الصحافة مهنة المتاعب

ثمة ما يغري للدخول إلى عالمها، مهما كانت متعبة، هي أشبه بالجريمة، وجهة نظر، لكني أراها غير ذلك، أتقلّبُ بين عشقي لها ورغبتي في الابتعاد عنها؛ لماذا ؟!

الأيام؛ فرات الشامي

لا فرق بين الرصاصة والقلم؛ كلاهما أداة قتل وتشويه، ليست تلك حقيقة مطلقة؛ للقلم دورٌ في البناء على عكس من اتخذ جانب الهدم وسيلةً مشروعةً تارةً وأخرى بعيدة عن الشرع والحق والوطنية.

المعادلة أنّ القلم انفصل تماماً عن البندقية، ونتيجة الخصام بين الثنائي خرجت حلولٌ مشوّهة للأزمة الوطنية السورية، وأثناء غياب رأس الهرم “الكلمة” اختلت الموازين، وتنحّت الحقيقة جانباً أو انحرفت.

عقوق الوطن؛ وغيرها من المرادفات التي تدور في رأس الثائر اليوم؛ مع إحساسه بالتهميش أمام سلطات القهر المتعددة، تدفع للبحث في كينونة العقوق ضمن الكتب، والمراجع أولها ما تناولها الشارع الإسلامي؛ ليخلص في النهاية أنّ “للكلمة ثقلٌ” لا يختلف قوةً عن البندقية؛ فقد أخرج الترمذي في سننه عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-قَالَ «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ«… بل إنّ ثمة أحاديث في مواضع أخرى عن النبي صلى الله عليه وسلم تضع “صاحب الكلمة الصادقة” في موضع “الشهداء”، كما ورد عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله«.

عالم الصحافة… عالمٌ متعب لممارس المهنة في زمنٍ كثرت فيه المتاعب، وارتفع صوت الرصاص فوق القلم حتى بلغ السماء، تلك وجهةُ نظرٍ لا تخلو من صدقٍ لمن عرف الواقع والضغوط التي تمارس لضبط الكلمة أو تقييدها؛ لكن من منظور العاشق للحرف تختلف المعادلة جذرياً؛ حتى تتلاشى تدريجياً وتصبح مصدر فكاهةٍ بعد مرور المحنة.

ما مصير الكاتب والكلمة في نهاية المطاف؟

السجن أو الموت، وما بين طرفي التغييب القسري السابقين لا شيء إلا كثرة الأعداء والمنتقدين؛ ذاك مصير الصحفي، هو ذاته مصير “الإنسان”؛ بالمقابل، يفنى الجسد وتبقى الكلمة مجلجلة ولو بعد حين.

قد يتهم الكاتب الصحفي بالكفر أو الردة؛ ذاك يرجع إلى اختياراته في إرسال وتصوير الواقع ومصداقية تحليله، كذلك المفتي وخلفياته، لكن عموماً؛ الانضباط بمهنية الحِرفة، والموضوعية في التحليل، غالباً ما تدفع عنه الحبل الملفوف حول كلمته وعنقه. ما يواجه الكلمة في مجتمعاتنا حربٌ إقصائية لا تختلف عن الإرهاب العسكري على الأرض.

العام 2008 قررت دخول كلية الإعلام؛ نصحتني زميلتي في العمل -من الطائفة العلوية-قائلةً: ((لسانك طويل؛ نحن بلد مخابرات، ممارسة السياسة أسوأ من ممارسة العشق الحرام))؛ كانت ملهمتي في كتاباتي، وصديقة حروفي؛ رفضت كلامها جملةً وتفصيلاً، لكنها أقنعتني بالعدول عن تفكيري؛ يومها أحسست أن عالم الصحافة يتماهى مع “الجريمة”، وظلت كلماتي دفينة الوريقات في عتمة الدرج، تقارع الموت، حتى تفجرت الثورة.

السلطة الرابعة… مجرد حلمٍ راودني في غرفة التحقيق العام 2001لحظة احتساء قهوةٍ مع السجّان في فرع الخطيب على غير عادتهم –كنت مدعوماً في عرفهم-، يومها علّقت وشاحاً على عنقي -علم الدولة الفلسطينية-أُهديته من شابٍ فلسطيني أصيب في الانتفاضة وتم استقباله مع ثلةٍ من الثوار في إحدى مشافي العاصمة دمشق.

المحقق همس بصوتٍ خافت وبلهجةٍ لا تخلو من التأنيب: “عَيبْ عليك، متنشِر منشير تحريضية، أنتْ ثرثار، كلام أكبر منك، عامل صحفي…!!”.

لم أفهم لماذا خرجت من فمه كلمة “صحافة أو صحفي”، يومها كنتُ فقط أحاول نقل ما سمعته من ألم وجرح أبناء القدس والضفة الغربية… مناسبة الكلمة كانت خاطئة، لكنني أعتقد اليوم أنها “قدري”… بل ربما كانت “عن قصد”.

المحقق كان طيباً على غير العادة، ربما أشار لي إلى طريق المستقبل بكلمته… حتماً لأنه لا يملك خيار التصريح، “أبو الفِدا” هكذا كان لقبه… ظلّ في ذاكرتي، قطعاً كان “وطنياً” مغلوباً ومقهوراً.

تجربة التحقيق لم تمنع رغبتي في كسر القيود، ربما جنون الصحافة…؟!

عاد السؤال القديم يراودني… هل يأتي اليوم الذي أرفع فيه القلم والعلم والبندقية، حققته بداية الحراك، ولست من يقرر نوعية الاتزان؛ فهو أمرٌ متروكٌ للتاريخ. لكني أرفض مبدأ أن أهاجر كباقي المنبوذين الذين ارتفعت أصواتهم على القهر من وطني… أقلام المهجر لم تكن تعنيني، لأنني قررتُ يومها -وأنا أتحدث إلى صديقتي العلوية الكاتبة-أن أختم حياتي ما بين قلم الرصاص والبندقية داخل حدود وطني.

أعشق وطني، بالقدر الذي أذوب فيه بعالم الكلمات والصحافة، حتماً لأني من هواة المتاعب.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend