“في البرلمان الأوربي “…حين شرعت الجدران بالكلام الجزء (15)

ريما فليحان
الكاتبة ريما فليحان

لم يكن من السهل أن أحمل أوجاع السوريات وأصواتهن لأنقلها إلى أحد أهم المنابر في العالم، إلى منبر البرلمان الأوربي..

تمّت دعوتي وشعرت بمسؤولية كبيرة، كنت أعلم أنّ هذا قد لا يغير في الأمر شيئاً فالموقف الدولي بني على معادلات سياسية أكثر تعقيداً من أن تغيرها بخطاب من القلب أو العقل أو عبر نقل صادق للمشهد . لكن هذا لن يغير أنني أحمل أمانةً ولديّ شهادة يجب أن أقدّمها من أجل من قضوا ومن أجل صوت نساء وطني ومن أجل الجياع العراة المكلومين في وطني المجروح..

خرجت كلمتي من الوجدان فانعكست دموعاً على وجوه بعض الحاضرين كما حصل لي تماماً لن يكون لخروجي معنىً إن لم أحمل دائماً تلك الرسائل أينما كنت وأينما توجّهت :

المرأة السورية في ثورة الحرية وجود و روح ورؤية

السيدات والسادة:

بدايةً اسمحوا لي وبكل اعتزاز أن أشكر كل من ساهم في وصولي إلى هذا المكان لأحمل معي أصوات نساء بلدي ورجالها من الذين خرجوا طالبين للحرية .

باسمي وباسم المرأة السورية وباسم لجان التنسيق المحلية في سوريا وكل من خرج إلى الشارع من أجل حريته، أشكر كل الدول والشعوب التي تقف إلى جانب الشعب السوري في نضاله من أجل إنسانية أكثر عدالة وأكثر أخلاقية .

أمس قُتل ما يزيد عن أربعين سورياً في حماة وحدها على يد النظام … وخلال عام وشهر من بداية الثورة أكثر من 12000 ألف سوري بينهم نساء وأطفال قضوا نتيجة الجرائم التي يرتكبها النظام السوري بحق الشعب الذي خرج من أجل كرامته…

آلاف المعتقلين… عشرات الآلاف من اللاجئين الذين فقدوا منازلهم لتصبح الخيم أمانهم الوحيد من البرد والمستقبل المجهول .. بالإضافة إلى آلاف المعتقلات و المعتقلين القابعين تحت سياط الجلادين ووسائل تعذيبهم في أقبية المخابرات في كل مكان…

في بلدي يجمع الآباء أشلاء أطفالهم الممزّقة علّهم يتمكنون من ضمة إضافية بعد أن مزقت القنابل القادمة من الدبابات دفء الأسر وأمان المنازل..

في بلدي يُقْتَلُ الصحفيون وكل من يحاول نقل الألم القادم من دمائنا وعذاباتنا أمام نظام لا يرحم..

نظام قرر أن يمضي بالقتل حتى آخر سوري بينما قررنا كشعب أن نمضي حتى نصل إلى حريتنا المولودة كشمس جديدة بعد ليلٍ طويل…

هي حالة لا تشبه أي شيء آخر… لأنها تماماً شعور بالتحليق يرافقه خفقان سريع بالقلب..

إنها حالة من الانعتاق والانطلاق نحو الشمس.. في تلك اللحظة تنهمر الدموع، ويرتجف الجسد، و نتوحد مع كل الآخرين المحيطين بنا في المكان لنصبح كياناً واحداً . .. تلك هي الحالة التي شعرت بها حين اكتشفت صوتي للمرة الأولى وهو يطلب الحرية في أول مظاهرة نزلت فيها إلى الشارع، كما فعل كل السوريين الذين حطّموا حواجز الخوف الرهيبة و المبنية عبر أربعين عاماً من الظلم والقمع على أيدي المخابرات ونظام لا يرحم أحداً.. حالة رافقت نزولي إلى شوارع دمشق وصراخي للحرية…. وهي الحالة التي جعلتني أكثر انخراطاً في الثورة منذ بدايتها والتي استمرت إلى أن فارقت وطني الغالي مرغمة بعد ملاحقة أجهزة المخابرات لي لأصبح لاجئة في بلدان الجوار بتاريخ 25/9/2011 ليصبح الوطن حلماً والعودة هاجساً…

في 15 /3 /2011 خرج السوريون كالشمس إلى شوارع دمشق ليصرخوا: الشعب السوري لا يُذلّ بعد أن غرقوا في العتمة التي ألقتها عليهم مملكة الصمت طوال الأربعين عاماً من حكم الأسد الأب والابن….

في بلادي ثورة حريات .. ثورة كرامة… والأهمّ على الإطلاق ثورة إنسان…

فالثورة في بلدي لا تتعلق بالسوريين وحدهم أبداً.. لأن انتصارها سيكون انتصاراً للإنسانية وإثباتاً أن قدرة الإنسان على البقاء والمقاومة السلمية قادرة على الانتصار على العنف والقمع والقتل اليومي والديكتاتورية… وهي الحالة التي يعيشها السوريون منذ اليوم الأول لثورتهم..

ولأن هذه الثورة ثورة حريات ومساواة وعدالة فقد شاركت المرأة السورية فيها جنباً إلى جنب مع الرجل حيث كانت المتظاهرة وقائدة للمظاهرات والمنسّقة كما كانت الإعلامية والحقوقية و الطبيبة والممرضة والكاتبة والفنانة والسياسية والأهمّ إطلاقاً: الأم…

الأم التي كان قلبها يرافق أبناءها الخارجين إلى دروب الحرية على أمل العودة أحياء من شوارع الحياة والموت في بلدي…

فكلّ خروج للمظاهرات في بلدي قد يعني الاعتقال أو الموت… ومع هذا فأمهات وطني اليوم لم يخرجن للتظاهر بأنفسهن فحسب؛ بل دفعن أولادهن للخروج لأن حبّ الوطن والكرامة يفوق كلّ شيء…

الأمهات في بلدي يخبئن في بيوتهن أبناء أمهات أخريات بنفس لوعتهن على أولادهن… ويقدّمن أولادهن للاعتقال بدلاً عن المختبئين في غرف المنزل حين تداهم المخابرات البيوت بحثاً عن الفارين من المظاهرات

في بلدي “أم أحمد” ذات الثمانين عاماً تخرج لتصرخ على الشبيحة، وتبعدهن بعصاها التي تتكئ عليها لتحمي الشباب المنادين للحرية…

في بلدي نتقاسم الأولاد والأمهات فتصبح أمهات الشهداء أمهاتنا جميعاً، ويصبح أولاد الشهيدات أبناءنا أيضا لأننا توحدنا أصلاً في طلب الحرية وتوحدنا في ذوباننا بهذه الثورة المولودة من رحم الربيع العربي ومن رحم معاناتنا الطويلة مع نظام القمع والاستبداد …

في المظاهرات تلتقي الأمهات والأبناء والأخوة والأخوات في نفس الشارع .. و نتقاسم جميعاً اللحظة والشعور.. وعلى نفس المستوى فإننا نتقاسم العذاب في أقبية المخابرات وسجون الظلم … ونتقاسم الموت وتلقّي الرصاص…

في هذه الثورة ساهمت المرأة منذ اليوم الأول واعتقلت في 16/3 أكثر من عشرين سيدة ممّن اعتصمن أمام وزارة الداخلية، كما لمعت الكثير من الأسماء ومنها صديقتي الغالية الحقوقية رزان زيتوني وهي من مؤسسي لجان التنسيق المحلية و الحائزة على عدد من الجوائز العالمية لعملها الحقوقي والإعلامي؛ والتي ما زالت في سوريا رغم كل الخطر تناضل من خلال لجان التنسيق المحلية وتوثّق الانتهاكات وتعمل بصمت تحت خطر الاعتقال وما قد يرافقه في أيّة لحظة…

ومنهن أيضاً البطلات الثائرات سمر يزبك، و سهير الأتاسي، ومي اسكاف، وخولة دنيا، والكثيرات ممّن يصعب ذكرهن الآن ممّن أعرفهم ولا أعرفهم كثائرات ومناضلات قدّمن الكثير وما زلن حتى اللحظة..

منذ أيام خرجت مجموعة من الشابات أمام البرلمان في سوريا وفي التجمعات التجارية الضخمة لتحملن أقمشة مكتوب عليها أوقفوا القتل نريد أن نبني وطناً لكل السوريين.. فكانت النتيجة اعتقالهن جميعاً ومنهم الشابة ريما دالي التي بدأت بالمبادرة ..

هذه هي ثورتنا … ثورتنا المدنية الشبابية التي تحلم بوطن لكل السوريين والسوريات …

وهذه هي جريمتنا إنّه الحلم الذي أردنا تحقيقه بحياة أكثر عدالة الحلم الذي ندفع ثمنه أرواحنا و سجننا وتعذيبنا وتدمير بيوتنا وتشريدنا من منازلنا وأوطاننا…

دعوني أذكر لكم بعض الأرقام التي قمنا بتوثيقها في لجان التنسيق المحلية :

فقد بلغ عدد الطفلات الشهيدات 377  طفلة

وقد بلغ عدد النساء الشهيدات  950  سيدة

كما تمّ توثيق آلاف الاعتقالات التي طالت الفتيات والنساء

بالإضافة إلى آلاف اللاجئات في كل مكان.

ناهيك عن حالات الاغتصاب التي تعرّضت لها النساء والطفلات من قبل الشبيحية والأمن في عدد من المناطق الساخنة وفي بعض مراكز الاعتقال .

ولأننا كنساء قمنا بكل هذا فإننا سنكون حريصين على أن يكون المستقبل أكثر إنصافاً لنا من حيث تطبيق المساواة الكاملة مع الرجل، سنطالب بتطبيق اتفاقية سيداو دون تحفّظات. كما سنسعى لقانون أسرة مدني يضمن المساواة في الحقوق والحياة العامة بما يتوافق مع كل الاتفاقات الدولية المتعلقة ذات الصلة ولهذا فإننا نطمح إلى خلق بيئة مساعدة لعمل منظمات المجتمع المدني عبر المطالبة بقانون جمعيات سهل وحر يضمن إنشاء جمعيات مجتمع مدني تعمل في هذا المجال بالإضافة إلى تشريعات قانونية متوافقة مع حقوق الإنسان …

المرأة في سوريا عانت من انتقاص في حقوقها طوال السنوات التي مضت في القانون والمجتمع وفي التمكين السياسي والاقتصادي أيضاً .

لقد كنّا في معركة طوال الوقت من أجل تعديل بضع مواد في قانون العقوبات التي لا تساوي بين الرجل والمرأة والتي تشرّعن قتل المرأة فيما يسمى جرائم الشرف كما كنّا في معارك دائمة لتغيير قانون الأحوال الشخصية التمييزي وقانون الجنسية الذي لا يعطي المرأة السورية الحق في منح جنسيتها لأولادها بالإضافة إلى قانون العمل وإلى التابوهات الاجتماعية الكثيرة والتي ساهم النظام في تكريسها عبر الفساد القانوني والإداري بحيث كانت تمرر زيجات الفتيات القصّر بالإكراه، وتسرب الفتيات من المدارس بالإضافة إلى قضايا العنف الأسري التي لم تكن مغطاة بقانون خاص؛ وهذا ما أدّى إلى تمييع هذه الحالات وعدم ملاحقتها قانونياً..

بالإضافة إلى قمع الجمعيات التي تعمل في حقوق المرأة وإلغاء تراخيص المرخص منها والملاحقة الأمنية للناشطين والناشطات…

ومن خلال مراقبتنا للنتائج التي وصلت إليها بعض الدول التي مرّ فيها الربيع العربي فإننا لا نخفي بعض المخاوف ولكن ما يطمئننا أنّ الديمقراطية ستجعل الحراك المدني أسهل، وإنشاء الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني أسهل. كما أن من يهزم نظام ديكتاتوري بثورة قادر أن يثور مرة أخرى على أي نظام ينتهك حقوقه مهما كان بالإضافة لتأكيدات المجتمع الدولي واهتمامه الدائم بحقوق المرأة وهنا دعوني أقول: إنّ خلاصنا من النظام القمعي في سوريا سيجعل الحراك من أجل حقوق الإنسان أكثر سهولة وبالتالي فلدينا الفرصة كناشطات بالعمل المجدي أكثر بكثير من ظل النظام القمعي …

ومن أجل بعض التفاؤل فإنني أعلمكم بأننا اليوم وعبر الكثير من الناشطين والناشطات نعد للمرحلة القادمة للاهتمام بقضايا المرأة وللعمل على تحقيق المساواة وإنصافها، ونقوم بالإعداد لمشاريع تنموية وحقوقية ومؤسساتية من أجل هذه الموضوعات تحديداً وضمان المساواة بداية من الدستور مروراً بكل التشريعات الأخرى بالإضافة لتمكينها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي..

أخيراً.. في بلد يناضل اليوم من أجل حريته ويدفع ثمنها الكثير من الدماء لن نقبل أبداً بأي انتهاكات لحقوق الإنسان بشكل عام، ولن نرضى بوطننا الجديد إلا بمبدأ المواطنة كأساس تقوم عليه سوريا يساوي بين كل أبنائها نساءً ورجالاً ومن ومختلف الانتماءات دون أي تفريق على أساس الدين أو الجنس أو الانتماء…

الحرية لسوريا وشكراً لكل من يقف إلى جانب السوريين في نضالهم من أجل كرامتهم وولادتهم الجديدة.

كتب البعض عن تلك الكلمة وتلك المشاركة ففضّلت أن أنقل مما كتبه المرحوم الدكتور في علوم القانون  الأستاذ هايل نصر في موقع الحوار المتمدن ..

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend