الشعب السوري ما بينذل

مشاهد كثيرة خلال السنوات الماضية حتى تاريخ خروج أبناء الغوطة الشرقيّة من قراهم، أبرزت أسلوب النظام السوري في قمع وإذلال السوريين، إذاً ماذا بقي من شعار رفض الذل والكرامة؟!

ما قدمته الثورة السورية من فرزٍ على المستوى الاجتماعي والسياسي أخرج الكثير من المستور أمام العالم المتحضّر، ولعلّ هذا بحدِّ ذاته  سيكون إحدى إشراقاتها تاريخياً، باعتبارها فضحت نظاماً جثم فوق الرؤوس عنوةً، في ذات الوقت الذي كشفت عورة المجتمع الدولي والعربي على حقيقته.

ما قدّمه نظام الأسد في خدمة الدولة السوريّة جديرٌ بنا الوقوف عنده مطولاً، على عكس ما يمكن توقّعه. عملياً لو أنّ فرداً ما ملأ الكون صراخاً أنّ حافظ الأسد اغتصب السلطة، وعمل على إذلال المجتمع السوري وتفتيته لما صدّقه أحد…!!

لكن عفوية الشخصيات الهزلية المسرحية التي أفرزتها أجهزة الأمن التابعة للأسد، اختصرت كل ما يمكن الحديث عنه، بدايةً من مجلس الشعب، أو ما بات يعرف بـ “مجلس التصفيق”، مروراً بالكثير من الشخصيات التي أدّت دورها على أكمل وجه، مدنياً ك “السيناتور محمد قبنض”، وعسكرياً “الجنرال النمر”.

عضو مجلس الشعب” محمد قبنض، يتعمّد إهانة نازحي غوطة دمشق الشرقية

المؤكّد أنّ الكل في سلك الخدمة لنظام الأسد قدّم دوره الوظيفي المرسوم له بعناية، بدايةً من بشار الأسد، وصولاً إلى باقي الجوقة التي لم تخرج عن النصّ المسرحي والسيناريو الكوميدي، بل أدّت العرض بإتقان من يسعى لإيصال الرسالة للداخل والخارج.

الأسد وجوقته ومن خلفهم المجتمع الدولي مارسوا العنف بأساليب متفرّقة، فالصمت أحياناً يمكن اعتباره عنفاً إذا ما كان سكوتاً على باطل، لكن يبقى القول: إنّ النظام السوري بدا منسجماً مع شعاراته التي صدّع رؤوسنا بها… “الجوع أو الركوع”. يومها وكما جرت العادة-تمّ التبرير بأنها أفعالٌ وسلوكياتٌ عفوية، العجيب أنها استمرت منذ العام 2011، حتى اليوم، دون حسيب؟!!

مشاهد إذلال السوريين تنوّعت على أيدي ميليشيا الأسد، بين ركل عناصر أمنية للمتظاهرين في ريف مدينة بانياس على الساحل السوري “البيضا”؛ إلى الرقص على جثث القتلى، والكلمة التي باتت مصدر تندّر النشطاء: “بدكِن حرية”… جميعها فصولٌ مسرحية تبرهن للعالم أنّ مؤدي الأدوار تلك عبّروا عن ذهنية الأسد وفكره، بكفاءة عالية، دون مقابل.

الجيش يهين المتظاهرين في قرية البيضا في بانياس

سوريا بلا مبالغة عاشت واقعاً تراوح خلال السنوات الماضية بين مزيج التراجيديا والملهاة الفريدة، تبلورت أخيراً لتبرز تركيبة النظام السوري المهترئ، وعقليته الفاسدة، التي لا تتناسب مع أسوأ تطبيقات الديمقراطية في العالم.

بعيداً أيضاً عن تلك الحالة الفريدة، ومشاهد إذلال السوريين الذين هتفوا للحرية، وإنهاء حقبة ديكتاتورية وراثيّة قمعيّة أمنيّة، امتدت نحو نصف قرن، وبعيداً عن مناظر الأشلاء، وسياسة الحصار وفق قاعدة “التجويع حتى التركيع” التي فرضها نظام الأسد على: “مضايا، داريا، المعضمية، الغوطة الشرقية، قدسيا والهامة، مخيم اليرموك”، حتى تحوّل الكبار والصغار إلى هياكل عظمية تقتات على الأعشاب، حوّلتها وكالات الأخبار الصديقة والشقيقة إلى مواد دسمة للحديث؛ بعيداً عن أعداد القتلى والمشردين، المعتقلين والمفقودين… ما الدافع في حرف مسار “الباصات الخضراء” التي اقتلعت المدنيين من بيوتهم، وإلزامها بالمرور من مناطق موالية يسيطر عليها الأسد بما فيها الساحل السوري، رغم كونها جغرافياً لا تقع على الطريق بين دمشق جنوباً وإدلب شمالاً؟؟!

الرسالة واضحة، إجابة على القرار الذي نادى به السوريون في خروجهم عام 2011: ((بدنا نذلكم…. على عينك يا تاجر))، وبمباركة دولية أكّدها صمتهم على المشهد دون عناء الإنكار أو حتى التصفيق.

الشعب السوري ربح كرامته وإن قُتل فهو شهيد، الدافع الوطني والديني يؤكد هوية المنتصر… نعم نجح مكر الأسد في جولته هذه بمساندة المحتلّ الروسي، لكن من ينظر إلى الأمور بعين عقله، تتأكّد له حقيقة أكيدة أنّ: الشعب السوري ما بينذل، ومشهد الأسد أمام بوتين في حميميم يصدّق عملياً من هو الذليل في كل هذه المعادلة….  ((وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)) الأنفال:30.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend