إشكالات عميقة في المعارضة

تحديات تواجه المعارضة السورية، ما هي، وما هو منشأها وإمكانية تجاوزها، إلى ماذا تحتاج المعارضة السورية اليوم؟

الأيام السورية؛ بقلم: عقاب يحيى

إشكالات بنيوية رافقت عمر المعارضة وبرزت أكثر منذ قيام الثورة التي كانت الكاشف، والامتحان، والتحدي، حين لم تتمكن المعارضة ـ بكل أطيافها، ومرجعياتها ـ من تولي مهام قيادة الثورة، رغم إعلان انخراطها المبكر فيها، وادعاء أطراف منها بدورها الريادي السابق واللاحق .

ـ الإشكالية تفرّخ نتاجاتها في فقدان المبادرة، وانزياح القرار الوطني، ثم تدويل المسألة السورية الذي يعني وضع كل الجهات السورية ـ معارضة ونظاماً ـ على الرف، في هامش التبعية، وفي موقع المتلقي، أو صاحب الدور الهزيل.

ـ وحتى لا يقتصر الأمر على المعارضة” التقليدية”، أو التاريخية” فالإشكالية تبرز أكثر فجاجة عند الذين تصدّروا المواقع القيادية من خلفية “الحراك الثوري”، ثم في الفصائل العسكرية وما ولّدت من منتجات كان لها دورها المؤثر في الواقع الحالي ووقائعه، وتجريد قوى المعارضة والثورة من أوراق حقيقية تكون استنادها في المفاوضات، أو في فرض مطالبها التي هي من المفروض أن تكون مطالب الثورة، والتعبير عن تضحيات وطموحات الشعب السوري في إنهاء نظام الفئوية والاستبداد وإقامة النظام البديل. الدولة المدنية الديمقراطية، التعددية.

ـ نعم كان للخارج فعله العنيف، وأثره الكبير في واقع الحال الراهن، وفي انسداد طريق الحل العسكري من جهة، وأفق الحل السياسي من جهة أخرى، ويمكن تناول وقائع فعلية كثيرة عن حجم التدخل ذاك، وتنوعه، وتماوجاته، وما كان له من دور قوي، وصولاً إلى ما نحن فيه.

ـ لكن الأساس هو العامل الذاتي، ونعني به دور القوى المعارضة بمراهناتها وما أنتجت من سياسات وممارسات، أو بمواصلة نهجها البعيد عن المطلوب، وعن تشكيل قوة ذاتية فاعلة تفرض شروطها على الأرض.

ـ حين فرضت وقائع الصراع الدولي ومشاريع الدول الكبرى والمؤثرة إلغاء طريق الحل العسكري، وإبلاغ المعارضة ذلك بكل الصيغ المباشرة، وأنه لا سبيل ولا خيار سوى الحل السياسي، وجنيف مكاناً، وقرارات الشرعية الدولية انطلاقاً.. انصاعت المعارضة بفعل الوقائع على الأرض، وتكيّفت متحمسة مع هذا المسار، وانخرطت فيه.

ـ لكن المسار السياسي يطرق برخاوة الباب المسدود، المغلق بإحكام من قبلهم بالذات، أصحاب التأثير والفعل في الوسط الدولي، وليس الآن، بل منذ الجولات الأولى لجنيف كان الواضح أن النظام يرفض بإصرار أي تناول، أو قبول بالقرارات الدولية، وأنه يلقى بذلك إسناداً قوياً من الروس، ومن إيران، في حين غاب دور المحسوبين على أنهم أصدقاء الشعب السوري، خاصة الجانب الأمريكي المستمر في مواقفه التي تترجم قناعاتهم واستراتيجتهم غبر إدارة أوباما والرئيس ترمب.

ـ كان السؤال يعيد نفسه: وماذا لو بقي مسار جنيف مغلقاً، وخالياً من التوصل لأية نتيجة؟.. ما هي البدائل وخيارات المعارضة ؟؟؟.

ـ نظرياً يتحدث الكثير من المعارضين، وتتزاحم الغرف المنتشرة بكثرة بحوارات حول الخيارات البديلة، وهناك من يطرح أفكاراً وبرامجاً مطولة، وعديدون يدعون إلى إقامة أجسام بديلة للموجود باستسهال كبير، ووفق تصور يعتقد أن الأزمة تتلخص في تلك الأجسام، وأن مجرد إقامة بدائل سينهي الإشكالية ..ويبقى الكلام يدور في دوائر لم تثمر الكثير منذ سنوات.

ـ الإشكالية اليوم تبدو شرسة وهي تواجه استحقاقات ثقيلة أسلحة المعارضة فيها مهشّمة، ومتناثرة، وأوراقها ضعيفة، خاصة على صعيد الصلة بالأرض، والفاعلية في الواقع، بما يضعها أمام خيارات حادة سترتب نتائج كبيرة، وسوتشي هو القادم، وهو المفروض الذي سيكون ثقيلاً بمفاعيله، خصوصاً إذا ما أعلنت الأمم المتحدة، ومعها الولايات المتحدة الأمريكية قبولها به وبنتائجه، واعتباره جزءاً من مسار جنيف.

ـ في حال رفض قوى المعارضة الوطنية المشاركة في سوتشي، وهو حالها المعلن حتى الآن، كما هو موقف الائتلاف، وهيئة المفاوضات، وهيئة التنسيق، وعديد الفصائل العسكرية، وتشكيلات سياسية وحراك ثوري …إلخ.. هل تملك قدرة مواجهة الضغوط والآثار وهي كبيرة ومن جهات صديقة؟… وهل ستبقى موحدة أم ستشهد مزيد الشرذمة والانقسامات حتى داخل الأجسام الواحدة؟

وهل يمكن اقتصار الرفض على مواقف لفظية، وشعارات كبيرة رنانة، كما درج العرب على ذلك عبر القرون، والعقود القريبة؟.. أم لا بدّ لأن يكون للموقف حيثياته، وقوته المنبثقة من وقائع في الميدان، وعبر إنجاز مجموعة متداخلة ومتكاملة من المهام وفق برنامج عمل واقعي، وتوافقات سياسية بين معظم القوى الوطنية المعارضة؟

ـ وما هي بدائلها العملية؟، وإلى أي مستوى بلورت تلك البدائل ؟.. بل ما هي قدراتها لمواجهة الضغوط المؤثرة، وهل يمكن لها أن تكون مستقلة فعلاً في قرارها، وأن تستمده من روحية المصلحة والوطنية السورية، وأهداف الثورة والأمانة في تمثيلها.

ـ وفي حال القبول، أو اتخاذ مواقف مطاطية، أو ترك الأمر للأشخاص المنتمين لتلك الهيئات كي يقرروا بأنفسهم المشاركة والرفض.. ماذا ستكون النتائج ؟…وأي رهان على سوتشي والمعطيات المتوفرة ـ حتى الآن ـ تفصح بشكل جازم أن هدف اللقاء الرئيس إجراء مصالحة شاملة بين النظام والمعارضة بشروط روسية تُبقي على النظام رأساً ورموزاً، وعلى مؤسساته الأمنية والعسكرية، ثم الدعوة لانتخابات وفق دستور يناسب هذه الوضعية.

ـ هنا وبغض النظر عن موقف الأمم المتحدة، وإعلان قبولها بسوتشي ومخرجاته كأمر واقع، ستكون العملية الانتقالية التي تتمسك بها المعارضة منطلقاً للحل السياسي، ووفق بيان جنيف 1، وتشكيل هيئة الحكم الانتقالي.. ستصبح لا غية، ومن الماضي.

السؤال اليوم: هل المعارضة وقوى الثورة بقدرة تجاوز هذه التحديات والضغوط؟، وما هي استناداتها؟، ومن هي الدول الحليفة والصديقة التي ستقف معها؟

تحتاج قوى المعارضة اليوم قبل الغد إلى وقفة جدّية مع الوقائع والاحتمالات، واتخاذ المواقف التي تعبر عن خط الثورة واستمرارها، بغض النظر عن المنعرجات، والتكتيك، وصلابة ووضوح المواقف.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend