ماذا تريد تركيا من عملية غصن الزيتون في عفرين؟

ما بعد عملية “غصن الزيتون” التي تقودها تركيا ضد الأكراد مرحلة وعلاقات دبلوماسية دولية جديدة مع أنقرة، ما هي طبيعتها؟

الأيام؛ فرات الشامي

خلفيات تاريخية للصراع التركي-الكردي:

يمتد الصراع التركي-الكردي إلى العام 1973، حين أصدرت مجموعة صغيرة تحت قيادة “عبد الله أوجلان” إعلاناً عن الهوية الكردية في تركيا. لم تهدأ التجاذبات السياسية والمناوشات العسكرية بين الطرفين؛ غير أنّ مرحلة مختلفة ودامية بدأت مؤخراً على خلفيات الانتفاضة الشعبية في سورية، وما تبعها من تدويل وانتكاسات للمعارضة السورية، ليبرز بوضوح المشروع الكردي المناهض للأمن القومي التركي.

غصن الزيتون رسالة دبلوماسية بتوقيع عسكري:

من الطبيعي أن تفرض المعركة العسكرية شروطها وظروفها، بل إن جوهر الرسالة التركية اليوم تقديم صورة “أنقرة” كقوة لاعبة حقيقية حاضرة في المنطقة، تنسف المشاريع الوهمية، وتحقق معادلة “الدولة الند”، كبديل بالنسبة للغرب في التحالف مع “المرتزقة الواهمون”.

تركيا عملياً دخلت اليوم، لاسيما بعد العملية العسكرية التركية في عفرين، حيزاً آخر في طبيعة الصراع التركي-الكردي، ولعل نجاحها في الامتحان وبروزها كقوة فاعلة على الأرض، سوف يتبعه تأثيرات وتغييرات كبيرة مستقبلية في شكل العلاقات بينها وبين الغرب عموماً.

مواقف دولية متباينة:

الرسالة التركية من خلال عملية “غصن الزيتون” بدأت تأخذ صداها دولياً من خلال المواقف المتباينة، فعلى سبيل المثال دعت فرنسا لاجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي لبحث العملية العسكرية التركية في عفرين، وجاء في تغريدة نشرها وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان يوم الأحد الماضي أن: «بلاده تطالب باجتماع عاجل لمجلس الأمن من أجل الوضع في الغوطة الشرقية وإدلب وعفرين»، مضيفاً بأنه: «تحدث هاتفياً مع نظيره التركي مولود جاويش أوغلو، مطالباً أنقرة بوقف هجومها على منطقة عفرين التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية».  

وطالبت إيران بوقف الحملة العسكرية تحت ذريعة أنها قد تساعد من وصفتهم بالإرهابيين، في حين نددت القاهرة بالتدخل التركي.

الرد جاء سريعاً على لسان وزير خارجية أنقرة مولود جاويش أوغلو متناغماً مع قوة الزخم العسكري التركي، والذي علّق في مؤتمر صحفي في بغداد قائلاً: ((إن قيام فرنسا أو أي دولة أخرى بنقل عملية “غصن الزيتون” ضد وحدات حماية الشعب الكردية في عفرين إلى الأمم المتحدة يعد بمثابة اصطفاف إلى جانب الإرهابيين وليس إلى جانب دولة حليفة)). ما يؤكد أن أنقرة عازمة على حسم ملف الأكراد ولديها من الأوراق ما يدفع بها لتصريحات بتلك القوة. ويعود بنا مجدداً للقول بأن بلاده ماضية في تحقيق معادلة الدولة الند الحاضرة على الساحة الدولية.

صفعة تركية من العيار الثقيل:

الحضور العسكري التركي على الأرض والتناغم التام مع القرار السياسي الحازم مكّن لـ”أنقرة” توجيه صفعة إلى باريس في الثاني والعشرين من يناير/كانون الثاني الجاري؛ حيث تجلى واضحاً فشل الدبلوماسية الفرنسية؛ في دفع مجلس الأمن لتبني بيان مناهض للعملية في عفرين.

بالمقابل خرجت أنقرة محملةً بأوراق رابحة وتأييدٍ لاسيما من الحكومة البريطانية والألمانية، اللتان أبدتا تفهماً لموقف “تركيا”؛ عبّر عن ذلك التوجه تصريحات المتحدث باسم الخارجية البريطانية جاء فيها: ((إن لدى تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي “الناتو” مصلحة مشروعة في ضمان أمن حدودها)).

أماّ برلين وعلى لسان وزير خارجيتها زيغمار غابرييل فقد حذرت من مخاطر لا يمكن توقعها للعملية العسكرية الجارية في عفرين. لتبقى فرنسا متفردة في موقفها على المستوى الأوروبي.

روسيا الحياد المخيف:

الموقف الروسي بدا أقرب إلى الحياد، يفسر ذلك تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي برر للأتراك عمليتهم العسكرية حيث قال: ((إن الإجراءات التي تتخذها واشنطن من جانب واحد أغضبت تركيا ودفعتها لهذه العملية)). ما يزيد المخاوف الأمريكية من قيام الرئيس التركي “أردوغان” في نهاية المطاف إلى توقيع اتفاق مع موسكو.

التقارب التركي-الروسي المحتمل سوف يشكل صفعة للإدارة الأمريكية، فيما لو نجحت موسكو بالتبرير لمثل هذا التحالف؛ وفي حال نجاحها بكسب الأتراك فإن ذلك يعني موافقة على فرض تسوية سياسية بحياكة روسية فيما يتعلق بالملف السوري؛ والمتمثل بإطلاق المؤتمر الوطني السوري للحوار؛ الذي تشارك في رعايته كلٌّ من تركيا وإيران، والمقرر عقده في منتجع سوتشي على البحر الأسود في 29-30 كانون الثاني/يناير.

تركيا سبق أن اعترضت على مؤتمر سوتشي نتيجة توجيه دعوة من قبل موسكو إلى حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وجناحه المسلح، وحدات حماية الشعب (YPG) التي تراها تركيا مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بحزب العمال الكردستاني داخل تركيا.

واشنطن تستعد لتلقي الصفعة:

المخاوف الأمريكية والغربية عموماً من تقارب “موسكو-أنقرة” يأتي على خلفية اعتبار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنّ “مؤتمر سوتشي” هو البديل عن محادثات السلام التي تقودها الأمم المتحدة؛ وبالتالي فرض انتصار جديد للسياسة الروسية في الشرق الأوسط، كذلك اعتبار “سوتشي” صك غفران للأسد، وتمديد حياته على كرسي الرئاسة، مع تغييرٍ طفيف على بعض بنود الدستور السوري.

الخشية الأمريكية من انجرار الأتراك نحو روسيا لابد أن يدفع واشنطن للتفكير ملياً بضرورة إيقاف عجلة التدهور في العلاقة الدبلوماسية مع أنقرة، وجعله أولوية سياسية مقبلة، من خلال ترك مَوْطِئ قدمٍ لتركيا في الملف السوري، كبديل وضامن عن وقوفها أو تقاربها مع موسكو.

مآلات غصن الزيتون عسكرياً:

لا يمكن التكهن في نتائج المعركة على الأرض، لكن يمكن القول بأنه لا توجد مؤشرات من طرف الناتو تدعو في القريب تركيا للانسحاب أو إيقاف المعركة. ومن خلال قراءة في أحداث الحلمة العسكرية على عفرين، يمكن الوصول إلى إمكانية قيام صفقة بين الجانبين التركي-الروسي، تلعب فيها أنقرة دور الداعم لمحادثات السلام التي ترعاها موسكو، في مقابل انضمام الروس تكتيكياً إلى الحملة التركية لإضعاف الأكراد السوريين على حدودها.

غصن الزيتون… عملية عسكرية تحمل بالنسبة للأتراك أوراقاً دبلوماسية قوية لفرض شروطها أمام الدول الكبرى، وتدفع بهم للتحالف معها كبديلٍ عن “مرتزقة” لا تملك إلا مشروعاً في دائرة الخيال.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر الجزيرة نت الجزيرة نت
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend