سوريا ما بين الاحتلالين: جلاء الفرنسيين وصعود الأسد، واقع ومقاربة

هل استقلت سورية حقاً عن فرنسا، سؤالٌ ليس فلسفي، لكن تداعيات ما بعد الجلاء، وصعود حافظ الأسد إلى الحكم يؤكد أنها دخلت مرحلةً أخرى، ما شكلها؟

خاص بالأيام - فرات الشامي

لم تكن سوريا في أحسن حالاتها في تلك اللحظة التي شهدت قدوم الجيش الفرنسي الذي استباح أرضها وانتهك سيادتها الوطنية. عملياً أيضاً كان خروج المستخرب بلا أثرٍ حقيقي على مسيرة الحياة السياسية في البلاد. فالمشهد بدا أكثر إيلاماً إبان تولي حافظ اﻷسد الحكم بانقلابٍ قاده في تشرين الثاني 1970.

سورية في تلك اﻷثناء دخلت مرحلة الموت السريري البطيء مع توقف نبض الحراك السياسي الذي عجزت عن قتله فرنسا خلال سنوات احتلالها، ليتمكن حافظ الأسد من تقديم المطلوب هديةً مجانية للقوى الطامعة تحت ذريعة إنعاش المريض!

في الثانوية العامة طلب منّا مدرس اللغة العربية كتابة موضوع تعبيرٍ عن ذكرى الجلاء، ودور الأسد في بناء سورية، يومها لم ترتسم علامة الدهشة بفعل الخوف، لكن علامة الاستفهام والتعجب ظلّت حتى اللحظة التي كتبتُ فيها عن دور الجد في طلب العون من الاحتلال للانفصال وتشكيل دولة في الساحل السوري برعاية فرنسية.

العيد الوطني يومها كان مرّاً، وإن انتهى بتوجيه ملاحظات من العميد ت.ع في فرع الخطيب، من باب المحبة والتعنيف والتأنيب، الأبوي-طبعاً-على حد تعبيره.

الأعياد الوطنية تم تفصيلها لتناسب مقاس الأسد تلك كانت الرسالة والدرس في حينها. لم أفهمها وحدي بل تعلّمها ثلة من الرفاق في المدرسة، لتصل إلى حدّ الاتهام بالخيانة لكلماتي كما وصفها الأستاذ م.ح مجبراً وهو ابن درعا، ومدرّس اللغة العربية، الذي استقال بعدها مباشرةً، أو أجبر على ما يبدو.

الأمة المستعبدة لا يمكن بحال من الأحوال أن تتقدم. ومع فقدان الحرية فإنها لن ترقى باعتبارها فقدت عنصر وجسر العبور الأول في مسيرتها نحو الحضارة، وهو ما أعاق خلقه الاستخراب الفرنسي، وما لبث نظام الأسد أن شوه المولود بعد نيل الاستقلال.

سياسياً؛ الأسد اعترض طريق السوريين لتكون البلاد بين احتمالين مرضٌ أو موت، وبدقة أكبر بين احتلالين.

تواجه سورية استقلالاً جزئياً إن جازت التسمية، فهي وإن نجت من براثن الاستخراب الفرنسي، فقد وقعت ضحية الفكر الطائفي بلباسٍ متمدن، ظهرت أشواكه بعد الحراك الشعبي السوري ربيع العام 2011.

«ذهب الاستعمار إلى غير رجعة وجلا الظالمون، فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين. وزالت العقبة، وغدونا غير معذورين إذا نحن قصّرنا بعد الآن في الجري مسرعين في مضمار التقدم والإصلاح» كلماتٌ مقتبسة من خطاب الرئيس الراحل شكري القوتلي، مناسبتها الاحتفال بجلاء المحتل الفرنسي.

وثائق سورية: خطاب الرئيس شكري القوتلي بمناسبة الجلاء

ليس القوتلي وحده من لم يدرك ما سوف يتبع ذلك المشهد الاحتفالي العظيم بعد رحيل المستخرب، وما كان لمواطنٍ حرٍّ أن يقبل ببقاء الاحتلال الخارجي حتى وإن بدا أنه سيكون بديلاً عن احتلالٍ داخلي صنع أركانه الديكتاتور حافظ الأسد وأورثه لابنه بشار الكيماوي.

ثورة سلطان باشا الأطرش، أحمد مريود، حسن الخراط، إبراهيم هنانو، لم يستقبلها الفرنسيون بالكيماوي، ولم تحصد من الأرواح ما حصده حراك السوريين في أولى أيام ثورتهم التي طالبت بالديمقراطية والحرية-وليس رحيل المحتل-على يد شبيحة الأسد.

من زار العاصمة السورية دمشق يلاحظ البناء على الطراز الفرنسي، بصمة عمران تركها المحتل أثراً قد لا يشفع له؛ لكن يخفّف ربما أثر الحكم الصادر تاريخياً في محكمة الشعب، بالمقابل تشهد شوارع إدلب، والغوطة الشرقية، ومسجد بني أمية في حلب، على نهج التدمير المتعّمد الذي خلفته آلة المستخرب بشار الأسد!

الأسد المستخرب هدم المشافي في سوريا، أما الاحتلال الفرنسي فقد غادرها بعد أن ترك في دمشق ما يعرف باسم المشفى الفرنسي في حي باب توما.

تدمير الإنسان بابٌ آخر للمقارنة بين احتلالين؛ فالأسد تجاوز عدّاد القتلى في زمنه مئات الآلاف والموت ما زال يلاحق الكثيرين، فحربه ضد المدنيين العزل لم تنته، بالمقابل بلغ عدد القتلى زمن الفرنسيين بضعة آلاف موزعة على النحو التالي:

بلغ عدد قتلى الثورة السورية الكبرى 4213 قتيل موزعين على المحافظات السورية التالية:

ماذا لو أضفنا مجموع القتلى الذين سقطوا على يدي حافظ الأسد في ثمانينات القرن الماضي؟

ماذا عن عدد المهجرين، والمغيبين وغيرهم؟!!

وطنياً؛ لا يمكن فتح باب المقارنة بين احتلالين خارجي وداخلي، فلا يمكن لوطنيٍّ حرٍّ القبول بالدور الذي قامت به حكومة الاحتلال الفرنسي في سوريا، لكنها تبقى لحظة تاريخية تشهد أن ما تواجهه البلاد اليوم، يقف التاريخ عاجزاً عن وصفه.

تروي لنا جدتي رحمها الله أنَّ عناصر من العسكر الفرنسي كانوا يلاحقون بعض الشباب في دير الزور، حتى لحظة اختبائهم في أحد المساجد، بقي الجنود يحاصرونهم لساعاتٍ خارجه، ليخرج رجلٌ مسنٌ يفاوضهم على ترك الثوار، ليرجعو إلى منازلهم، مقابل عدم العودة للتظاهر مرةً ثانية… يرحب الضابط المسؤول وينصرف بجنده.

على عكس المشاهد التي رأيناها في اقتحام المسجد الأموي بداية الحراك السلمي عام 2011 وما تبعه من دخول تتر الأسد إلى جامع عبد الكريم الرفاعي قرب كفر سوسة، إلى تعمّد قصف وتدمير المساجد الذي ما كان الاحتلال الفرنسي يتجرأ على فعله ليزيد من غليان المسلمين.

تروي جدتي أن الفرنسيين بنوا الجسور، ويشهد التاريخ أن شبيحة الأسد هدموها كما هدموا الجسر المعلق في دير الزور.

هدم شبيحة الأسد مئذنة الجامع العمري في درعا، هذا المسجد الذي رمّمه الاحتلال الفرنسي يوماً، عندما فرض انتدابه على البلاد.

تلك ليست مجرد أحداث تاريخية، لكنها وثيقة إدانة حقيقية تشهد بأنّ سوريا لم تستقل بعد، وإنما تسير باتجاه الاستقلال الكامل فيما لو انتصر حراكها الوطني الشعبي.

الاستخراب الفرنسي بطبيعة الحال حاول تقديم نفسه تاريخياً على أنه مستعمر ولهذه الكلمة دلالاتها اللغوية ومفهومها، فقد عمل على ترك بصمةٍ ثقافية سعى عبرها لصهر السوريين في بوتقة ثقافته، سورية بالنسبة لهم مستعمرة، وهي بالنسبة للأسد كرسيُ عرشٍ يمكن تسلقه أو بناؤه فوق الجماجم.

جلاء الفرنسيين عن سوريا لم يكتمل، تلك هي القصة الكاملة، كما أننا لا نترحم على طردهم، ولا نرجو عودتهم، أو دخول غيرهم، فالباب السوري مؤصد في وجه الطامعين، هكذا علمنا أجدادنا، يوم وضعوا القلم في أيماننا، وعلقوا البندقية على ظهورنا.

وما تحاول ثورة السوريين اليوم، الحديث عنه لم يخرج عن كونه محاكاةً لتاريخ من سبقهم في النضال الوطني، فلا فرق بين محتلٍ خارجي أو داخلي.

سوريا للسوريين هكذا هتف الأجداد، وهتفنا نحن: سوريا إلنا وماهي لبيت الأسد.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر موقع اتحاد الديمقراطيين السوريين
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend