حين شرعت الجدران بالكلام (16)

تفاصيل تاريخية ثورية لا بدّ منها

 

استولى الفيس بوك على يوميات السوريين منذ بدء الثورة، وبعيداً عن إيماننا بقدرة هذا النظام على التأثير، إلا أنّه فعلاً شكّل مع بداية الثورة انعكاساً للآراء المختلفة حول ما يحصل في سوريا..

بعيد أولى المظاهرات التي خرجت، والتي أعلنت ولادة الثورة، بدأت مع مجموعة من الأصدقاء والصديقات تكثيف اللقاءات والتنسيق للمشاركة في المظاهرات التي تخرج في دمشق، والتواصل مع النشطاء الذين بدأوا بتشكيل ما سمي بالتنسيقات لاحقاً.. شهدت المظاهرات اعتقالات واسعة وعنف بالغ حيث ساقت الدولة الشبيحة المدججين بالسلاح الأبيض والعصي لمواجهة المتظاهرين.. وأطلق الأمن الرصاص في عدد من المظاهرات ..

اعتقلت ضحى مرتين خلال شهر واحد، واعتقل الكثير من الشبان ممن أعرفهم.. وخرجوا ليحدثونا عن تجربتهم المريرة داخل الاعتقال..

كنت أترقب تحرك محافظتي التي أنتمي إليها. وهي السويداء المدينة ذات المكون الدرزي بأغلبيته، حيث كنت أتوقع أن يكون لهذه المحافظة تحرك واسع ومشاركة كبيرة في الثورة، وهذا ما لم يحدث كما كنت آمل على الأقل بنفس الحجم والمستوى..

فالسويداء التي عانت من اضطهاد النظام طوال حكم الأسد الأب والابن عبر اتباع سياسة التفقير والإهمال والتشديد الأمني، وهي السياسة التي أدّت لهجرة الكثير من أبنائها الشباب إلى دول المغترب عبر العالم . كانت تشكل إحدى أهم المناطق التي شارك كثيرمن أبنائها في المعارضة مبكراً عبر حزب العمل الشيوعي في الثمانينات والأحزاب الممنوعة الأخرى  أو عبر إعلان دمشق لاحقاً ..

التحرك السلمي الثوري لمحافظة السويداء:

بدأت السويداء بتحرك ثوري سلمي في 25/3/2011 عبر اعتصام دام لعشرة أيام أمام مبنى المحافظة الحكومي تضامناً مع أهالي درعا، المحافظة الجارة التي بدأ النظام بحصارها حصاراً خانقاً بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية فيها ..

كما قامت نقابة المحامين في السويداء بأول اعتصام ينتقد أسلوب النظام في التعاطي مع أحداث ثورة في نفس المرحلة تقريباً، وخرجوا ببيان جريء رداً على التداعيات الجارية في البلاد..

ومع هذا فالسويداء لم تتحرك بشكل واسع بما يتناغم مع الحراك الشعبي المتنامي في حمص وبانياس ودمشق وريف دمشق..

كان هذا يؤرّقني فعلاً فمشهد السويداء الثائرة الذي سبق وشهدته في العام 2000 مع بداية حكم بشار الأسد للبلاد كان مذهلاً بكثافته وتعاضد الناس به.

يومها امتلأت الشوارع بالشبان والأهالي وحتى طلاب المدارس، لقد خرجوا متظاهرين انتقاداً للسياسة التي تتبعها الدولة ضد المزارعين، حيث تتيح للرعيان من بعض البدو انتهاك تلك الأراضي الزراعية بالرغم من الشكاوى المتكررة للمحافظة دون أي رد أو تجاوب .. وكان آخر انتهاك أدى لهذه التظاهرات قيام عضو في مجلس الشعب السوري بإطلاق النار على طالب في الثانوية في قرية الرحى مما أدى إلى مقتله؛ وكانت تلك الحادثة السبب المباشر لمظاهرات استمرت لأيام..

فعضو مجلس الشعب ذاك المنتمي لقسم من البدو المقيمين بالسويداء كان على صلة وثيقة برئيس فرع الأمن العسكري في السويداء والمحافظ.

خرج الناس إلى الشوارع وحملوا جثمان الشاب الذي قتل، وبدأوا بالهتاف: لا إله إلا الله والشهيد حبيب الله! ساعات فقط وامتدت المظاهرات من قرية الرحى لتشمل معظم المحافظة، وكان نتيجة هذا نزول قوات الأمن والجيش إلى الشوارع، والبدء بإطلاق النار على المتظاهريين السلميين وقتل العشرات منهم واعتقال المئات وبينهم أطفال …

أذكر تماما ذلك التجمع من الناس أمام مبنى المحافظة الآن، وتعود إلى ذاكرتي الصورة..
خرج المسؤولون ووقفوا أمام الناس، النساء المرتديات للأسود والقادمات من عزاء أحد الشهداء الذين سقطوا جراء إطلاق النار خلعن غطاء الرأس وهن يستنشدن نخوة الرجال فهاجت الجموع…

بعض الموظفين والموظفات من المسؤولين في المحافظة من أبناء السويداء غيّروا مواقعهم لينضموا للمتجمهرين متخلين عن المسؤولين بما فيهم المحافظ. كان مشهدا ًمؤثراً تقشعر له الأبدان، أربعة أيام قبل أن يتمكن الجيش والمخابرات من إخماد هذا الحراك. شهدت بها بنفسي شجاعة أبناء السويداء الذين كانوا يتلقفون الرصاص ويكملون المسير دون خوف أو وجل..

أشاع النظام في حينه أن هناك نزاع طائفي في السويداء وبدأ باستثارة المكونات الأخرى والمحافظات المجاورة ضد الدروز. مع أن هذا لم يكن صحيحاً وكان الأمر ذا بعد آخر، للنظام بصمات واضحة في إدارته، وأسبابه الأصلية محلية مرتبطة بسوء أداء المحافظ والأفرع الأمنية ولا علاقة لها أبداً بأي بعد طائفي..

قام النظام بعد تلك الحادثة بدفع دية الشهداء ومعاقبة بعض الشخوص الأمنية لامتصاص الغضب.. إلا أن تلك الحادثة تركت جرحاً عميقاً في داخل أبناء المحافظة ..

يبدو أن إدراك النظام لهذا دفعه لمحاولة استرضاء أبناء هذه المحافظة، حيث تكررت في الأشهر التي سبقت الثورة بعيد انطلاق ثورات الربيع العربي في دول مجاورة الزيارات المفاجئة لبشار الأسد للمحافظة وتجوله في بعض القرى النائية بين الأهالي. كما قامت أجهزة الأمن مع بداية الثورة ببث الشائعات بين الناس والتي تحرك النعرات الطائفية بين السويداء ودرعا، وتشكك في الثورة وما يحصل في درعا.. ومع هذا فأن بذور الحراك السلمي المعارض بدأ بالتحرك . بالإضافة لشخوص المعارضة السياسية التقليدية المتمثلة في إعلان دمشق وحزب الشعب بالإضافة للنشطاء والنخب..

بدأت بزيارة السويداء بشكل أسبوعي والتواصل مع الكثير من النشطاء الذين بدأوا بإنشاء أول التنسيقيات في السويداء وشهبا ..

علماً أن عدداً من نشطاء الحراك السلمي بالسويداء كثّفوا عملهم في دمشق عبرتنسيقيات أحياء دمشق وكان من أبرزهم شادي أبو فخر وعاصم حمشو وعمر الأسعد ..

في بداية الأسبوع الثاني من نيسان قمت مع صديقتي ” م” من السويداء بتنظيم أول اعتصام نسائي في السويداء ..

دور نساء السويداء في الحراك الثوري:

كنّا عشرات النساء، ارتدى البعض منا زي السويداء التقليدي .. لم يكن من الممكن الخروج في قلب المدينة بسبب الحصار الأمني الخانق؛ فاتجهنا إلى منطقة مرتفعة قليلا تسمى ظهر الجبل.. تظاهرنا وحملنا لافتات تضامناً مع درعا وباقي المحافظات السورية..

للنساء في السويداء تاريخ هام من العمل السياسي والمدني، وقد سبق واعتصمنا قبل ذلك بسنوات أمام المحافظة اعتراضاً على طريق السويداء دمشق الذي كانت الدولة تماطل في إصلاحه لسنوات.. هذا الطريق الذي أدى لموت المئات من أبناء السويداء. و بالرغم من كون النساء المعتصمات في ذلك اليوم حزينات على كل هذا الموت الذي يصيب شبابهن،  لكن الرسالة المتضمنة في ذلك الاعتصام كانت أقوى.. اعتصام اضطر النظام بعده لإكمال الطريق وأدى إلى متابعات أمنية لجميع من شاركن في الاعتصام أيضا..

كان لنا كنساء في السويداء تجمع ضم العشرات، اجتمعنا بشكل أسبوعي على مدى أعوام لنناقش الشأن العام والشأن الاجتماعي والثقافي، دون هوية واضحة لتعدد الأمزجة التي خرجنا منها وكان اجتماعنا بحد ذاته تحدياً سافراً للأمن الذي يمنع التجمعات دون ترخيص…

وفي الحديث عن نساء السويداء لا يمكن إغفال ماقامت به السيدة منتهى الأطرش ابنة سلطان الاطرش قائد الثورة السورية الكبرى . والتي أعلنت موقفها بكل شجاعة،  وجالت بين المناطق والنواحي في دمشق وريفها، لتعلن موقفها إلى جانب الثورة. ولتشارك في عزاء الشهداء برفقة عدد من أبناء وبنات محافظة السويداء مما ترك أثراً كبيراً بين كل السوريين على اختلاف مشاربهم..  في شهر نيسان ذاته كان لي شرف مرافقتها وصديقتي “م ” ذاتها إلى عزاء شهيد بالقدم.. السيدة منتهى والتي ألقت كلمة  أعلنت بها وقوفها إلى جانب الثوار على المنبر بين الأهالي المحتفين بها كانت فخراً لنا بحق..

الشعب يريد إسقاط النظام 

حين هممنا بالمغادرة بدأت الحشود بالهتاف فلم أقوى أبداً على  المغادرة فأصواتهم كانت تشدني لأتسمر في المكان.. كذلك صديقتي ” م “.. تأخرنا قليلا عن مجموعتنا.. فتوسطنا مئات الشبان من أبناء منطقة القدم .. صرخنا بأعلى الصوت.. يا قدم سويدا معاك للموت.. وكانوا يجيبون بصوت مجلجل.. يا سويدا القدم معاك للموت..

كنت أرتعش.. ولم أعد أشعر بقدمي.. لا بد أنني حلقت إلى الأعلى وكأنني أطير بالسماء أو على الأقل هذا ما شعرت به .. إنه انعتاق الروح وسمو الجسد على ضعف الخوف وانكسار الذل..  كان شعور لا يوصف بالتوحد مع الجميع.. تحول الحشد إلى مظاهرة .. وهتفت الحشود الشعب يريد إسقاط النظام..

فهتفت معها الشعب يريد إسقاط النظام.. لم أصدق نفسي كان صوتي يخرج من القلب وليس من الحنجرة..

لم تخجل دموعي من الانهمار بكثافة فنشوة الانعتاق النهائي من الخوف وقرع الأجراس في مملكة الهمس الداخلي كان حدثا غير عاديا..

إنها المرة الأولى التي أعلن بها وبكل ثقة أنني أريد إسقاط هذا النظام..

ليس حدثاً عادياً أن تسمع صوتك للمرة الأولى، ليس حدثاً عادياً أن تخترق خوفك الراقد داخل العظام لتطرده خارج جسدك وروحك..

في السابع عشر من ذات الشهر صادف يوم الجلاء في سوريا، و كنت قد بُلِغت عن مظاهرة سنخرج بها أمام الجامع الأموي. وكان هذا حدثا مغرياً بالنسبة إلي للمشاركة…

تجمّعنا في حي ساروجه.. جلسنا كأي زوار في المقاهي المنتشرة هناك منتظرين لحظة إبلاغنا بالانطلاق..

قالت لي (ح ) بتشارطي إنه كل القاعدين طالعين معنا..؟ ضحكت وبدأت بالتحديق بملامح الحاضرين ..  في لحظة ما أعلمنا محمد بضرورة التحرك.. وقفنا فوقف الجميع فانفجرنا ضاحكين ..اتضح فيما بعد أنّ عشرات الجالسين في المكان مدعوون إلى نفس الحدث. كنا نتبادل النظرات وننفجر ضاحكين مشينا معاً وبدأنا بالتحادث وكأننا نعرف بعضنا من سنوات .. بعد قليل فقط اتضح أنّ عشرات الأصدقاء حاضرون في المكان أو يجولون في الشارع المحاذي فالتقينا في زقاق ضيق وبدأنا برحلة البحث عن المظاهرة..

توجّهنا نحو الجامع الأموي لم نجد أحد ولم نتمكن يومها من اللحاق بمظاهرة أخرى أعلمنا عنها بالميدان.. لكننا سرنا برتل واحد دون قصد في حواري دمشق القديمة هتفنا وغنينا ورافق المسير عناصر من الأمن المتخفي بغباء …

اتصل بي ” أ  ” اثناء المسير .. وأعلمني بما حصل في ذات التوقيت بالسويداء مظاهرات في ساحة الشعلة والقريا إلى جانب ضريح قائد الثورة السورية سلطان الأطرش، في ذلك اليوم ضرب  هاني حفيد سلطان الأطرش من قبل الأمن إلى جانب ضريح جده، واعتقل عدد من المتظاهرين.. شعرت بالأسى لعدم تمكننا من التظاهر في دمشق وعدم تلبيتي لدعوة التظاهر في السويداء في ذات التوقيت وباتت التظاهرات تتحول لدي إلى ما يشبه الإدمان.

في الشهر الرابع والخامس كثّف النظام حصاره لدرعا، وبدأ بحصار غذائي خانق ..

أدّى ذلك الحصار لنقص في الخبز والمواد الأساسية للناس بما فيه حليب الأطفال..

إقرأ أيضاً : “في البرلمان الأوربي “…حين شرعت الجدران بالكلام الجزء (15)

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend