مصير الثورات العربية

عوامل كثيرة دفعت للقول بانتهاء حلم الشعوب العربية بالتعددية السياسية، والديمقراطية الحقيقية، ما مصير الربيع العربي، في ظل الواقع المأساوي الذي تعيشه ثورات التغيير ؟

بقلم: عقاب يحيى

الكلام كثير عن اغتيال ثورات الربيع العربي، وما هو أكثر عن وفاتها، بل وموقعها السلبي في خلق أوضاع متفجرة تهدد بالحروب الأهلية والتفتيت، والتقسيم، وهناك من يحمّلها هي مسؤولية المآل الراهن، بل ويعلن ندمه على قيامها، وعلى المرحلة التي كانت، ولسان حال العديدين يردد: “ليتنا بقينا على ما كنا فيه حيث كان هناك نوع من الاستقرار والأمن، ولم تكن هذه الدماء والمآسي ومهددات الأوطان، وإبادة البشر والبنى التحتية”.

مظهرياً الكلام فيه واقعية كبيرة إن اقتصرنا على ما هو طافٍ على السطح، وما يجري في معظم بلدان الربيع العربي من اقتتال وصراعات وحروب مفتوحة، لكن العمق يقول غير ذلك، والأسباب اختلاطية تتحمل مسؤوليتها الأولى والرئيسة نظم الاستبداد وما فعلت وتفعل وكيف واجهت مطالب الشعب، وكيف تعاملت مع المظاهرات السلمية، ودور الدولة العميقة التي هي صناعة تلك النظم، ونتاجها، بل وحتى أوضاع البشر والمعارضات التقليدية التي أسهمت هي في إعدام الحياة السياسية حتى التصحّر، وفي إبعاد الناس عن الاهتمام بالشأن العام وقتل حرياتهم وحقوقهم، والدوس على الكرامة لصناعة مجتمع معلّب يسبّح بحمد النظام والقائد، وويله إن رفع رأسه وطالب ببعض الحقوق، بينما كانت الاعتقالات والقمع والحصار وتجفيف البحيرات البشرية للقوى المعارضة من أهم أسباب عجز تلك القوى عن قيادة انفجار الخزين الشعبي وتوجيهه نحو النصر وتأسيس البديل.

في هذا الغمار ترد بكثرة شعارات وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة/كوندليزا رايس/ عن الفوضى الخلاقة، وأن تلك الثورات كانت التعبير عن التنفيذ، وهي بالتالي جزء من مؤامرة كونية تقودها أمريكا وإسرائيل لنسف أوضاع البلدان العربية، وخلط الأوراق، وتفتيت القائم بأشكال عجائبية، وأولها الحروب الأهلية، وتغذية النزعات الدينية والمذهبية والاثنية وغيرها مما يقع في مكوّنات تلك البلدان وتصديرها كمفاعلات للاقتتال والصراع.

الحقائق تقول: أن البلدان العربية تأخرت كثيراً عن ركب التطور العالمي الذي شهد تحولات واسعة باتجاه التغيير الديمقراطي، خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، حيث عرفت دول أوروبا الشرقية موجة عارمة باتجاه التعددية والانتهاء من نظم الأحادية والاستبداد، وتجاوزت تلك البلدان إلى العديد من دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا، بينما ظهر الوضع العربي وكأنه عصّي على أي تغيير، وكأنه استثناء غرائبي في حين أن منسوب الاستبداد فيه والقمع والأحادية واغتيال الحريات العامة والفردية، وحقوق المواطن، وكرامته، ومساحته تطرح أسئلة معيبة عن أسباب ذلك التخلف عن ركب التطورات العالمية.

كانت تونس المنطلق، والبوعزيزي الشرارة التي ألهمت ذلك الاحتقان الكبير في نفس ملايين العرب للانتفاض… ولئن نجحت تونس بسرعة في التخلص من رموز النظام عبر هروب الرئيس المخلوع “بن علي”، فإن الأوضاع كانت أكثر تعقيداً، ودموية في بقية بلدان الربيع العربي، خاصة في ليبيا واليمن، ثم سورية التتويج، وسورية المأساة الشاملة، بينما اختلطت الأوراق في مصر رغم تحقيق ما يمكن اعتباره انتصاراً بفرض استقالة رئيس النظام، وبدء مرحلة جديدة.

في تونس لعب تعاضد المجتمع التونسي بوجود قوي لهيئات المجتمع المدني والنقابات، خاصة الاتحاد التونسي للشغل، ووعي حزب النهضة لمخاطر الاستفراد، وربما البعد عن فلسطين في تجنيبها صراعاً دموياً خطيراً، رغم أن الاختلاطات ما تزال قوية فيها، خصوصاً دور وتأثير الدولة العميقة التي تحاول العودة للسابق ولو بشعارات شكلية، بينما كانت تجربة الإخوان المسلمين في مصر، وتنطهحم للرئاسة، وفشلهم في تشكيل جبهة عريضة تسهم فيها قوى الثورة ونشطائها، وقلة الخبرة، وضعف الإدارة، بظل طغيان دور الدولة العميقة والمؤسسة العسكرية.. كل ذلك قدّم المبررات للقيام بانقلاب عسكري ينهي الثورة عملياً، ويضع على رأس النظام وزير الدفاع الذي اختاره الرئيس مرسي.

الحالة الليبية التي حُسم الأمر فيها لصالح الثورة بفعل التدخل الخارجي العنيف غرقت في الصراعات البينية ما بين قوى إسلامية وأخرى متشددة وقوى مناهضة لها، واستمرأ الفريقان تغليب سياسة الاستحواذ، والاستقواء بالدول الخارجية لتعيش ليبيا وضعاً زلزالياً لم يستقر بعد، حيث ما تزال الهزّات الارتدادية تمنع الوصول إلى توافقات تغلب المصلحة الوطنية والوحدة على العوامل الذاتية.

أما اليمن التي رعت فيها السعودية اتفاقية مصالحة مع النظام السابق، فقد عرفت عودة ذلك النظام وتحالفه مع الحوثيين ونقض جميع الاتفاقات ووضع اليد على كامل اليمن، بدعم إيران وحضورها القوي، وقيام بلدان الخليج بقيادة السعودية فيما يعرف بالتحالف العربي الذي لم يحقق أهدافه حتى الآن حيث ما يزال الحوثيون يسيطرون على الجزء الأكبر من اليمن، ويواصلون حرباً أهلية تبدو طويلة الأمد.

سورية الحالة الأكثر دموية وتعقيداً حتى أن الإجماع على وصفها بأنها أكبر مأساة عرفتها البشرية منذ الحرب العالمية الثانية لا يمثل إلا جانباً وصفياً يصعب أن يحيط بجوانب المأساة وعمقها، والمخاطر التي تهدد وحدة البلاد، ونجاح الثورة.

في سورية يقف الشعب السوري الثائر وحيداً . أكثر من ذلك أنه يواجه قوى خارجية عاتية استقدمها النظام الذي لم تنفع كل آلته القمعية والعسكرية في إنهاء الثورة، أو احتواء وضع تفجّر بسببه، ونتيجة نهجه الأمني، العنفي، والطائفي، فاستنجد بالمليشيات الطائفية لموضعة صراع مذهبي خطير تقوده إيران بمشروعها المذهبي القومي، حتى إذا ما عجزت إيران من منع الانهيار كان الاحتلال الروسي بآلته الحربية المتطورة، وسياسة الأرض المحروقة عاملاً منهكاً للثورة، وكاشفاً، من جهة أخرى الثغرات الكبيرة في وضع الفصائل وتشتتها، ورفضها التوحد، أو التنسيق فيما بينها.

في سورية تجتمع مجموعة معقدة من المفاعلات والعوامل، يختلط فيها الداخلي بالذاتي بالخارجي، وصولاً إلى السيطرة على القرار الوطني، وتدويل المسألة السورية . فسورية حالة خاصة بالنظر إلى موقعها ودورها التاريخي في محيطها العربي والإقليمي، وفي علاقتها مع فلسطين، ووجود أرض محتلة لها من قبل الكيان الصهيوني، ونجاح الثورة وإقامة نظام تعددي يفجر طاقات وإبداع السوريين يمكن أن يكون بمثابة الزلزال الشامل الذي تتعدى آثاره سورية إلى عموم المنطقة.. لذلك تداخلت العوامل الذاتية بالإقليمية بالخارجية لإنتاج هذا الوضع المعقّد.

بالأصل واجهت الثورة نظاماً من طبيعة خاصة. أمني، عسكري، طائفي، لا يمكن أن يقبل بأي خطوة إصلاحية ينظر إليها كتنازل يقود إلى نهايته، فكان الكل الأمني ورفض الحلول السياسية نهجاً خبيثاً مدروساً، مثلما كان العمل على حرف الثورة عن مسارها وإثقالها بمزيد التعقيدات إن كان لجهة التنظيمات الإرهابية، أو شدّها نحو صراع مذهبي بديل لجوهرها وما قامت لأجله.. كان ذلك سياسة دائمة تلقى الدعم من حلفاء عضويين، والصمت من قبل الدول الفاعلة في المجتمع الدولي، وقد التقت العوامل الذاتية بتلك الخارجية الفاعلة لإدامة المقتلة والدمار، ومنع تجسيد أي حل سياسي، وتصدير الأزمة لداخل الثورة بالقوة والسحق، أو باستغلال الثغرات والأخطاء والتشوّهات التي لحقت بالثورة.

بغض النظر عن الواقع الحالي، وعن الصورة السلبية الظاهرة، ومدى تلاقي ما صارت إليه ثورات الربيع العربي مع سياسات الفوضى الخلاقة، بل الفوضى المدمرة، فإن الثورة حق، والثورة عدل، والثورة تعبير عن إرادة أصيلة، وقد أنتجت وعياً جديداً، وأنتجت الكثير من المعطيات التي حررت الشعب من الخوف وأسر الاستبداد، وأطلقت العنان لبناء مختلف لن تبقى فيه أنظمة الاستبداد بالقطع.

قد تستغرق المرحلة زمناً، ومزيد التضحيات، وقد تواجه الثورات مراحل كمون وانكفاء، لكن لأنها التعبير عن الحقوق والضرورات، والعدل والحق والمواطنة المتساوية.. لن تستطيع قوة انتزاع وعي وإرادة البشر بالتغيير وبناء النظام التعددي، المدني الديمقراطي. سيحدث ذلك لا شكّ.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر موقع تطورات جنيف
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend