الفيصل في الكلام: عن الملك فيصل بن عبد العزيز

«عشنا وعاش أجدادنا على التمر واللبن وسنعود لهما»… الملك فيصل بن عبد العزيز… عبارة تختصر حياة زعيمٍ عربيٍّ بصفاتٍ تختلف عن نظرائه في زمن انهيار العروبة، فماذا ترك خلفه؟

الاجتماع على شخصية والالتفاف حولها حالة غير منطقية، ويصعب الوصول إليها إنسانياً، بالمقابل يمكن الاعتماد على صفات محددة تضعنا أمام قواعد واضحة للحديث حول قيمة رجلٍ مؤثّرٍ في مسار التاريخ أو وطنيٍّ امتاز بدوره القيادي وأجندته الثابتة التي لامست قضايا أمته وبلاده.

عموماً، المصداقية والهمُّ الوطني، النزاهة، الرؤية والمسؤولية، إحدى أهم تلك الصفات التي تتفاوت بين شخصيةٍ وأخرى، ولعل المتتبع لحياةِ رجلٍ مثل الملك “فيصل بن عبد العزيز آل سعود”، يجد شيئاً منها، علاوةً على كونه أثبت ذلك خلال مسيرة حياته في الحكم.

تفاوتت الآراء حوله، بين من رأى فيه الحضور القيادي والمواقف العروبية الأصيلة، وبين من شنّع عليه من مناوئيه، والأمر طبيعي، ليكون “الإنجاز” هو الفيصل في الحكم دون شك.

فيصل بن عبد العزيز آل سعود، من القلة التي يمكن الحديث عنها، ونحن نتناول “الزعماء العرب”، وأدوارهم السياسية المؤثرة وطنياً في المنطقة والعالم.

تشير المصادر أنّ دخول “فيصل بن عبد العزيز” إلى عالم السياسة بدأ في سنٍ مبكر، حين أرسله والده الملك “عبد العزيز آل سعود” إلى بريطانيا وفرنسا في نهاية الحرب العالمية الأولى، وكان أن استقبله “اللورد كرزون” البريطاني بتقديم الحلوى ظناً منه بأنه يتعامل مع طفل، ليخرج الردّ حازماً من الأمير الشاب الذي اتخذ قرار المغادرة سريعاً إلى فرنسا.

قدّم “الأمير فيصل” تعريفاً واضحاً عن نفسه أمام الإنجليز، ما اضطرهم لتقديم اعتذارٍ رسميٍّ له.

من كلماته المأثورة التي تشرح باختصار شخصيته السياسيّة والإنسانيّة في آنٍ واحد قوله: ((الحياة علّمتني أن تسامح الأخ مع أخيه هو أكبر قيمة من انتصار المدافع والسيوف)).

تولّيه منصب وزارة الخارجية عام 1932 إضافة لرئاسته مجلس الشورى في بلاده، لم يكن النقطة الأهم في حياته، بل اتسمت تلك السنة بجرأته إبان تصريحه أثناء توليه المنصب الوزاري، ومطالبته بقطع العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية رداً على قرار الأمم المتحدة بشأن تقسيم فلسطين.

مرحلة مفصلية بدأت في عهد المملكة العربية السعودية بعد تولي الملك سعود بن عبد العزيز العرش (الابن الثاني للملك عبد العزيز، والأخ الغير شقيق للملك فيصل) في نوفمبر ١٩٥٣. ومعه تمّ تعيين الأمير فيصل ولياً للعهد، ونائباً لرئيس مجلس الوزراء وزيراً للخارجية. لتشهد العلاقة حالة توتر بدأت إبان الأزمة المالية الشديدة عصفت بالمملكة في العام 1957؛ أجبرتها على الاقتراض من دول الغرب وشركة أرامكو.

ازداد التوتر بين ولي العهد، والملك سعود في العام ١٩٦٠. وتطوّر الأمر إلى سحب جميع الوزارات من الأمير فيصل وإبقاؤه نائباً لرئيس مجلس الوزراء في العام 1961.

النزاع على السلطة بدأ بعد مرض الملك سعود بن عبد العزيز؛ الذي كثر سفره من أجل العلاج خارج المملكة، ليقوم الأمير محمد أكبر الأبناء بعد الملك سعود بجمع العلماء والأمراء، واتفقوا بالإجماع على:

  • الإبقاء على الملك سعود في منصبه.
  • تفويض الأمير فيصل لتسيير أمور البلاد داخلياً وخارجياً سواء كان الملك داخل أو خارج البلاد.

بتاريخ ١ نوفمبر ١٩٦٤ اجتمع القضاة وعلماء الدين وأعلن المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ خلع الملك سعود –الذي رفض التنازل عن الحكم-ومبايعة الملك فيصل.

اتسمت مواقف الملك “فيصل” خلال فترة حكمه بالغيرة على العروبة والإسلام، فكان يحمل مبادئاً ثابتةً اجتمع عليها الشارع العربي في مقدمتها: ((عدم الاعتراف بإسرائيل ((.

جاء في خطابه على منبر الأمم المتحدة العام 1963م: ((ما بددّ السلام في المنطقة العربية هو القضية الفلسطينية وظهور إسرائيل)).

الموقف السابق تبعه تحرك على الأرض، حين قام الملك “فيصل بن عبد العزيز” بدعم مصر بعد حرب 1967م.

يسجّل التاريخ للملك فيصل بن عبد العزيز موقفاً عملياً مشرّفاً آخر على الأرض، أثناء حرب أكتوبر ١٩٧٣، حين عمل على قطع الإمدادات البترولية عن أمريكا والغرب وكل من دعم إسرائيل.

ولتبقى كلماته صفعةً في وجه من خلفه من القادة العرب: ((عشنا وعاش أجدادنا على التمر واللبن وسنعود لهما)). كلمةً دوّت وطرقت مسمع هينري كيسنجر. ولعله كانت إضافةً لمواقفه العربية لا سيما في حرب 1973 هي التي دفعت “كيسنجر” إلى تغيير سياسته في المنطقة من:

  1. توازن استراتيجي في التسلح بين العرب مجتمعين وإسرائيل، باستثناء النووي الذي سمح لإسرائيل بامتلاكه منذ نهاية الستينات.
  2. التخلص من الملك فيصل.
  3. خلق قيادات عميلة في كل الدول العربية دون استثناء.
  4. التخطيط إلى بلقنة المنطقة، وتقسيمها على أسس طائفية وأثنية؛ مما شرعن وجود إسرائيل الدولة الوحيدة في العالم بعد الفاتيكان المرتكزة على الدين.
  5. طور الحزب الجمهوري هذه السياسة فيما بعد إلى ما سماه بوش الابن الفوضى الخلاقة.

ثم تعلو تصريحاته السماء في خطابه لرئيس شركة التابلاين الأمريكية: ((أي نقطة بترول ستذهب لإسرائيل ستجعلني أقطع البترول عنكم)).

اختلفت التفسيرات والروايات التي أدت إلى اغتيال الملك “فيصل بن عبد العزيز”، بين من يعتقد أنها أتت بإيعازٍ من الولايات المتحدة الأمريكية، ومن يرى أنها ناتجة عن خلاف داخل الأسرة الحاكمة نفسها. لكن تبقى الدوافع لقتله متوفرة، أدخلت المملكة السعودية تلك الحادثة الاستثنائية منعطفاً تاريخياً هاماً.

يسجّل التاريخ للملك فيصل بن عبد العزيز موقفاً عملياً مشرّفاً آخر على الأرض، أثناء حرب أكتوبر ١٩٧٣، حين عمل على قطع الإمدادات البترولية عن أمريكا والغرب وكل من دعم إسرائيل.

أنهت تلك الرصاصات حياة شخصية عربية-قيادية بارزة ارتبط ذكرها بقرارها الحاسم في قطع النفط عن الغرب عام 1973.

برحيله أيضاً نقرأ أنّ الملك “فيصل بن عبد العزيز، قام بما لم يجرؤ عليه غيره:

  • استخدم سلاح النفط لأول مرة وآخرها في وجه الغرب الداعم للصهاينة.
  • محاولاته اتباع سياسة مستقلة نوعاً ما عن أمريكا.
  • بمقتل الملك فيصل عادت أنابيب النفط لتفتح بكاملها وتضخ بقوة.
  • لم يعد بمقتله النفط سلاحاً عربياً، وإنما سلعة تجارية ارتبط سعرها ارتفاعاً وهبوطاً بمصالح الشركات الكبرى، والمزاج السياسي الأمريكي.

لقد ترك الملك الراحل “فيصل بن عبد العزيز” خلفه إرثاً صعباً… لعل التاريخ يجود بمثله على العرب، الموت دون تنازلٍ عن مبدأه.

الفيصل في الكلام عن الملك فيصل وغيره … أفعالهم التي تركت أثراً على الأرض، لصالح أمتهم وشعوبهم.

 

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر المرسال: اهم انجازات الملك فيصل اعرف إثني عشرة صفة للقائد الناجح
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend