الطريق إلى معاهدة السلام المصري – الإسرائيلي

كيف يمكن أن نقرأ اتفاق السلام الموقّع بين مصر وإسرائيل، وهل نجحت إسرائيل في احتلالها الناعم للعرب؟!

الأيام السورية؛ فرات الشامي

جملة من العوامل المتشابكة تشرح صعوبة ملف الصراع العربي-الإسرائيلي، وتأثيرات البنية الداخلية العربية المترديّة والهزيلة، مع ثبات المواقف الدوليّة الداعمة للكيان الصهيوني.

ما بعد محادثات “كامب ديفيد”، اتجهت العلاقة العربيّة-الإسرائيليّة نحو التموضع في المكان الذي خطط له الصهاينة، بهدف التفرد بالـ “الغنم الشارد” عن “القطيع”، والانقضاض عليه دون إراقة قطرة دم، وتطويعه وترويضه بسهولة.

إن لم نتطرق للتفاصيل التي تناولها اتفاق السلام الواقعة بتاريخ 26 آذار/مارس 1979 في واشنطن، بين الجانبين المصري-الإسرائيلي؛ فإننا نستطيع الوقوف على جوهره الذي تمثّل بنقطتين أساسيتين: ((ضمان أمن الكيان الصهيوني، وتطبيع العلاقة اقتصادياً معه)).

بالمقابل؛ فإنّ المعاهدة كانت الشاهد الواضح على لحظة انفراط العقد العربي، المزعوم زوراً. إضافةً لكونها مثّلت نصراً حقيقياً لإسرائيل، التي أنهت ملف العلاقة العدائية مع الجانب المصري.

الطريق الموصل إلى الاتفاق مرّ بطبيعة الحال بعواملٍ وظروفٍ أدّت إليه، ودفعت بالرئيس المصري “أنور السادات” للهرولة نحو واشنطن.

دوافع السادات للارتماء في الحضن الأمريكي:

تشكّلت لدى “السادات” قناعة كاملة بأنّ: ((مصر تعمل وحدها في ظل انقسام وضعف عربي واضح، عسكرياً وسياسياً))، هذا أولاً.

من ناحيةٍ أخرى، فإنّ الأثر السلبي الذي خلّفته سياسة الرئيس “جمال عبد الناصر” بدايةً من تأميم قناة السويس، والعدوان الثلاثي، مروراً بهزيمة يونيو/حزيران 1967، ودخول الجيش المصري في صراعاتٍ هامشيّة في حرب اليمن، وعلى خط الصراع في العراق، جميعها عوامل أضعفت واستنزفت مصر اقتصادياً وعسكريّاً.

بالتالي كان استقراء السادات للمشهد قائمٌ على جانبين: العربي، والداخلي، وكلاهما يعيش حالة ضعف.

هزيمة السادات في أكتوبر 1973 كانت مقدمةً أخرى ومبرراً للتنازل والارتماء في الأحضان الأمريكيّة، فقد استطاعت إسرائيل محاصرة الجيش الثالث المصري، بعد حضورٍ عسكريٍّ لافت من الولايات المتحدة التي أقامت جسراً جوياً لإمداده تل أبيب بالسلاح، لتتمكن من تقوية مركزها التفاوضي قبيل صدور قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار.

السادات في تلك الأثناء آمن بأنّ الحلّ بيد أميركا، وأوعز لمستشاره للأمن القومي حافظ إسماعيل ببدء اتصال سريّ مع الولايات المتحدة للوصول إلى حلّ سلمي مع إسرائيل.

الدافع الأبرز لدى “أنور السادات” على ما يبدو كان إحراج واشنطن وتلّ أبيب، ظناً منه أنّه ومن خلال مبادرته السلمية سوف يحرّض الرأي العام في الشارعين الأميركي والإسرائيلي، ويدفع باتجاه الضغط على بيغن لتحقيق السلام.

بتاريخ شباط/فبراير 1979 بدا أنّ على واشنطن الإسراع في احتضان القاهرة، وتسريع عملية المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، لتعويض فقدان طهران –القاعدة الهامة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط-إبان انتصار “ثورة الخميني”، ولجوء شاه إيران إلى مصر.

المحصلة أنّ مصر استفادت عملياً من إقرار الكونغرس الأميركي مساعدات اقتصاديّة وعسكريّة بقيمة مليار دولار سنوياً تحت بند دعم السلام في الشرق الأوسط.

يقول أنور السادات: ((عشرات المليارات نازلة علينا وبحمد الله من غير الأمة العربية، مضت السنين العجاف لأننا عرفنا طريق السلام، مضت كل المعاناة)).

المال والاقتصاد، كان الخيار الحاسم بالنسبة للسادات، بعد شعوره بالخيبة من الأمة العربية، وإحساسه بضعفه عسكرياً وسياسياً كما هو واضح.

السادات أدرك أنّ الموقف العربي هزيلٌ، عسكرياً وسياسياً، بالتالي فإنّ البقاء على الجبهة العسكريّة ومقارعة إسرائيل يمثّل انتحاراً، ورمياً ببلاده إلى الهاوية.

المواقف العربية من اتفاق السلام:

ما قام به “أنور السادات” يمكن وضعه في إطار كسر الحاجز النفسي بين العرب وإسرائيل، مع رفضه اللاءات الثلاثة المشهورة، بعد ذهابه بنفسه إلى “تل أبيب”. تحركه السياسي تمّ مقابلته بالرفض من الجوقة المعارضة للمعاهدة تصدرها كلٌّ من “سوريا، ليبيا، الجزائر”، لتؤرخ بذلك صحيفة التايمز البريطانية معلقةً حول القطيعة الدبلوماسية مع مصر تحت عنوان: “وداعاً للتضامن العربي/ Farewell to Arab solidarity “.

معظم المواقف العربية الرسمية لم تتجاوز التصريحات الدعائية؛ بعيداً عن اتخاذ إجراء حقيقي، يدفع الإدارة السياسية في مصر إلى التراجع عن قرارها، ما يشير إلى توافق غير معلن على تلك الخطوة التي كان الأجرأ فيها “أنور السادات”.

القيادات العربية استغلت ذلك الحدث لتلميع صورتها؛ ليقدم المنهاج السوري مثالاً على ذلك؛ من خلال المقارنة بين حافظ الأسد الذي عرفناه في المرحلة الابتدائية بأنه “بطل التشرينين”-تشرين الحركة التصحيحية، وتشرين حرب 73، وبين “خيانة “السادات”.

شعبياً، الشارع قرأ في تلك المعاهدة حقيقة الانقسام والتشرذم العربي، وكذبة وجود الجامعة العربية.

يبقى السؤال: ماذا لو دعم الزعماء العرب المبادرة يومها، وما المصير العربي اليوم؟.

لا يمكن التسليم تماماً بأنّ قرار الرئيس المصري “أنور السادات” كان خاطئاً بالمجمل أو مقامرةً سياسية. ولو أنّ الموقف العربي-في حينها-أيّد تحركه على المستوى الدبلوماسي، لربما اختلفت المعادلة لصالح قضايا الأمة العربية مجتمعة، بما فيها الملف الفلسطيني. ولعله ذهب يومها للحوار على قاعدة صلبة وغطاء عربي كان من المفترض أن يمنحه قوة في التحرك والتفاوض. إلا أنّ المزايدات العربية أجبرته السير وحيداً، حاملاً ملف بلاده، وعلى رأس أولوياته اقتصادها المنهار.

استطاع أنور السادات كسر حاجز الخوف عند الشعب العربي الحالم بانتصارٍ عسكري غير واقعي على إسرائيل –وإن كنا لا نوافقه تماماً على نهجه ذاك-، لكنّه بدا قادراً على تحمّل الخطر الذي أدّى لمقتله. بالمقابل يبدو أنّ الحكام العرب في حينها لم يقرروا الدخول في لعبة النار تلك، وإنما احتاجوا إلى ما يعرف بالمصطلح العامي “كبش فداء”…!!

حال العلاقات الإسرائيلية العربية اليوم:

العلاقات تسير بالاتجاه المرسوم إسرائيلياً، من تحت الطاولة كالعادة، ومن فوقها تدريجياً؛ لامتصاص غضب الشارع.

سورية ظلت منذ عهد حافظ الأسد الحارس الأمين لحدود إسرائيل، وإنْ لم توقع على معاهدة الحماية.

السعودية، مؤخراً ومع صعود نجم ولي العهد الأمير “محمد بن سلمان” اتجهت نحو إنهاء وحسم ملف القطيعة مع تل أبيت، ويبدو أنّ الرياض تسعى لإقامة علاقة ودية سريعاً، ترويجاً لولي عهدها وتلميعاً لصورته؛ كرجل سلام.

نشرت صحيفة “تاغس شبيغل” الألمانية تقريراً تحدثت فيه عن تقارب وجهات النظر السعودية-الإسرائيلية في إدارة الأمور في المنطقة.

جاء في التقرير الذي ترجمته عربي 21: ((بما أنّ إسرائيل والمملكة العربية السعودية تتخذان من إيران عدواً مشتركاً، فإنّ ذلك قد أدّى بدوره إلى تأسيس تحالف قوي بين الدولتين في مواجهة الخطر الإيراني. وبالفعل، شرعت الدولتان في القيام ببعض النشاطات المشتركة)). مبرر العلاقة يتمحور حول النظرة إلى الخطر الإيراني، لتقدم الرياض حجتها ودفاعها أمام شعبها، إن جازت التسمية.

لا يمكن نسيان العلاقات الأردنية-الإسرائيلية التي ظلت مثار جدل الشارع العربي، والتي فاقت بحضورها العلاقة المصرية مع تل أبيب.

شعبياً، لا يحتاج الشرح إلى إطالة، فالحدث أوضح من الشمس في رابعة النهار، ويمكن القول:

إسرائيل انتصرت بتحقيق الاحتلال الناعم للقيادة العربية، وتطويع قيادتهم على مراحل، لكنّها لم تنجح حتى اليوم في تركيع الشارع.

ما يختصر حقيقة ذكرى توقيع الاتفاق كلمات الشاعر أحمد مطر:

الثور فرّ من حظيرة البقر

الثور فر

فثارت العجول في الحظيرة

تبكي فرار قائد المسيرة

وشُكلت على الأثر محكمة ومؤتمر

فقائل قال قضاء وقدر

وقائل لقد كفر

وقائل يا سفر

وبعضهم قال: امنحوه فرصة أخيرة

لعله يعود للحظيرة

وفي ختام المؤتمر تقاسموا مربطه وجمدوا شعيره

وبعد عام وقعت حادثة مثيرة

لم يرجع الثور ولكن ذهبت وراءه الحظيرة.

تعلمنا في المرحلة الإعدادية أنّ “أنور السادات” خائن، ثم قيل بأنّه “رجلٌ وطني”، تفاوتت الآراء حوله “شخصياً”، أيَّده وعارضه الكثيرون، وكلٌّ له حُجَّته ووجهة نظره، لكنّ الاتفاق مع إسرائيل ظلّ مرفوضاً وبقي محل اتفاق الشارع العربي.

يمكن اعتبار نهج “السادات” مقبولاً، باعتباره فضّل اتباع سياسة وطنية بحتة، على الدخول في مواجهة المجتمع الدولي الموالي لإسرائيل.

بالمقابل، يبقى اتفاقه مع العدوّ المحتل فيه نظر…؟!

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر السلام المر بين مصر وإسرائيل الجزيرة عربي21
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend