ماذا بقي من العروبة؟!

العروبة، ماذا بقي منها اليوم لنعتز به؟!

الأيام السورية؛ فرات الشامي - إدلب

مهما حاولنا الالتفاف عن حالة الانقسام العربي-العربي؛ ومسؤولية القيادة العربية في تضييع قضايا العروبة بدايةً من فلسطين إلى العراق، ننجر سريعاً للتأكيد أننا أمام نكبات ونكسات متكررة تشي بأننا -كعرب-لا يمكن أن نتعلم من التاريخ؛ وبعبارةٍ أدق نقول: «إننا نهتم بالهرولة خلف الأقوى، حتى وإن كان الثمن تضييع تراب الوطن؛ في النهاية ما يهم الزعماء تثبيت العروش، والإغداق اللفظي المؤيد للحقوق المشروعة أمام الشعوب –شعوبهم أو رعيتهم-إن جاز المسمى».

غبار الخلاف العربي-العربي ينسل اليوم ليطال مسار الثورة السورية التي نادتال في بدايتها بالديمقراطية والعدالة ضمن قالبٍ سياسي تعددي حر؛ لتجد نفسها أمام صراع الدويلات المالية؛ التي تدخلت ورفدت الساحة بخيراتها المشبوهة.

التأييد العربي على مستوى ” أعلى الهرم القيادي” خلال العقود الطويلة الماضية –منذ ضياع المقدسات والأرض العربية تدريجياً-لو قيس بالمكيال متحولاً إلى أفعالٍ تسانده أو تطبيق جزئيةٍ صغيرةٍ منه؛ لربما انتهى الصراع وتلاشت الأطماع الخارجية منذ وقتٍ بعيد.

على العكس دائماً تجري الرياح بما لا تشتهي الشعوب، وتهضم الطغمة الفاسدة انتفاضتهم وتطلعاتهم، فما بعد 25 يناير في مصر عودة إلى الوراء بوجهٍ مختلف، وما بعد عسكرة الحراك السوري ورفده بالمال السياسي وتحديداً الخليجي وما تبعه من انقسام خليجي-خليجي، شكّل هيكلاً لآلة متفجرة ساحتها سورية تدار على حساب قضايا الشعب؛ وبإرادة “ملوك الطوائف الزائفة” في الساحة الشامية، ولعل الرابط الكبير أو القاسم المشترك في معظم ما يحدث على المسرح العربي هو “الخلاف الداخلي والانقسام” التابع لرؤية الغرب؛ ولصالح القوى العظمى في العالم.

تغيير ديناميكيات الصراع أماط عنها اللثام الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، في مقابل سيل من الشتائم العربية والامتعاض التي لاذ بها-علناً-الحال العربي المهترئ، وبقي ضمنياً مراقباً حصيفاً؛ في مواجهة الصلف الصهيو_أمريكي؛ لكن ألا يحق للشعوب العربية أن تسأل عن كمِّ التنازلات المقدمة والتفاهمات الوازنة التي أدت إلى جملة ما حصل ويحصل، وما يمكن أن يحدث مستقبلاً؟!!

مايك بينس –نائب الرئيس الأمريكي-وعرّاب الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة للصهاينة؛ ألا تقدم زيارته للمنطقة توضيحاً كافياً لطبيعة إدارة بلاده “المنفلتة”؟!

الإدارة الأمريكية نجحت حتى اليوم في استغلال الفوضى التي ترقد فوقها الأمة العربية؛ ومآلات الربيع العربي -بحسب المشاهد-خلقت فرصة ذهبية لاستثمار توجهاتها الإيديولوجية وفرضها على الأنظمة العربية؛ التي لا نخفي سراً عدم ممانعتها من انحياز واشنطن لإسرائيل على حساب حق الشعب الفلسطيني؛ ومن يدري ماذا تخفي مرحلة ما بعد.

السعودية التي تقترب من دخول عهدٍ جديد؛ تبدو مقتنعة بضرورة وجود حليف يضمن “عرش الملك” على رقعة الشطرنج المجزئة، لمواجهة الخطر “الإيراني”، الذي يقترب تدريجياً من إطلاق عبارة “كش مات”، ولعل تقليم أنياب “المشروع الفارسي ذا الطابع الشيعي”؛ لا يمكن أن ينجح دون تحالف “طائفي سني-إسرائيلي”؛ فالتطلعات والأهداف تكاد تكون مشتركة.

وكما أنّ فلسطين في الماضي كانت لعبة دولية؛ ألا يمكن أن تكون المنطقة بدايةً من سورية ورقة تفاوض، أو تنازل؟! لا شيء يمنع فالمصلحة والحكم يفرض رؤيته.

من الطبيعي بعد كلِّ ما سبق أن تواجه الإدارة الأمريكية تحدياتٍ للمضي في مشروعها وهضم المنطقة العربية، لكن ورغم ذلك فهي تحديات إدارية-دبلوماسية بالدرجة الأولى؛ فما تزال مصالحها غير مهددة؛ بالتالي ما تخشاه واشنطن بسبب الانحياز إلى الكيان الصهيوني يتلاشى؛ حتى من طرف الشعوب العربية المنشغلة بالاحتجاجات الداخلية، أو ربما السعي خلف لقمة العيش، التي التزم زعماء الأمة بالاحتفاظ بها لتسمين مقربيهم وشبيحتهم؛ من باب الهيمنة على القرار الشعبي في حال فكر بانتفاضة.

مصالح الولايات المتحدة غير مهددة عملياً؛ وواشنطن لا تخشى دفع الثمن الباهظ لقاء قراراته -المتعجرفة-، بل نذهب أبعد من ذلك للقول بأنها لم تعد بحاجة للتفكير في ماهية موقفها من “الكيان الصهيوني” أو غيره؛ زمن العنتريات العربية انتهى بمعنىً آخر. لا سيما بعد انهيار “سورية” واختطاف لبنان والعراق طائفياً، وغرق مصر في وحل النزاع الداخلي. دول الطوق لم يبق فيها إلا “الأردن” ذات الصبغة السياسية المعروفة في ولائها.

المشهد العربي ترويه كلمات الشاعر السوري “نزار قباني: في قصيدته “المهرولون”:

تركوا علبةَ سردينٍ بأيدينا

تسمّى “غزّة”

عظمةً يابسةً تُدعى “أريحا”

فندقاً يدعى فلسطينَ..

بلا سقفٍ ولا أعمدةٍ..

تركونا جسداً دونَ عظامٍ

ويداً دونَ أصابعْ…

بعدَ هذا الغزلِ السريِّ في أوسلو

خرجنا عاقرينْ..

وهبونا وطناً أصغرَ من حبّةِ قمحٍ..

وطناً نبلعهُ من دون ماءٍ

كحبوبِ الأسبرينْ!!

باختصارٍ شديد، لا شيء يدفع العربي للاعتزاز بعروبته إلا بقايا معركة وعيٍّ وطنية-شعبية، أمّا الشعار الذي صدعنا جدران المدارس هتافاً به بأننا: أمة عربية واحدة؛ فقد صارت كعكةً مجزئةً بلا رسالةٍ خالدة، بعد سقوط ورقة التوت وانكشاف عورة “المهرولين” خلف “بني صهيون”.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر BBC Arabic
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend