كشكول سوري في زمن السقوط

السقوط هو القانون الأزلي، وكلّنا ساقط لكن لا أحد يتنبّه لنوعية السقوط الذي يعيش فيه…. عبارةٌ تمثّل المشهد السوري اليوم، من بقي لم يسقط؟!

الأيام السورية؛ فرات الشامي - إدلب

لعبةٌ ترضي حاجة طفلٍ صغير زمن الحرب؛ بسعرٍ رخيص يشبع رغبةَ أمهاتٍ أتين لإسعاد أبنائهن؛ لاستبدال حالة الرعب التي يعيشونها بشيءٍ من المتعة… لكن اليد الآثمة لا جنس لها ولا انتماء، تشرّعن الموت باسم الدين أو الوطن… تحركها غفلةٌ عمياء عن الحقيقة.

مشهد تناثر الأشلاء والدماء التي سفكت على الأرض تاركةً بركةً حمراء تشي بأننا لم نتحرر بعد، لا يهم من المتهم في تلك الجريمة؛ فهوية القاتل معروفة؛ وشراكة الآثمين واضحة… كلنا شركاء في حالة الإيغال بالدم والقتل، حتى نركن إلى العقل.

الأشلاء المبعثرة هنا وهناك تعيد إلى الذهن حالة الشتات السوري، والانقسام الذي يكاد يمزِّق الدولة إلى كنتوناتٍ سياسية وإماراتٍ ورقية بانتماءاتٍ لا تعرف لغة “الوطنية” كما أنها لم تحاول أن تلتقي على مائدتها.

قريباً من السوق لحظة الانفجار… لم تتحمل عينها رؤية الأطفال مبعثرين أمام اللُّعَبِ التي حاولوا شرائها قبل دقائق معدودة… أسرع بها زوجها “أبو نايف” الشاب الدمشقي إلى المشفى، وقلبه يكاد يخرج من مكانه -بحسب وصفه-خشية أن تُسقِط الجنين.
جنينٌ كاد أن يسقط؛ ووطنٌ يميل إلى السقوط تدريجياً…. ما القاسم المشترك في كلِّ ذاك السقوط المعلن، الذي تزامن خلال أيامٍ فقط وبصورةٍ متوالية تشي بخبرٍ قريب؟!

سوق إدلب – المصدر: Syrian Network for Human Rights

جثةٌ طيار الموت سقطت أيضاً، لكنها بيعت:

قبل أيامٍ تدّعي هيئة تحرير الشام إسقاط طائرةٍ روسية ومقتل طيارها ” رومان فيليبوف”، تَعْرِضُ صورة الجثة، والأوراق الرسمية التي وجدت معه، فرحةٌ شعبية ارتسمت على شفاه الناس هنا، فالمحتل سقط وتألم، وانتهت رحلةٌ لأحد القتَلة.

فرحةٌ تغتالها أسئلةٌ ملغومة وحادثةٌ تثير الريبة والشك، تُسرقُ جثةُ الطيار-هكذا ادّعت تحرير الشام-السارق مجهول، والتهمة حاضرة تعيد إلى الأذهان أننا محاطين بثلةٍ لا تملك صيانة “جسدٍ ميت”؛ فكيف لها أن تحمي ثورةً ووطناً يوشك على أو قد سرق… أمام أعيننا… وبضوضاء صاخبة؟!!

سقط الطيار والطائرة؛ وسقطت الرواية والفرحة… تاريخٌ يؤرّخ لسقوطٍ مؤلم نعيشه، ويبقى الحالمون –الثوار القدماء-يتساءلون: “من سرق جثة الطيار الروسي من إدلب؟”.

الطيار الروسي رومان فيليبوف – مصدر الصورة: العربية نت

صفقةٌ مشبوهة… كان المفترض والأمل منها تحرير المعتقلات والمعتقلين في سجون الأسد، كبديلٍ لتلك الجثة التي سقطت بعد دقائق من إحراقها إدلب وما حولها.
تزداد حيرة السوريين المنهكين بأخبار القصف التي كان آخرها سقوط المبنى فوق رؤوس الأبرياء في ذات المحافظة –إدلب-وانتشال عائلاتٍ التهمها الموتُ دفعةً واحدة.

بيانٌ يُذكِّرُ بإخوةِ يوسف عليه السلام، قالوا أكله الذئب ونحن عنه غافلون.

بيان – مصدر الصورة: وكالة إباء

أين الجثة؟

سؤالٌ بقي في عتمة الألغاز التي تحيط بالشارع، لكن بطرحٍ مختلف؛ فالجثة عُرِف مصيرها، فمن سلّم الجثة، وما الثمن؟!!

الأسد يسقط طائرة إسرائيلية:
ليس بعيداً عن سقوط الضحايا على يد الاحتلال الروسي، ونظام الأسد، وعملائه المأجورين في الداخل-شبه المحرر-روايةٌ تخرج بعد أربعين عاماً من احتفاظه بحق الرد؛ الأسد يسقط طائرةً حربية إسرائيلية من طراز “إف-16″، في العاشر من شباط/فبراير الجاري، يأتي الخبر بعد إعلان الاحتلال الصهيوني إسقاطه طائرة مسيّرة إيرانية انطلقت من سوريا ودخلت الأجواء الإسرائيلية.

طائرات إسرائيلية- مصدر الصورة: sputniknews

سقوطٌ من نوعٍ آخر، لتكتمل الحلقة والعقدة المسرحية، فالنعامة تحوّلت إلى طاووس، وزمجَرَةُ إعلام “الأسد” باتت بالنسبة لأنصاره حقيقة.

ساحة الساعة – مصدر الصورة: عنب بلدي

تنظيم داعش يشارك في السقوط:
ذاتها ساحة الساعة التي سقط عندها وأمامها الأبرياء، لا يزال حلم “داعش” بدولة الخلافة أمراً واقعاً، مشروعاً تقوده عواطف… عباراتٌ تمت إزالتها من فوق الجدران، لكنّها مرّت من هنا، وبقيت في قلوب الحالمين بتجديد البيعة-الخلايا النائمة-لا يهم عددهم؛ وأماكن تواجدهم… فما تزال الأفئدة تحمل الفكرة… مثقفين أو عوام، الأمرُ واحد.

ما بين كل تلك التفاصيل؛ لا يسعُ “تنظيم البغدادي” المعروف بـ”داعش” إلا أن يضع بصمته؛ ليخرج أمام عدسات التصوير كلاعبٍ من كرسي الاحتياط إلى المقدمة، بعد أن ملّ ممارسة دور الكومبارس في المسرحية.

عقدة الموالين لدولة الأسد؛ لا تختلف هنا عن عقدة المدافعين عن دولة البغدادي، فالعواطف والانقياد الأعمى يسوق خلفه “طرش الغنم” إلى المجهول؛ ليسقط الجميع في مصيدة الآخرين وأجندتهم؛ يومها لا ينفع الندم.

يهتف الموالون للتنظيم: “تتمدد”… كما هتف البعثيون للنظام: “إلى الأبد”.
حتمية سقوط التنظيم والنظام حقيقةٌ لا ريب فيها؛ فهي مسألة وقت، جوهر القضية تحوّلُ “يد البغدادي-الأسد” إلى شماعة، متى ما انتهت صلاحية استخدامها وجبّ إسقاطها.

الجولاني ودبابات تركية- مصدر الصورة: موقع العهد الإخباري

الفاتح الجولاني يسقط:
حتى أبو محمد الجولاني متزعم “هيئة تحرير الشام” سقط بعد عصيانه قيادة القاعدة، ونكثه بالعهد والبيعة. وخروجه من العباءة القديمة مستسلماً لكرسي المحافظ الذي ما انفك يجلس فوقه لإرسال الرسائل هنا وهناك.

سقط في أعين مناصريه، وتتوالى بعدها حملات إسقاطه وسقوطه المدوية كأنها انفجاراتٌ عنيفة تهز الشمال السوري، لتظهر ملامح وجه الفاتح بائعاً لبقايا ثورة؛ وقّعَ عليها باسم الدين، وضيعها باسم “السياسة الشرعية”، أو المصلحة والمفسدة، ملتهماً شركاء الأمس في الساحة، مسقطاً لهم بحجة التعامل مع “مرتدي الدولة التركية”-بحسب زعمه-ليوقع صك دخول الأتراك بنفسه، تراه سقط في فخ التهمة ذاتها؟ تلك مسألةٌ شرعية يجيب عنها مرقعو الهيئة.

في هذا التوقيت يتوالى السقوط، بعضه بلوعة الألم، بعضه مسرحياتٌ ضرورية لإسدال الستار على الرواية السورية بنكهةٍ درامية.
الأوطان لا تسقط؛ قد تكون عبارةٌ مضللة، أو مبهمة، فالواقع يؤكد أن سورية تتجه إلى مرحلة الاحتلال.
سقطت المعارضة بكل ألوانها وتسمياتها؛ وسقط نظام الأسد، والخشية في الشارع من سقوط آخر القلاع “سورية الواحدة”.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر الجزيرة سبوتيك الجزيرة
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend