48 ساعة دون إنترنت

نريده بيننا حاضراً على موائدنا وجلساتنا… هل يمكن أن نستغني عنه، أم أنه بات إحدى الضرورات التي لا تختلف عن الهواء؟!

الأيام؛ فرات الشامي

أن تغرق في دوامةٍ متناقضة فقط لأنك تدمنه… أن تبحث عن ذاك الحاضر معك في جيبك وحيث تسير، تلك أزمةٌ إنسانية عايشناها لمدة 48 ساعة في إدلب وعموم الشمال السوري المحرر.

إدمان الجلوس خلف شاشة الهاتف المحمول، أو اللاب توب ومتابعة وسائل التواصل الاجتماعي، قد تكون فكرة تستحوذ إعجاب شريحة كبيرة من الناس وبفئات عمرية مختلفة… إنه عصر الإنترنت.

يحدث أن تتدخل “الحرب” وتفرض رؤيتها، ليصير العالم نقطةً سوداء كظلمة سجنٍ تحت قبة السماء، تستمع إلى أزيز الرصاص، وانفجار الصواريخ، وغارات الطيران، لكنك غائبٌ تماماً عن كل ما يدور حولك.

مسبقاً كنت من أنصار الابتعاد جزئياً عن عالم “الإنترنت”؛ الذي رأيت فيه مصدر تدميرٍ للحياة الاجتماعية، بشكلٍ أو بآخر، نظرياً، كانت تلك رؤية ينقصها التجربة في لحظة “غيابٍ كاملٍ للإنترنت”، لا “الغياب الجزئي” أو “الإرادي”.

اختيار الابتعاد التلقائي عن مصدر الأخبار بدا مختلفاً تماماً خلال 48 ساعة من تجربة الشمال السوري المحرر؛ الذي شهد انقطاع الإنترنت من المصدر –الجار التركي-إبّان اشتعال جبهة القتال مع ميليشيا “قسد” الانفصالية في منطقة عفرين.

المشهد العام لا يدعو للراحة، الكل يسأل: “في عندك إنترنت؟!”… صيغة الاستهجان والاستفهام ممزوجةً بالتعجب من الحدث الغريب، ترافقت مع سلسلةٍ مؤلمة صمّت الأذن، سببها ارتفاع صوت صفارات الإنذار التي تحذّر من غاراتٍ لطيران المحتلّ الروسي فوق سماء إدلب.

غيابٌ كاملٌ عن أخبار المعارك  ورفضٌ من الناس لقبول الأمر الواقع

غيابٌ كاملٌ عن الواقع، معارك مطار أبو الظهور، بين فصائل المعارضة المسلحة، وميليشيا الأسد التي تحاول التقدم والسيطرة عليه، ورفضٌ من الناس لقبول الأمر الواقع… يؤكد البعض أنّها “مؤامرة”، لكن ثمّة من يرى بأنّها: “حالة اضطرارية سببتها الحرب”، وجهةُ نظرٍ تختلف وتؤكّد بأننا: “في الداخل السوري المحرر مازلنا عاجزين عن صناعة مستلزماتنا، فنحن حقيقةً تحررنا اسمياً، ولم نزل تحت وصاية المجتمع الدولي”.

بدا واضحاً خلال 48 ساعة دون إنترنت أنّ الجهاز المحمول فقد قيمته؛ وتحوّل إلى مجرد آلةٍ “كريهة”… أو ربما حان الوقت أن تركن فوق منصّةٍ مرتفعة… بدا أيضاً حالة التوتر التي سيطرت على كلام الشباب حدّ الاختناق… بعض المقاتلين ارتدى جعبته، وقرر إلغاء إجازته بانتظار معركةٍ أو ملحمةٍ كبرى، شعارها “أكون أو لا أكون” بحسب “أبو محمود” 25 عاماً من مقاتلي الجيش الحر.

جعبتي كانت قريبةً مني حدّ الالتصاق، تريثتُ قبل الابتعاد عنها، لكنني نظفتُ البندقية… وودعت القلم وهاتفي المحمول، وإن كنت مصرّاً أن أطلّ على جهاز “الراوتر” لعلّ الإنترنت يعود، وكأنّ نظري إليه يماثل تعويذة تجبره على العمل.

48 ساعة دون إنترنت، كشفت حقائق أولها أنّ الإعلام حاجة كالطعام والشراب، متنفسٌ لا يمكن العيش دونه مهما أبدينا عكس هذا الكلام.

لكن ماذا لو تكررت الحالة مجدداً؟!

كمعارضين أو إعلاميين، كنشطاء أو أشخاصٍ عاديين… نحن أمام واقعٍ يؤكّد “وفاتنا” بعد الـ48 ساعة مباشرة؛ نفسياً طبعاً…. للأسف الشديد.

دوامة الأسئلة والغياب لن تتوقف… والغرق في بحر الإجابات المزعجة لن يكون من الصعب أن يتسلل إلى قلوب الناس؛ لصنع مزيدٍ من الشعور بالمؤامرة الكونية التي تحدّث عنها “بشار الأسد” في خطاباته الأولى كما يقول “أبو جمعة” موظف سابق في كهرباء إدلب.

غيابٌ عن المحيط، القرية الصغيرة صارت سجناً، والعالم الفسيح ضاق بنا… يبدو أنّ الـ48 ساعة دون إنترنت في الشمال السوري، كبلتنا بقيود الخوف، أو اعتقتنا من أغلال الأسر لعالم الميديا على الأقل في اليوم الأول.

تجربة متناقضة، تحمل في ثناياها الكثير… لشعبٍ فقد الأمل حتى بالفضاء حوله، بالتكنولوجيا ذاتها.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend