قمة أنقرة والسيادة السوريّة

إلى أين وصلت قمة أنقرة، وهل دخلت مطالب الشعب السوري في معادلة الحلّ؟

الأيام السورية؛ فرات الشامي

تأتي قمة أنقرة الثلاثية التي تجمع كلاً من، تركيا وروسيا وإيران، في وقتٍ تمرّ فيه الساحة السورية وتحديداً الحراك الثوري العسكري تقهقراً واضحاً، على وقع الضربات التي وجهتها القوات الروسية لصالح حليفها، بشار الأسد.

خروج مقاتلي الغوطة الشرقية قبل أيام قليلة من انعقاد مؤتمر أنقرة، يحسب كنقطة قوة لصالح نظام الأسد، الذي آمّنَ له حلفاؤه محيط العاصمة السوريّة، التي كانت إلى وقتٍ قريب مهدّدة من فصائل المعارضة المرابطة داخل الغوطة الشرقية.

من المنطقِ أن ينعكس المشهد العسكري في سوريا على مخرجات قمة أنقرة، التي انعقدت أمس الأربعاء 4 نيسان/إبريل الجاري، كما أنّ التعجيل في إيجاد صيغة تسوية جديدة بات أمراً ملحّاً في ظلّ الأجواء الإقليمية والدولية المشحونة، على المستويين الاقتصادي والسياسي.

ما يلفت النظر إلى هذه القمة بالتحديد أنها تأتي بعد توترٍ ساد العلاقة الثلاثية الإيرانية الروسيّة التركيّة؛ لا سيما فيما يتعلق بالملف السوري، حيث بلغ ذروته بين الروس والأتراك على خلفية إسقاط هذه الأخيرة لقاذفة روسية على الحدود مع سوريا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015.

القمة أيضاً أتت في وقتٍ تعيش فيه روسيا أزمة دبلوماسية مع دول الاتحاد الأوروبي، على خلفية قتل العميل الروسي سيرغي سكريبال وابنته في بريطانيا.

الظرف الدولي فرض ضرورة إذابة الجليد المحيط بالعلاقة الثلاثيّة الروسيّة التركيّة الإيرانيّة، ومن المرجّح أن تساهم القمة في ذوبان الخلاف، وتشكيل حلف اقتصادي لمواجهة الولايات المتحدة الأمريكيّة بالتعاون مع الصين، بهدف الالتفاف على العقوبات الاقتصادية التي فرضتها أمريكا ضدّهم.

من الواضح أنّ لدى الثلاثة، روسيا-تركيا-إيران، المصلحة في إيجاد نقاط مقاربة والتقاء تفضي في النهاية لتحقيق مصالح بلادهم، في وقتٍ نلحظ فيه غياب طرفي الصراع عن القمة، المعارضة السورية التي تتنفس في غرفة الإنعاش، والنظام السوري الذي باع نفسه لحلفائه.

المشاورات الثلاثيّة التي جمعت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ونظيريه الروسي فلاديمير بوتين، والإيراني حسن روحاني أكّدت وأجمعت على وحدة التراب السوري، في وقتٍ تشير إليه المعطيات على الأرض أنها مجرد بروباغندا سياسية، يكذبها الواقع، فكل من هذه الدول ومعهم واشنطن، اقتسموا الكعكة قبيل انعقاد المؤتمر بكثير.

ثمة تفاهمات بين الدول الثلاثة “روسيا، إيران، تركيا” ومن الواضح أنها لم تغفل مصالحها، لكنّها أغفلت من أجرم بحق الشعب السوري، باعتبارها لم تطرح صيغةً لمحاكمة من تلطّخت أيديهم بالدماء، سواءٌ  أكان ضمن صفوف المعارضة أم من نظام الأسد.

تؤكد قمة أنقرة أنّ سورية دخلت مرحلة تحالفات جديدة، في الوقت الذي باتت فيه موسكو من يملك دفة القيادة، والقدرة على تسيير المشهد كما تخطط رسمياً له، ولا يخفى أنّ قيام تركيا بعملية “غصن الزيتون” للسيطرة على عفرين الكردية شمال غربي سوريا في يناير/كانون الثاني 2018، أتت بضوءٍ أخضر روسي.

قدّمت تركيا عرضاً ثميناً للروس مقابل حصولها على عفرين، لكن الثمن دفعته فصائل المعارضة السورية المسلحة تحديداً في الغوطة الشرقية التي تخلت عنها أنقرة، فأُجبرت بالتالي على القبول بسياسة التهجير القسري.

يتجلى واضحاً من خلال قراءة سريعة في مخرجات المؤتمرات السابقة التي عقدت من أجل الوصول إلى حلٍّ للمشهد المعقد في سورية، وجود خلافات بين أطراف التفاوض المتصارعة، حتى أنّ معظم تلك اللقاءات لم تنهِ الحرب، وإنما استمرت سياسة خرق البنود المتفق عليها، والجميع يلقي باللوم على الطرف الآخر.

مباحثات أستانة أخرجت اتفاقاً روسياً-تركياً سمّي “مناطق خفض التصعيد في سوريا”، والتي شملت أجزاءً من حلب واللاذقية وحمص والغوطة في ريف دمشق، إضافة إلى إدلب في الشمال.

على أرض الواقع كان “خفض التصعيد” حبراً على ورق، وإن تنفّس الشارع الصعداء نوعاً ما، لكنّه لم يكن بحجم الطرح الذي قُدّم فيه، لتكون محادثات سوتشي المنعقدة في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017 مقدمة جديدة لمرحلة مختلفة، تجلّت ثمرتها في آذار 2018 بعملية “غصن الزيتون” والسيطرة على عفرين.

عملياً يصبح الهدف من قمة أنقرة من خلال مطالعة تصريحات الرؤساء الثلاثة، إعادة المفاوضات حول ترسيم حدود وتقاسم مناطق النفوذ في سورية، كذلك مستقبل الشمال السوري، بعد التصريحات الأمريكية حول الانسحاب من مناطق تواجدها.

القرار الأمريكي بسحب القوات العسكرية المتواجدة فوق بعض الأراضي السورية، لا يبدو أنه جادٌ تماماً، هذا ما تدرك موسكو ومعها أنقرة وطهران، استناداً إلى تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الثالث من أبريل / نيسان 2018: ((إنّ مهمتنا الأساسية في سوريا تنتهي بانتهاء تنظيم الدولة هناك، وإنّ السعودية مهتمة جداً ببقائنا، فإذا كانت تريدنا هناك، يجب عليها أن تدفع((.

عليها أن تدفع… تلك تمثل شكل الشراكة الفجة بين الرياض وواشنطن، على عكس العلاقة التي من المحتمل أن تنشأ لاحقاً بين موسكو، طهران، أنقرة.

واشنطن غير مهتمة بمصلحة حلفائها، ولا يهمها توسّع النفوذ الإيراني الذي ترفضه دول الخليج وعلى رأسهم الرياض، التي دعا ولي عهدها، محمد بن سلمان، في زيارته للولايات المتحدة في آذار/مارس الماضي، إلى بقاء القوات الأمريكية في سوريا. بعد أن برر خشية بلاده من نية طهران إنشاء طريق بري يبدأ من لبنان وينتهي في إيران، مروراً بسوريا والعراق تحت مسمّى “الهلال الخصيب”، أو ما يعرف تاريخياً بـ “الهلال الشيعي”.

عملياً، لا شيء يشير إلى انتهاء الحرب، فثمة عقدة طارئة على الملف السوري، متمثّلة بصفقة المبادلة بين مدينة عفرين الكردية شمال غربي سوريا بالغوطة الشرقية القريبة من دمشق، مع تصريحات روحاني بضرورة تسليمها إلى النظام السوري، وعقلية الأكراد التي لا تسلم بالهزيمة.

ثمة ما يشير إلى وجود نقاط أخرى يحاول الروس والأتراك التفاوض حولها، فروسيا تسعى لفرض نفوذها على معرة النعمان وجسر الشغور اللتين تعتبران مناطقة قريبة من الساحل السوري الذي تسيطر عليه قوات الأسد. ولعلّ التواجد الروسي في “تل رفعت” ومطار منغ العسكري هدفاً تركياً مستقبلياً يمكن التفاوض حوله، ولا يوجد ما يمنع موسكو للتنازل عنه مقابل طرد فصائل المعارضة من معرة النعمان وجسر الشغور.

هناك أيضاً خطوة تسعى تركيا لتحقيقها في وقتٍ قريب، تتمثل بضرورة السيطرة على “منبج” ذات الأهمية الاستراتيجية، وهذا يحتاج تأييداً ودعماً روسياً كبيراً، باعتبارها منطقة واقعة تحت النفوذ الأمريكي، حيث تتخذ قوات التحالف الدولي قاعدة عسكرية على أطرافها مقراً لها، لملاحقة تنظيم داعش.

ولعل لقاء الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أوائل نيسان/ إبريل الجاري ببعض المسؤولين الأكراد، وتجديد دعمه لهم سوف يكون حاضراً في ذهن الرؤساء الثلاثة، روحاني، بوتين، أردوغان الذي سبق أن حذّر مما أسماه “الاجتياح الفرنسي”.

المشهد السياسي السوري معقّد إلى حدٍّ كبير، ويشير اللقاء الثلاثي في أنقرة إلى عدة نقاط تجدر الإشارة إليها، من بينها غياب التنسيق العربي مع تركيا، أو حتى الوجود ذاته، بالمقابل، يبدو موقف بوتين-روحاني كحلفاء للأسد، أقوى من أردوغان حليف المعارضة السورية المفترض، لنجد أننا أمام لعبة سياسية خطيرة، اثنان إلى واحد.

المعارضة في نهاية المطاف سوف تجد نفسه، الحلقة الأضعف، أمام لعبة المصالح الدولية، أمّا الثورة السورية ومطالب الشارع بإقامة دولته الديمقراطية المدنية بعيداً عن الأسد ونظامه، فلا شيء يشير إلا إلى خسارتها التدريجية، في ظل الظروف الراهنة.

لكن يبقى سؤالٌ مطروح: ما هو موقف الجهاديين-المهاجرين والأنصار-كما يسمون أنفسهم من مخرجات قمة أنقرة؟

الشارع منقسم في الشمال السوري، لكن تبقى نظرة الإسلاميين غير متبلورة حتى اللحظة، أو على الأقل أنها التزمت الصمت إلى حين.

قمة أنقرة، تأتي لإعلان تشكيل حلف ثلاثي، يوحي بأنّ الانتصار على سياسة واشنطن في سوريا، انكسرت، وعلى الولايات المتحدة الأمريكية التعامل مع هذه الدول المتحالفة بطريقة جديدة، من المحتمل أن تفرض إيقاعاً دبلوماسياً مختلفاً في المستقبل.

غاب عن قمة أنقرة الشعب السوري الذي أُهمِل مطلبه الأساسي في تغيير بشار الأسد ونظامه، بينما ركزت على سيادة الدولة، التي بات معلوماً للصغار قبل الكبار أنّها-السيادة-ذهبت يوماً في خبر كان.


مصادر أخرى:

عربي 21

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر رويترز الحياة arabic.rt
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend