الضمير العالمي المهزوم على أعتاب الغوطة

انتهى كلُّ شيءٍ على مداخل الغوطة الشرقية، وانتصرت سياسة العالم المتحضّر في تذليل العقبات أمام الأسد ونظامه؛ قصصٌ كثيرةٌ تكفي لشرح وتلخيص معاني الديمقراطيّة التي أرادها الشارع السوري، وفرضها الغرب.

الأيام السورية؛ فرات الشامي

لا ما بدّي بشار:

«لا أريد أن أكون ابنة الأسد»، عبارةٌ تشي بأنّ الطفولة لا يمكن أن تذّل، جملةٌ تختصر مطلب جيلٍ جديد، على لسان طفلةٍ سورية من مهجري الغوطة الشرقية، قسراً، خرجت بعفويّةٍ عبر شاشة تلفزيون “الإخباريّة السوريّة” التابع لنظام الأسد.

رغم أنّ والدها من طلب منها ذلك؛ لكنّ إصرارها ينسف تحليلات السياسيين المتشائمة حول نهاية الثورة.

“حبيبة” ابنة حمورية، التي خرجت مع ذويها إلى أحد مراكز الإيواء المؤقّتة للاجئين قرب دمشق، هي امتدادٌ لتلك الكلمات التي مرّت على جدران مدارس درعا في ذات اليوم 18 آذار/2011؛… “إجاك الدور يا دكتور”، وربما استطاعت أجهزة المخابرات يومها تقطيع أصابع أولئك الصغار، لكنّها هذه المرة لن تكون قادرةً على قطع لسان الطفلة؛ لأنّها اكتفت بصمت الضمير العالمي على جرائمه.

قصة حزمة الحطب:

الجريمة لم تعد بحاجةٍ إلى كلام، فقد تمكّن الأسد، وبعبارةٍ أوضح ومن خلال جملة عوامل على حسم المعركة العسكريّة لصالحه:

  • غياب المعارضة السياسيّة كلياً عن المشهد.
  • المعارضة السياسية في أحسن أحوالها كانت تحتضر وبعيدة تماماً عن الداخل وواقعه.
  • الإيديولوجيات العابرة للقارات، والأجندات الخارجية، والعمل بهوية إسلاميّة كاذبة، فجّة، أدّى لبروز قطيعة واقتتال داخلي، تمّ تجييره لصالح الأسد.

الارتهان للخارج، الظلم المتفشي في الداخل السوري المحرر، غياب الرؤية والكفاءة، …. قائمةٌ ذات شجون. لكننا لم نتعلم من قصة الحكيم الذي جمع أولاده قبيل موته، ليكسروا حزمة الحطب، وبقي كلامه مجرد روايةٍ عربيةٍ بلا مغزى.

زيارة الاسد الاخيرة للغوطة الشرقية – المصدر: مراسلون

الأسد يقتل القتيل ويمشي في جنازته:

في الوقت الذي ارتفع فيه علم تركيا في إحدى ساحات عفرين السوريّة، كان بشار الأسد، يؤدي فرض صلاة الجنازة، وتشييع ضحايا كرسييه، يوم الأحد 18 آذار/مارس الجاري، على القرب من أحد مداخل الغوطة الشرقيّة التي لم تحددها وسائل الإعلام التابعة له.

المدينة المدمّرة بشكلٍ شبه كامل، كانت خلفيةً ذات أبعادٍ سياسيّة وداخليّة، واضحة المعالم، فهي التجسيد الحقيقي للشعار الذي هتف به “والمنحبكجية” بداية الثورة: “الأسد، أو نحرق البلد”.

لم يضع الأسد ربطة العنق، فاتحاً سترته، التي اعتاد ارتداءها في زياراته التي تحمل الطابع الأمني… إنّه الرئيس الوحيد الذي يقف متفرّجاً على إذلال-مواطنيه-أثناء تهجيرهم، في مشهدٍ يعيد للذاكرة صورة “نيرون” حين أحرق روما.

زيارة الاسد الاخيرة للغوطة الشرقية – المصدر: اليوم السابع

الأسد آخر من يعلم:

وضع يده اليسرى في جيبه، بدا واثقاً من انتصاره في اللحظة التي بدأ حديثاً مع جنوده..

“أنتم اليوم حررتم جسرين، وبعدها كفر بطنا، وسقبا يمكن أن يكون الجيش قد دخلها”.

مسرحيّةٌ هزليّة تجلّت فصولها خلال دقائق فقط، وكأنّنا أمام الزعيم “عادل إمام” في “شاهد ما شفش حاجة”.

يردّ أحد مرتزقة الأسد: “دخل.. دخل”. يقصد أنّهم دخلوا سقبا.

الصعود المسرحي الدرامي يدخل مرحلة الذروة، والأعين تذرف الدموع من المشهد، يردد الأسد مع الجندي: دخل؟!.

المفارقة أنّ إعلام النظام الرسمي، بثّ في نفس اليوم “الأحد”، مشاهد من داخل “سقبا” التي لم يعرف الأسد بأنّ مرتزقته قد دخلتها.

العبارة التي رددها بعض المنحبكجية بداية الثورة أنّ بشار الأسد حملٌ وديع، لا يعلم تماماً ما يحدث في الشارع من أخطاء فرديّة ارتكبها عناصر المخابرات بحقّ المدنيين.

كثيراً ما أكّد المعارضون أنّ الأسد يعطي الأوامر مباشرةً لرجاله، لنكتشف على أعتاب الغوطة الشرقيّة، بأنّ المعارضة غير صادقة، فالقائد العام للجيش والقوات المسلّحة، بدا متفاجئاً… وصدق موالوه بأنّه حمل وديع… ولعلّ التاريخ يسجّل أنّه متفاجئ أمام عدد القتلى وبحر الدم الذي يسبح فيه.

“كل طلقة تطلقونها، تغيّر الميزان في العالم”:

“كل طلقة تطلقونها، تغيّر الميزان في العالم”… كثيراً ما أكّدنا أنّ الأسد صادقٌ في كلامه، هكذا قال لجنوده، بعد أنْ أكّد لميليشياته: “أنقذتم مدينة دمشق”.

أنقذوا كرسيه، كما أنّ كل طلقة أنهت بقايا الضمير الدولي الذي مكث طويلاً في غرفة العناية المركّزة، إنّه يعني رصاصة الرحمة التي أطلقت بوجه مدّعي حقوق الإنسان، ودعاة الفكر الديمقراطي.

قُتل الآلاف، وتدمير مدنٍ بأكملها، تسليم مفاتيح الدولة السوريّة للروس والإيرانيين، والفوضى التي لن تنتهيَ على الأقلّ في المدى القريب، سوف تكون مفتاحاً فعلياً لتغيير الميزان في العالم… مسماراً في نعش القيم الأخلاقيّة والسلوكيات الإنسانيّة.

بشار الاسد يحاول احتضان طفل من ابناء الغوطة الذين هجرهم قسرا – المصدر: موقع جبل عامل

بالروح بالدم نفديك يا بشار:

أسدل الستار… والكل يهتف بحياة القائد حوله، تلك العبارة التي اعتقدنا أننا سوف ننتهي منها، لكنّ الواقع يوحي بأنّ علينا مراجعة حساباتنا وبرمجة أطفالنا على تردادها، إنْ لم تصحُ بقايا المعارضة في آخر معاقلها، الشمال السوري، ولسوف نجدنا نقول، قريباً: “بالروح بالدم نفديك، يا بشار”.

كاريكاتور الضمير العربي – المصدر: الجزيرة

ما الذي حدث في الغوطة؟!

ميليشيا الأسد بدأت عملياتها ضدّ المعارضة السوريّة المسلّحة في الغوطة الشرقية بتاريخ 18 فبراير/ شباط الماضي، حيث تمّ تقسيمها إلى 3 جيوب، هي دوما شمالاً تحت سيطرة فصيل “جيش الإسلام”، حرستا غرباً حيث حركة “أحرار الشام”، بلدات جنوبيّة يسيطر عليها فصيل “فيلق الرحمن”.

ما حصل في الغوطة مقدمة لمحرقة جديدة، عنوانها “نهاية الثورة عسكرياً”، وتكبيرات المساجد لن تتوقف أمام نعش الديمقراطيّة، مدّعي الإنسانيّة، شهود الزور.

الضمير العالمي انهزم على أعتاب الغوطة الشرقيّة، انتصر الأسد عسكرياً، وإن مات إنسانيّاً، منذ 2011، وما تلك إلا جيفةٌ دنّست أرض الغوطة، لربما تطهرها صحوة أطفالٍ آخرين، في يومٍ قريب.

للأسف… نحن المهزومون عسكرياًّ، شهداء إنسانيّاً… أحياءٌ في التاريخ، معتقلون حتى نجدد ثورتنا ونعيدها سيرتها الأولى.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر قناة الغد العربية نت
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend