سوريا من قضية وطنية محقّة لقضية صراع دولي

أثر الضربات الأمريكية على نظام الأسد وخلط الأوراق، وما دور السوريين لإعادة الروح إلى قضيتهم العادلة؟

بقلم:  د. سماح هدايا

كان السوريون بين ثوريّ ومعارض ومؤيّد يتابعون ما يسمى بالضربة الأمريكيّة وتبعاتها، بين من يراها المخلّص ومن يراها اعتداء على رئيس نظام المقاومة، بين من يشكّك بجدواها ومن يؤكد أهميتها. وتتفتح شهوة الشائعات والأكاذيب لاستثمار الحرب النفسية وإشاعة الفوضى لمصلحة طغمة سياسية عدوانية تعيش في معاكسة لتاريخ الشعوب، تعتاش من البلطجة والتضليل.

على الرّغم من عدم اليقين بطبيعة الضّربات وأهدافها؛ فما يحصل هو مجال خصب لقراءة المواقف المستقبلية في ضوء الحدث وتطوراته وبناء تصورات واستنتاجات للاسترشاد بها.

الموقف الأمريكي أثار الذعر والاضطراب وأربك النظام وميليشياته، وجعل قادة عسكريين من ميليشيا حزب الله يغادرون سوريا إلى لبنان، كما أخذ بروسيا إلى مجلس الأمن في مواجهة كلامية حادة مع الموقف الأمريكي والبريطاني، لتحميلهم المسؤوليّة لعرقلة السلم وشق الصف الدولي واسخدام للفيتو استفزازي.

فوضى الملفات السياسية الدوليّة في سوريا وتحالف نظام الأسد مع روسيا وإيران، أدى إلى هذا الواقع، وربما سيؤسس لحرب طويلة أشد شراسة وامتداداً.  الثمن الكبير الذي دفعه السوريون في الحرب مرشح للصعود، ومرشحة ساحة المعركة لمزيد من التوسع والتّعمّق؛ فالذي ارتبطت يده بالوحشيّة في قتل السوريين سيستمر حتى يدفع حصته من ثمن الحرب؛ فالحرب لن تكتفي بأن تبقى ضربة خاطفة، لأنّ التحشيد لها كبير. ولا يمكن أن تكون لمجرد ضرب مطار وبعض المواقع الكيماوية؛ كما لا يمكن أن يكون مجرد مسرحيّة أمريكيّة بالتنسيق مع روسيا؛ فأمريكا لا يمكن أن توجّه أسطولاً عسكرياً بهذه الضخامة بهدف التمثيل. ولو كان هناك توافق أمريكي روسي كامل على الملف السوري الإيراني، ما قرعت أمريكا طبول التهديد بحرب.

يبدو أن أمريكا وصلت لقناعة أنّ مصالحها في الشرق الأوسط مهددة بشدة، خصوصاً بعد اجتماع أنقرة الأخير بين روسيا وإيران وتركيا. كما جاء الاستخدام الكيماوي تحدياً لقوتها؛ فجاء القرار الأمريكي بالضرب العسكري.

القرار حرّك العالم؛ فانكشفت حالة الرعب وفقدان البوصلة والعجز عن الرد المكافئ.  لكنّ المشهد ليس بهذه البساطة، بل هو معقد جداً؛ فليس سهلاً أن تتخلّص روسيا من تبعات التورط في هذه الحرب وهي تصرّ على السير منفردة بالملف السوري مع حلف النظام وإيران واستمرار الفيتو.  ولا يمكن أن تتخلى بسهولة عن حلفائها هؤلاء، وهم ركائزها على الأرض.

السؤال الأصعب هل من السهل حدوث مواجهة مباشرة بين روسيا وأمريكا، ليس فقط سياسياً واقتصادياً، بل عسكرياً أيضاً؛ خصوصاً أن مزيداً من العقوبات الاقتصادية ضد روسيا في الانتظار، وأنّ دولاً أوروبية دخلت مع أمريكا في الضرب العسكري مما يزيد في حصار روسيا دوليّاً؟

الصراع يبدو أنّه يتفاقم، وكلا الطرفين يسعى لبناء تحالفاته وتمتينها.  روسيا تملك منظومة دفاع تستطيع أن تقاتل فيها؛ لكنّ المرجح أن الاستعداد الأمريكي أكبر وله حلفاء؛ مما يجعل   القادم محملاً بالتحديات الجديدة.

أمريكا تشن حرباً، ليس فقط، كما تدّعي من أجل الكيماوي، بل لتستعيد نفوذها في المنطقة ولتلقي بسخرية الفيتو الروسي في مكبّ النفايات، ويمكن ألا تكون خاطفة وسريعة، حتى لو بدأت بضربات محدودة ورمزية ذات أهداف عسكرية كيمائيّة كما قيل. وقد لا تنحصر في سوريا، ولا تتحدّد بالإطاحة برأس النظام السوري، بل تتوسّع، للإمساك بخيوط اللعبة السياسية والعسكرية في المنطقة وفي الملف السوري السياسي، بدءاً بتأديب رأس النظام على تجاوزه الخطوط الحمراء، وصولاً لحل سياسي مروراً بتحجيم حراك القوى الأخرى في المنطقة، خصوصاً إذا أقدمت روسيا، لاحقاً، على مساعدة إيران ونظام سوريا في نقل المعارك لأماكن أخرى حليفة لأمريكا.

لذلك حجم الحرب وطبيعتها ومداها يبقى في إطار التساؤل وقيد التطورات، خصوصاً في شكل الردود التي قد تحرّك حرباً أوسع.  وهناك ملامح صراعات قادمة تنبىء بهذا، تظهر في بعض التصريحات والممارسات؛ فإسرائيل تستعد عسكرياً وأمنياً للحرب خوفاً من استهدافها بطيران من حلف النظام السوري، رداً على هجوم أمريكي.  كذلك تصريحات حزب الله للمواجهة. الاستعداد الأمريكي؛ فأمريكا ترسل عتاداً عسكرياً كبيراً؛ وبحسب التايمز اللندنية؛ فالأسطول العسكري الأمريكي هو الأضخم منذ غزو العراق 2003. وهو متحالف مع بريطانيا وفرنسا.

روسيا لا تريد أن تخسر مكاسبها في المنطقة مما يزيد صراعها مع أمريكا رغم تحاشي الاحتكاك المباشر؛ لكن، إلى متى سينجو هذا النزاع من تصادم مباشر ومواجهة عسكريّة؟ أمريكا صرّحت أنها لا تريد حرباً مع روسيا، لكنّ نشوب الحرب لايعني أن المتحاربين يضمنون النتائج.. النتائج قد تكون تدميراً كبيراً يلحق أطرافاً كثيرة؛ لاسيما مع إصرار روسيا على تمثيل دور الندّ لأمريكا والإصرار على دعم نظام بشار الدكتاتور وتسويغ جرائمه. من الصعب التنبّؤ بدقة. فالأمور لا تسير كلها وفق السياسة والمنطق والعقل، بل وفق جنون اللحظة. هذه مقدمات لمعركة قد تكون ممتدة لكي تشمل إسرائيل ولبنان.

إيران في قلب المعركة، فسيكون من أهداف الحرب، أيضاً، تقويض حراك ميليشياتها في المنطقة، وتحجيم دورها ومشروعها الذي أخذ يهدد مصالح أمريكا وإسرائيل، وإن لم تحارب ستكون خسارتها في سوريا وفي المنطقة استراتيجيّة، وسينعكس، أيضاً، على نفوذها؛ فالحرب دفاعاً عن أهدافها السياسيّة في المنطقة وارد؛ فغير مستبعد أن إيران وميليشياتها، وعلى رأسها حزب الله، في ضوء هذا الوضع، قد تسهم في التصعيد، وترد على حرب ضدها بحرب مضادة ضمن إمكاناتها؟

تركيا، أيضاً، داخل المعركة، وعليها اتخاذ موقف واضح وذكي؛ لأنّ وضعها حساس؛ فأي موقف تأخذه سياسياً أو عسكرياً في هذا الاستقطاب، قد يكلفها كثيراً خصوصاً؛ أنّها بين خطّين متناقضين روسيا وأمريكا….وهناك أزمة اقتصاديّة تلوح في الأفق، وتقبل معها  مشاكل داخلية، لن تكون أسهل من الخارجية. السياسة التي سارت فيها تركيا وغيرها من دول المنطقة بالاستفادة من القائم وإنقاذ ما يمكن أنقاذه وتأجيل الاستحقاقات أثبتت الأيام أنّها تزيد في العجز ولا تساعد في حل المشاكل العالقة.

أما حزب الله، فالانكشاف السياسي لبرنامجه بعد تورطّه بقتل السوريين لمصلحة إيران والنظام، أفقده كثيراً من شرعيته السياسية والجماهيرية. إسرائيل هاجمت عشرات المرات سوريا ولم يقم حزب الله بالتصدي لإسرائيل والدفاع عن سوريا، كما يدّعي؛ فشرعيّة معركته فقدت كثيراً من المقومات السياسية المعنوية على الرغم من استمراره بالحشد باسم الممانعة والمقاومة.

أمريكا ربّما بدأت معركة بضربات رمزيّة، وقد تأخذ مدى واسعاً... لكن الأكيد أنها أسقطت المسارات الروسية الإيرانية للحلول، خارج المسار السياسي الدولي وزادت في تعقيد المعركة أمام روسيا.

المعركة القادمة أمام السوريين طويلة وصعبة وخطيرة، لكنّها يمكن أن تفيد السوريين بإعطائهم الدعم السياسي والمعنوي لرص صفوفهم والعمل على مصالحهم الوطنية؛ فهي معركة تحرير، تحتاج نضالاً وطنياً عسكرياً وسياسياً.

السوريون الذين أصبحت قضيتهم قضية عالمية نتيجة تدخل دول كثيرة، أمام تناقضين الأول أن هذا النضال يتطلّب تضحيات جسيمة. الثاني أن هذه الحرب قد تصبّ في مسار الإطاحة بالطغيان السياسي، سواء بالإجبار على حل سياسي وفق جنيف، أو بتنفيذ عمل عسكري لتحقيق تغيير سياسي.  وبالتالي هناك ضرورة ملحة لتعديل العمل في إطار المشروع الوطني التحرري، وترجمة ذلك في الأداء السياسي وتحديد الأهداف الاستراتيجية والتحرك داخلها ضمن حامل إعلامي وخطاب ذكي لمواجهة الحرب الإعلاميّة التي استطاعت أن تؤثر في مسار الأحداث ميدانياً..

الضربات الأمريكيّة تؤكّد أن حرب الثورة السورية  جزء من حرب دولية، لا يمكن النّأي بالنفس عن العالم؛ ولايمكن في الوقت  نفسه، الانجرار كالأذناب في الحرب أو كالقطيع نحو  أوامر الراعي.  الحليف الاستراتيجي للثورة هو العمل السوري الناضج المتوحّد على ميثاق وطني . الأغلبية ليست بالعدّد لكن بقوة القيم وتماسكها.  خطيئة كبرى أن يستمر العمل السوري متخبطاً ارتجالياً شعبوياً، في مسارات تتناقض مع المصلحة الوطنية. لابد من أن يعتمد على رؤية استراتيجيّة قيمية يجري ترجمتها سياسياً وعسكرياً.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر الحوار المتمدن
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend