ومن منّا يملك الإجابة عن الخيانة والخونة، عن سماسرة الحرب والدين؟

بقيت إدلب… لم تعد خضراء… إنها بحجم الألم السوري؛ ولولا ذلك ما استوعبت تلك الأعداد من المهجّرين القسريين، إنها تتشح بالسواد يوماً بعد يوم بانتظار عرضها على سكين الجزار…. !!

إننا في حظيرة الشمال ليس إلا.

بعيداً عن لغة العواطف السابقة التي لن تكون إلا نعياً مبكراً لقلمي:

واجهنا ضعفنا خلال السنوات الأخيرة، على الأقلّ لم نكن بحجم المسؤولية، وروح الثائر التي لا تتعب أو تركن لليأس، تراجعنا أمام رغبة من أراد التفرد بسلاحه في الساحة، ولم نترك باب التخاطب والتنسيق بين القلم والرصاصة لتسطير حروف التغيير.

ماذا لو أنّ كل تراب الوطن تحرر ولم نكن نحمل مشروعاً فكرياً سياسياً ثقافياً، اجتماعياً واقتصادياً؟ ما نفع الحرية بلا رؤيةٍ مستقبلية؟ ماذا لو أنّ فصائل الثوار تنازلت عن إدارة المحرر للكفاءات العلمية الوطنية؟

الصراع بين العقل المدني والعسكري يؤكد أننا أمام التصادم التاريخي الذي لم ينتهِ ولن…، بالتالي فإنّ الطرح السابق مستحيل.

سكوت الأقلام … أمام عقلية الرصاص ذلك ملخص القضية.

صورة تعبيرية-المصدر: تويتر

ماذا بقي من ثورتنا؟

قطعة قماش خضراء سوداء، بيضاء حمراء ليس إلا…. سمّها “عَلماً” أو “راية”، لا فرق. وبقايا من إدلب المريضة… التي تروي لنا كلّ يومٍ فصلاً عن اقتتال مشاريع التنافس للسيطرة على قلعة القش الهشة وزعامة المملكة الورقية، استرضاء لأجندات خارجية، أو ربما استرخاء!

لم نستطع إنقاذ امرأة وابنها … أمطرنا الفصيلان بالرصاص، على الرغم من أنّ لباسنا يؤكد هويتنا وتبعيتنا للدفاع المدني، لكن ذلك لم يشفع لنا، كما أنّ المصَابَينِ لم تشفع لهم أنهما مدنيان.

أضرب العاملون في القطاع الصحي، لم أتمكن من دخول المشفى للعلاج، مطلبهم وقف الاقتتال، خمسة أيام من الإضراب وكأن شيئاً لم يكن… على رأي الشاعر، عمرو بن معد يكرب الزبيدي:

لقد أسمعت لو ناديت حيـاً      ولكن لا حياة لمـن تنـادي.

ولو نارٌ نفخت بها أضاءت     ولكن أنت تنفخ في الرمـادِ.

أريد حياته ويريـد قتلـي          عذيرك من خليلك من مُراد .

بينما يتقاتل المتأسلمون، تتحفنا هيئة تحرير الشام، بقيادة الشيخ الفاتح أبو محمد الجولاني، بإنجازين في عاصمة الدولة إدلب:

  • افتتاح مكتب تطويع الشباب في صفوف الجيش الذي سيفتح دمشق بإذن الله، كما كُتب على اللافتة وسط السوق.
  • افتتاح جماعة سواعد الخير، وهي المعنية بتسيير دوريات الحسبة، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مركزاً للعلاج من الحسد والسحر بالرقية الشرعية.

فتحتين أم فتحين عظيمين يقدمهما، الفاتح الجولاني، الذي يذكرنا بالفاتح القذافي!

يتساءل المواطن، لم يعد يميل لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء:

معقول نفتح الشام قبل ما نخلص فتح مناطق بعض، وتوقف الفصائل سفك الدم الحرام؟

يجيب شرعيوهم: أنت مرتد أو عميل فاختر لنفسك تهمة يا مسكين.

يجيب المواطن: أنا ما تكلمت….!! هذا الذي صدر مني نباحٌ أو عويل!

يتهيأ المسكين برفقة أهله… يهمس: مجنونٌ من يبقى، لقد أزفَ السفر، الرحيل الرحيل.

مكتب للرقية الشرعية من الحسد والسحر حتى تكتمل المهزلة، ويستمتع العالم في الملهاة التراجيدية التي تعزفها فصائل المعارضة السورية المسلحة.

محسودة مسحورة بلادي…. للأسف الشديد.

أمنياتنا

تبعثرت …

كسحاب مرّ في صيف!

أحلامنا

تاهت في الزحام

وهي تغني

معزوفة الرحيل

أوتارنا

الخرساء

لا تُصدِرُ إلا الأنين

تحاصرنا هواجس الموت،

وليلٌ لا يريد أن يرتدي

ثوبَ الصباح

وغدٌ تعرى من ثياب

الحنين.

نبضٌ متسارع نحو مجهول

خطا الاشتياق لتربةٍ تضم

رفات أحلامنا

وأجساد الثائرين

خطا اللقاء

أو البقاء في مقبرة

لا أحد يريد العيش في محبرة

الحبر والقلم تهمة

جريمةٌ مُبهَرة

خطا تهتف لعودة القلم يعزف

لحناً مع البندقية

يدوّن قصيدتنا الوطنية

بحروف اشتياق

لكن…؟!

ليست سوداوية تلك الكلمات، هي نعيُّ الكاتب والمكتوب، العاشق والمعشوق، في زمن سكت فيه القلم وتحدثت فيه الرصاصة. وقد صدق الإمام الشافعي في توصيف ما نحن فيه:

البحر تعلو فوقه جيف الفلا .. والدرّ مطمورٌ بأسفل رمله

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend