قضية سكريبال: وتداعيات طرد الدبلوماسيين الروس

يبدو أنّ قضية سكريبال أخذت تتجه نحو تطوّراتٍ جديدة وجدية من جانب واشنطن، وشركائها الأوربيين، فما تداعياتها؟ وكيف ستردّ موسكو؟

الأيام السورية؛ فرات الشامي

دخلت العلاقات الروسيّة-الأمريكيّة من جهة، والروسيّة-الأوروبيّة من جهةٍ أخرى منعطفاً دبلوماسياً خطيراً، على خلفية ما يعرف باسم “قضية سكريبال”؛ التي تسببت بالأزمة.

علاقاتٌ اتسمت خلال الفترة الماضية بأنها باردة، وفي أحسن أحوالها تتنفس على سرير الإنعاش، ولعلّ لعنة تسميم الجاسوس البريطاني السابق سيرغي سكريبال، أرخت بظلالها أيضاً، وعكست رغبة الولايات المتحدة الأمريكيّة في تلجيم القوة الروسية المتنامية.

المنطق يقول أنّ الهيمنة الروسية وتصاعد نفوذها على حساب الدول الأوروبية، وبالتأكيد الولايات المتحدة الأمريكية؛ هو العامل الأبرز في استغلال حادثة التسميم؛ التي ما تزال تفاصيلها غامضة، وربما تظلّ كذلك؛ لتكون ورقة ضغطٍ على الروس ترى النور عند الحاجة لها.

تؤكد تصريحات وزير الدفاع الأمريكي، جيمس ماتيس، الثلاثاء الماضي أنّ الشكوك حول روسية لا تزال غير أكيدة بدلالة قوله:

إنّ الضلوع المفترض لموسكو في محاولة الاغتيال، يظهر أنّ روسيا اختارت أن تكون منافساً استراتيجياً.

الموقف الأوروبي من القضية كان مدار بحث الرئيسين الأمريكي “دونالد ترامب” والفرنسي “إيمانويل ماكرون”، يوم الأربعاء الماضي، والذي تعلّق بكيفية اتخاذ إجراء تجاه روسيا. وبدا واضحاً تضامنهما مع المملكة المتحدة بحسب ما نشرت وكالة رويترز.

الخطوة الأولى في معاقبة موسكو لم تتأخر كثيراً، ولم تكن مفاجأة، بل أتت وفق تصريحات نيكي هيلي، سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، بأنّ هذا الإجراء تمّ بموجب اتفاق عام 1947 لتأسيس مقر الأمم المتحدة في نيويورك.

حيث يشير البند 13/ب من اتفاق إقامة مقر الأمم المتحدة على أنّه: ((في حال انتهاك أي شخص لصلاحيات الإقامة بممارسة أنشطة داخل الولايات المتحدة خارج نطاق مهامه الوظيفية؛ فإنه لن يُستثنى من أن تطبق عليه القوانين واللوائح الأمريكية الخاصة باستمرار إقامة الأجانب((. ما يعني أنّ الخطوة تتماشى مع الأعراف الدوليّة والمواثيق التي أقّرت في منظمة الأمم المتحدة، بحسب المبررات الأمريكية-البريطانية.

كما يشير نصّ المادة ذاتها أنّ: ((أي خطوة لطرد دبلوماسيين لدى الأمم المتحدة يجب أن يوافق عليها وزير الخارجية الأمريكي بعد التشاور إما مع الدولة المعنية أو مع الأمين العام للأمم المتحدة.(( بالتالي؛ يمكن القول بوجود موافقة أممية على معاقبة روسيا؛ في هذه المرحلة بالذات، كخطوة أولية، على الأقل لضمان ابتزازها وتحقيق أهداف مستقبلية بوقتٍ قريب.

واشنطن قررت طرد 12 دبلوماسياً روسياً لدى منظمة الأمم المتحدة، يوم أمس الاثنين، الخطوة هذه تبعها خطوات مماثلة من دولٍ أوروبية مشتركة لمعاقبة الكرملين، الأمر الذي يؤكد وجود تنسيق وتضامن غربي واضح، مع تخوّفٍ من النفوذ الروسي، الذي بات يحتاج إلى كبحٍ لجماحه وتلجيمه.

ليست المرة الأولى التي تواجه فيها موسكو خطوة في هذا الباب، فقد سبق أن طردت إدارة الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” 35 دبلوماسياً روسيا ًمن العاملين في السفارة في واشنطن والقنصلية في سان فرنسيسكو، بتاريخ 29 ديسمبر/كانون الأول 2016.

لكن الخطوة السابقة، لم تصل إلى درجة المواجهة أو التصعيد العسكري، ما يؤكد أنّ الولايات المتحدة والدول الأوروبية، ليست بصدد الدخول في صراع أوسع مع موسكو، التي تنامت قوتها، وازدادت متانة تحالفاتها الاستراتيجية في المنطقة، ما يرجح بقاء التصعيد الدبلوماسي، وفتوره بين الحين والآخر، ولعبة كسر العظم سياسياً مستمرة، تعيد إلى الذهن الحرب الباردة، وهذا على ما يبدو ما يحاول الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” جرّ بلاده إليه.

الموقف الروسي من قضية سكريبال:

موسكو ومن خلال منابرها الإعلامية ومحلليها تحاول الدفاع عن نفسه وإبعاد التهمة عنها، إلى جانب تصريحات صادرة عن الخارجية الروسية وصفت فيها إجراءات طرد الدبلوماسيين بـ”الاستفزازية”.

الصحافة الروسية والمحللون الروس يسيرون على ذات المنوال والعزف على وتر الاستفزاز ونفي التهمة، عبر تقديمها بإطار سياسي هدفه النهائي النيل من الحضور الروسي المتصاعد.

سيرغي 2سودا كوف، البروفيسور في أكاديمية العلوم العسكرية الروسية، خلال حديث مع RT رأى أن قضية سكريبال، بدت منذ أولها كأنها عملية استفزازية مدبرة، لكنها ضعيفة التنفيذ وجرت تحت ضغط الوقت، حيث استخدمتها بريطانيا لإطلاق حرب دبلوماسية ضد روسيا”.

مشيراً إلى أنّ الموقف البريطاني-الأمريكي هو جزء من صفقة مبرمة بين لندن التي تمر بمرحلة صعبة جراء انسحابها من الاتحاد الأوروبي وواشنطن. وأنهما المستفيدتان الأساسيان، إذ أن الدافع الرئيس للقضية هو مكاسب اقتصادية وسياسية.

المتتبع لكثيرٍ من التحليلات الروسية يقرأ الفهم الروسي الواضح لخلفيات المسألة، وتتضح لديها النقاط التالية التي يمكن استنتاجها من خلال تلك التحليلات:

  1. تسعى واشنطن إلى تهميش موسكو في سوق الطاقة الأوروبية.
  2. السعي الأمريكي الواضح لتشكيل تحالف قوي يهدف إلى إضعاف روسيا.
  3. بريطانيا تحاول الاستفادة من الغطاء الأمريكي وضماناته، للحد من العبء المالي على ميزانيتها التي تأثّرت إبّان خروجها من الاتحاد الأوروبي.

اتهاماتٌ متبادلة بين أطراف القضية؛ تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، لكن طبيعة الرد الرسمي الروسي ما يزال غامضاً، واحتمال أنْ تمتص موسكو المسألة تدريجياً وارد، ولعلّ لديها من الأوراق ما يكسبها الجولة.

تداعيات قضية سكريبال، وما تبعها من طرد الدبلوماسيين الروس، سوف تكون نقطة تحول على الأقل من ناحية المملكة المتحدة؛ التي ظلت بعيدة عن المسرح الدولي، لكن لا توجد مؤشرات أيضاً لدخولها في صدام عسكري مستقبلاً مع روسيا.

موسكو في مأزق، والمصداقية الأمريكية-الأوروبية في التعاطي معها على المحك، فمن ينجح بلوي ذراع الآخر سوف ينهي الجولة بمكاسب كبيرة مستقبلاً.

عملياً، يسارع الغرب إلى تأجيج حرب الدبلوماسية ضد موسكو، بينما تقف هذه الأخيرة في قفص المدافع عن نفسه.

 

مصادر أخرى:

arabic.rt / الجزيرة

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر العربي الجديد رويترز arabic.rt
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend