لديّ حلم… مارتن لوثر كينغ وسياسة اللاعنف

الأيام؛ فرات الشامي

لديّ حلم بأنّ أطفالي سيعيشون يوماً ما في دولة لا يُحكم عليهم فيها على أساس لون بشرتهم، وإنما شخصهم وأفعالهم، وأن تشتبك أيادي أبناء السود مع البيض ويمشون معاً إخوة وأخوات.

تلك كانت كلمات الناشط الأمريكي الأسود ” مارتن لوثر كينغ” في خطابه الشهير ” لديّ حلمٌ”، من أجل الحقوق المدنيّة، الذي ألقاه في أغسطس عام 1963، بمناسبة مرور100 عام على تحرير العبيد في الولايات المتحدة الأمريكيّة.

قتلته رصاصة أُطلقت عليه من شرفة فندق في ممفيس بولاية تينيسي. من المؤكد أنّه أدرك مسبقاً ذاك المصير، وإن لم يعرف بأنّ موعده مع الموت سوف يكون في سنٍ مبكّر.

الرصاصة في مواجهة الكفاح السلمي تحكي أنّ الحوار الإنساني كثيراً ما دخل نفقاً مظلماً، شكّل امتداداً لقصة ابنّي آدم عليه السلام، قابيل وهابيل. التي عبّر عنها كتاب الله عزّ وجل في الآية 29 من سورة المائدة: ((لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)).

نماذج كثيرة قدّمتها الإنسانيٍة في هذا الجانب، تبنّت خطاب الحوار مع المخالف، والنهج السلمي في نيل الهدف واستعادة الحق الضائع، ولعل مارتن لوثر كينغ، واحداً من أولئك الذين اختاروا تلك السياسة السلمية، حتى بدا الرجل هرماً قبل الأوان، كما يصفه المقربون منه.

يقول أستاذ التاريخ في جامعة كنساس ديفيد فاربر متحدثاً عن مارتن لوثر كينغ: ((أصبح شخصية راديكالية في الولايات المتحدة، خصماً صاخباً للسياسة الخارجية الأميركية، يطالب بالعدالة لجميع الفقراء في الولايات المتحدة، وليس للأميركيين الأفارقة فحسب)).

لديّ حلم بأنّ أطفالي سيعيشون يوماً ما في دولة لا يُحكم عليهم فيها على أساس لون بشرتهم، وإنما شخصهم وأفعالهم، وأن تشتبك أيادي أبناء السود مع البيض ويمشون معاً إخوة وأخوات.

سياسة اللاعنف التي تبناها ” مارتن لوثر كينغ”، كانت مثار جدلٍ بين محبيه؛ لاسيما الشباب السود المتعطشين للتغيير، والمندفعين نحو المواجهة، إلى درجةٍ أوصلت “كينغ” مرحلة الإحباط؛ هذا ما يؤكده الكاتب الأمريكي، ديفيد غارو، يقول: ((خلال الأشهر الـ12 الأخيرة من حياته، كان كينغ منهكاً تماماً، متشائماً كلياً حول المستقبل وفي منتهى الإحباط)).

مضيفاً: ((ردد أكثر من عشر مرات خلال السنتين الأخيرتين من حياته أنّ الحلم الذي راودني في واشنطن عام 1963 تحوّل إلى كابوس)).

الكفاح السلمي أو الحوار على طاولة تجمع الخصوم، بديلاً عن سياسة الإقصاء والتهميش، كان حلماً راود “لوثر كينغ”، حلماً أراد به الارتقاء الإنساني نحو قيمٍ يسودها العدالة على كلّ المستويات، سياسياً واقتصادياً، اجتماعياً وعرقياً، لربما ظل واقعياً اليوم في إطاره الرومانسي، وإن لم يثنِ الكثير من المتأسين بالرجل أن يسيروا على طريقه، ولعل بداية الثورات العربية تشير إلى تبني تلك الحالة حدّ الدخول فيها، لكن إلى وقتٍ قصير.

تجربة “لوثر كينغ” يمكن أن نسقطها على واقع الشعوب العربية والغربية عامةً، لنجد أننا اليوم نقف عند العام 1963، بداية تحركه السلمي، على ذات العتبة دون تغييرٍ مقبولٍ على الأقل. بل إنّ المجتمع الإنساني ظلّ عاجزاً عن تبني ذاك الحلم مستسلماً إلى لغة البطش والإقصاء.

في أمريكا يؤكد كثيرٌ من المحللين الاجتماعيين أنّ شيئاً لم يتغير بعد “كينغ”، وإن «كان سلوك الأفراد تبدل فيما يتعلق بالمسائل العرقية، فإنّ العنصرية الكامنة في نسيج مؤسسات الولايات المتحدة وهيئاتها لم تتغير حقاً»، بحسب الكاتب تيلور برانش الذي صدرت له ثلاثية بعنوان “أميركا في سنوات كينغ” .

خطاب اللاعنف الذي تبناه “لوثر كينغ” بطبيعة الحال كان موجهاً للعالم كلِّه، ويمكن اعتباره قاعدة صلبة للحوار الإنساني المتحضر، لكن الواقع اليوم يؤكد بأنّ حلمه لم يكتمل بعد، وما بقي منه مجرد صرخة مقاومٍ ثائر، حمل بداخله نبتةً إنسانية رومانسيةً جموحة إلى أبعد الحدود، أخرجته عن العرف البشري الذي تبنى “القتل” بديلاً عن سياسة ” مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ”.

بالمقابل فإنّ إرث مارتن لوثر كينغ بقي حيّاً، كأمة مسلمة لدينا الكثير من الأسباب الشرعية التي تدعونا لتبنّي ذاك الفكر والمنهج، إنّ شركاءنا المسيحيين في المجتمعات العربية لديهم الخلفية الفكرية ذاتها، بالتالي؛ فإنّ الالتقاء على ذات المائدة الإنسانيّة وارد مهما ابتعدت المسافة، إنّه التقاءٌ إنسانيٌّ نحو الارتقاء، وله رجاله الذين أسسوا له القواعد والأسس.

انتهت حياة لوثر كينغ بطريقة مأساويّة في الـ 4 من أبريل 1968، وهو في الـ 39 من عمره، وبقيت كلماته تعيش في أفئدة محبيه:

«الظلام لا يمكن أن يطرد الظلام، الضوء فقط يستطيع أن يفعل ذلك، الكراهية لا يمكن أن تطرد الكراهية، الحب فقط يمكن أن يفعل ذلك».

 

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر الحلم والرجل وما تبقى منهما: مارتن لوثر كينغ مارتن لوثر كينغ.. لديّ حلم
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend