أسواق المناطق المحررة، تعامي أم سوء إدارة؟

أسئلة ارتبطت بجوهرها بحياة المدنيين، لا تجد إجابةً أو بالكاد يترشح ما يبرر أنها “حالة الحرب”، تبقى ملفاً برسم “حكومة الإنقاذ السورية” نلمس الجرح لعلنا نضع النقاط على الحروف.

الأيام؛ فرات الشامي

رغم توفر شبه استقرارٍ عسكري في الشمال السوري المحرر والتي تنغصها حملات النظام لاسترجاع بعض المناطق، إلا أنّ ضجيج الحياة وأعباء المعيشة باتت تشكل حملاً ثقيلاً يقضّ مضاجع المواطن مع غياب رؤية اقتصادية لإدارة المنطقة من طرف “هيئة تحرير الشام”؛ الفصيل المسيطر اليوم، بعد إنهاء وابتلاع كافة التشكيلات الثورية.

حكومة الإنقاذ السورية؛ التي تعمل تحت راية “هيئة تحرير الشام”، وضعت أولوياتٍ على أجندتها؛ فانتشرت في طرقات إدلب لوحاتٌ كبيرة كتب عليها بالخط العريض: “نحو عهدٍ جديد”. لكن واقع الحال ينفي صحة العبارة.

بعيداً عن تطلّعات ورؤية الحكومة العتيدة سياسياً، وبعد مضي شهرين تقريباً على تشكيلها؛ يظهر للمراقب من الداخل أنّ الجوانب الغائبة عن أجندة العمل تتمثل في ثلاث نقاط رئيسية: “الجانب الأمني، الصحي، الاقتصادي والمعيشي، السياسي”.

في الحديث الذي يرويه البخاري في الأدب المفرد عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم يمكن استخراج النقاط السابقة -الغائبة-فقد جاء: ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا)). وبالعودة إلى الجانب الاقتصادي والمعيشي الذي يشكّل ركيزة أساسية في حياة الناس، يجد المتابع للمستجدات على الساحة أنها في حالة “فوضى” مع غياب مقومات الرقابة والعدالة على الأسواق بدايةً من المحروقات المادة الأهم في شتاء المنطقة القارس وصولاً إلى أدنى مقومات العيش.

حالة الذعر التي أرهقت كاهل المواطن السوري ليس أولها “طيران الأسد” و”روسيا”، بل إنّ إغفاءةً على السرير بأمان في مثل حالات تخفيف التصعيد التي تمرُّ بها بعض المناطق، ينهيها هواجس الغد، والتفكير بلقمة العيش.

في تلك الأجواء يستفيق السوري وداخل رأسه ألف استفسارٍ وبحثٍ عن إجابة لعلها تنهي “كابوس السوق والمعيشة”؛ فهو بين فكي كماشة الحصار المفروض ميدانياً، وحاجاتٍ إنسانية تحتاج إلى إشباع، حتى أنّها باتت تتناقص تدريجياً، ويصبح الأساسي في حياته “كمالياً”.

للكماشة فكّان… أما في حالة السوريين فهي بجوانب متعددة، إن أفلت من جهةٍ أطبقت عليه أختها، ولعلّ واحدةً منها “محدودية الدخل النقدي”، التي تدفع لاختياراتٍ محدودة ونوعيات أقلّ جودة مما اعتاد عليه في “قانون استهلاكه” ما قبل الثورة.

حالة الذعر التي أرهقت كاهل المواطن السوري ليس أولها “طيران الأسد” و”روسيا”، بل إنّ إغفاءةً على السرير بأمان في مثل حالات تخفيف التصعيد التي تمرُّ بها بعض المناطق، ينهيها هواجس الغد، والتفكير بلقمة العيش.

نوعية المادة المستهلكة، بدورها دخلت دوامة الحرب على السوريين، مما أجبر الكثيرين للتضحية بالجودة والتوجّه لصالح إشباع أكبر كمية ممكنة من حاجاته المتنوّعة والمتعددة.

غياب الرقابة عن الأسواق أو ضعف تطبيق الأنظمة الرقابية في المناطق المحررة، أدى بالطبع إلى عدم الانضباط بالتسعيرة بين بائعٍ وآخر، بل إنّ قانون “تفاعل قوى العرض والطلب” في السوق، بات شبه غائبٍ هو الآخر، فإن كان في “شرعنا الحنيف ما يسدّ هذا الباب، ويجيب عن تساؤلات الناس، وينهي حالة التوجس تلك، فلماذا لا يفعّل، ومن المسؤول عن ذلك؟”… سؤالٌ موجّه لإدارة المناطق المحررة التي ارتدت الزي “الإسلامي”.

معظم خبراء الاقتصاد يتحدّثون أنه في حالات إلغاء دور السوق يجب إلغاء أثر تلك العوامل بشكلٍ نهائي أو على الأقلّ ضبطها وتوجيهها وفقاً لأهداف محددة، لكننا أمام صعوبة في توصيف وتحديد موضوعي لطبيعة السوق السورية في المناطق المحررة.

تتلخص معظم مشكلات الناس في تأمين مستلزمات يومية، في ظل مساعداتٍ تشوبها العديد من التساؤلات، ودخلٍ يكاد يكون “معدوماً”، أصبح بناءً على تلك المعادلة المواطن السوري في المحرر ضمن قائمة “الدين المعدوم” بحسب ما يعرف في المصطلح المحاسبي والاقتصادي، ولعل قراءة قائمةٍ شهرية تكفي لمعرفة الأزمة التي يعاني منها الشارع، تواجه بصمتٍ “كأن شيئاً لم يكن”.

ملخص تلك القائمة يتكوّن من التالي: ((الأغذية والمشروبات غير الكحولية، الملابس والأحذية، السكن، المياه والكهرباء، الغاز وأنواع الوقود الأخرى، بالإضافة إلى الصحة والنقل والاتصالات)).

معظم الأسباب السابقة والتي ارتبطت عموماً بالحالة الاستثنائية للبلاد، ليس فقط مناطق سيطرة المعارضة، إلا أنّ توفر الأرضية الخصبة والمتمثلة بسوق مشوهة وغير محددة المعالم وغياب السياسة الواضحة تجاه هذه السوق أو حتى القصور الواضح في السياسة الاقتصادية؛ كنتيجة طبيعية لغياب توجه عام ورؤية واضحة للمستقبل الاقتصادي؛ أدّى إلى سرعة انعكاس نتائج هذه الأسباب على الأرض، وسرعة تفاقمها. مع التنويه أنّ إدارة المحرر اهتمت بالجانب العسكري وأهملت –وإن بنية حسنة-الجانب الحياتي للناس.

المطلوب اليوم، إدراك تلك الحقائق والتعامل معها بموضوعية، وضمن المتاح، لا التعامي عنها، بدايةً من مراقبة السوق لضبط الأسعار، مروراً بمراقبة المواد الداخلة إليه، وانتهاءً بمحاسبة المحتكرين، والمنتفعين…. هذا إن كنّا فعلاً تحت راية “حكومة إنقاذ”!!

الناس تشتكي في المناطق المحررة شمال سورية من صعوبة العيش، أكفٌّ ترتفع إلى السماء حيث الملاذ الأخير أمام مشهد انعدام الثقة بحكومةٍ مشلولة تسير على كرسيٍّ رمادي بعجلتين.

تبقى أسئلة الشارع حول الركيزتين “الأمن والصحة” ملفاً مفتوحاً، يفرض الحديث عنه في عددٍ آخر.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend