المهاتما غاندي وفلسفة اللاعنف؛ مقاربة مع ثورات الربيع العربي

تشَاركَ فكر المهاتما غاندي من خلال طرحه سياسة المقاومة السلمية مع نضال الشعوب العربية بدايات الربيع العربي، إلا أنّ الفوارق بدت واضحة، تمثلت في نقاط متعددة ما هي، ولماذا؟!

الأيام السورية؛ فرات الشامي

اتركوا الهند وأنتم أسياد…  المهاتما غاندي.

كلماتٌ قليلة تختصر اتجاهين جوهريين حملتها رسالة المهاتما غاندي؛ ويمكن تضمين مفاهيم المقاومة من خلالها، فهي تتمحور على قيمة التوجه السلمي أو سياسة اللاعنف The policy of nonviolence، مع التهديد المبطن كخيارٍ أخير لا يلغي دور القوة في مواجهة التحديات.
معظم الثورات لاسيما ما شهده الشارع العربي منذ العام 2011 من حراك شعبي سلمي مناهض للديكتاتوريات العربية تنبع من ذاك التوجه في البدايات؛ مستمدة قوتها ووجودها من تطلعاتٍ صنعتها الرغبة الإنسانيّة التي طمحت إلى التغيير بالكلمة والصوت المرتفع.

عملياً المشاركون من الشباب في ثورات الربيع العربي، استندوا إلى مفاهيم وقيم رسخها الإسلام الذي دعا إلى حرمة الدم، والمتوافق بطبيعة الحال مع تعاليم المسيحية الداعية إلى المحبة والتسامح ونبذ العنف.

لو تتبعنا كتاب الله تعالى لوجدنا مقاربة لتلك الحالة عبّر عنها ربنا تبارك وتعالى على لسان لقمان الحكيم في وصيته لابنه: ((يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ على مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذلك مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)) لقمان: 17.

من خلال القراءة في حركة حياة غاندي، ومسيرة كفاحه السلمي ومقاربتها مع توجه الشارع العربي في تاريخنا الحديث يمكن ملاحظة التركيز على اتباع الوسائل السلمية المناهضة للخطأ؛ للمطالبة بالحقوق ونيلها.

نضال الشعوب في وجه المحتلّ أو الفساد السياسي حمل بذور فكرة اللاعنف التي ترجمها غاندي عملياً في حياته، تاركاً بصمةً في الزمن، تؤكد إمكانية تحقيق تلك الطريقة في نيل الهدف.

يمكن القول أنّ سياسة غاندي، تلقفتها العقول المثقفة، وتبناها أصحاب الأقلام الحرة، لتتحوّل مع الوقت إلى سلاحٍ في وجه الطغاة أمضى من الرصاصة نفسها، بدلالة قيام المستبدين بمحاربة الكلمة ودعاتها، وجعل حربهم المعلنة على أمثال هؤلاء أولوية، متخذين سبيل تكميم الأفواه وسيلةً للنيل من المفكرين أو كتّاب الرأي.

فلسفة اللاعنف (الساتياراها):

تقوم فلسفة اللاعنف (الساتياراها) على مجموعة من الركائز والمبادئ المستمدة من الدين والاقتصاد والسياسة الموضوعة ضمن إطار عملي واحد. يمكن اختصارها بالعدالة في توزيع الثروات، والتعددية السياسية وحرية المعتقد، أو احترام خيار الآخر في عباداته، فهي بناءً على ذلك تحاكي تطلعات الجماهير العربية ونضالها-اليوم-في وجه الاستبداد السياسي. لتحمل بالتالي معادلة ثلاثية الأطراف تمثلت بالتالي: اللاعنف، الشجاعة، الحقيقة.

بالمحصلة تتبنى فلسفة المقاومة السلمية فكرة هزيمة العدو أو المستبد عبر تقليص شرعيته من خلال الوعي الكامل والعميق بالخطر المحدق، وتكوين قوة قادرة على مواجهة هذا الخطر باللاعنف أولاً ثم بالعنف إذا لم يوجد خيار آخر.

عملياً، ما افتقرت إليه الثورة السورية والليبية وحتى اليمنية هو القدرة والديمومة على ذات النهج السلمي الأول الذي كان مستند شرعيتها وقوتها، مع وجود ما يبرر لها تحولها السريع، أمام آلة البطش التي تم تصويبها إلى الصدور العارية، وغياب النخبة المثقفة التي خافت أو انهزمت سريعاً أمام نظرية العنف.

بالمقابل؛ وفي سياق البحث في توجهات غاندي والأفكار التي تطرحها فلسفة اللاعنف؛ نلحظ عدم التخلي كلياً عن العنف؛ بل وضعه كبديل أو خيار نهائي.

فلسفة جدلية:

تلاقي فلسفة اللاعنف جدلاً واسعاً، بين من يراها طريقاً لفرض الحلول بوسائل دبلوماسية بعيدة عن الدم، وبين الاعتقاد الجازم بأنها تمثل حالة عجز سياسي في مجتمعاتنا الشرقية؛ التي تقوم على أفكار وعقائد قتالية يحملها الفكر الجهادي لدى المسلمين بمختلف انتمائهم الطائفي، وحتى المسيحية التي حملت ذات الأفكار وأسبغت عليها طابع الحروب المقدسة المعروفة تاريخياً. كما حملت بعض نصوص الإنجيل تلك المفاهيم كما جاء في إنجيل حزقيال 9: 6 ((وَاضْرِبُوا لاَ تُشْفِقْ أَعْيُنُكُمْ وَلاَ تَعْفُوا اَلشَّيْخَ وَالشَّابَّ وَالْعَذْرَاءَ وَالطِّفْلَ وَالنِّسَاءَ. اقْتُلُوا لِلْهَلاَكِ)). بمقابل نصوص أخرى تحمل المضمون السلمي: ((باركوا لاعنيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم)) لوقا: 28:6. حيث تتجلى المشكلة هنا في فقه وفهم النصوص وموضع تطبيقها.

في الشريعة الإسلامية ثمة الكثير الذي يؤيد فلسفة اللاعنف بالطرح المقدم من المهاتما: العفو عند المقدرة؛ أحد تلك القيم التي نادى بها الإسلام؛ وهذا يتفق مع ما أوضحه غاندي نفسه بقوله:
((الامتناع عن المعاقبة لا يعتبر غفراناً إلا عندما تكون القدرة على المعاقبة قائمة فعلياً، وهي لا تعني كذلك عدم اللجوء إلى العنف مطلقاً، إنني قد ألجأ إلى العنف ألف مرة إذا كان البديل إقصاء عرق بشري بأكمله((.

الأساليب المتبعة في فلسفة اللاعنف؟

ركّز غاندي في فلسفته السلمية التي تبناها وطرحه العملي لنظرته حول مفهوم المقاومة على لفت الأنظار إلى:

  • ظلم المحتل.
  • تأليب الرأي العام على ذلك الظلم.

وذلك ما بقي غائباً عن الشعوب العربية في مسيرتها ضد المستبدين والديكتاتوريات الحاكمة. حيث تعتبر الخطوات السابقة تمهيداً للقضاء على الظلم والمحتل بصورة كلية، والحيلولة دون ازدياد غطرسته.

توجد وسائل معروفة استفاد منها الكثير من حملةُ الفكر الثوري في أيامنا هذه؛ لاسيما في المعتقلات أو الاحتجاجات الشعبية الرافضة والمناهضة لسياسات دولية ظالمة أو حكومية جائرة منها: الصيام والمقاطعة والاعتصام والعصيان المدني والقبول بالسجن وعدم الخوف من أن تقود هذه الأساليب حتى النهاية إلى الموت.

كما تعتمد تلك السياسة على مقومات محددة لإعطائها صيغة ناجحة تتلخص بالجوانب التالية؛ كما أوضحها غاندي: حيث اشترط تمتع الخصم ببقية من ضمير وحرية تمكّنه في النهاية من فتح حوار موضوعي مع الطرف الآخر.

ما تميز به غاندي وافتقرت إليه الشعوب العربية في نضالها السلمي، تمثل بالصلابة في الموقف تجاه قضيته دون إلغاء المرونة التكتيكية، حتّى أن سياسته تلك سببت له حرجاً مع خصومه ومؤيديه، بلغت حدّ تخوينه والطعن في مصداقية نضاله الوطني من قبل المعارضين له، ويرجع ذلك إلى تقلب موقعه بين: القومية المتصلبة والتسويات المرحلية المهادنة.

إن رحل غاندي فقد ترك ميراثاً يمكن التمسك به بقوة، لا سيما نحن أبناء الورقة وقلم الرصاص العاملون في مهنة الصحافة، والنخب المثقفة، لنشكل نبراساً للأمم والأجيال، بقوة المقاومة… السلمية ونشر مبادئها.

 

 

اقرأ المزيد:

من هو المهاتما غاندي؟

 

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر إيلاف الجزيرة
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend