شكراً سوتشي…؟!

“سوتشي” مقابل “رد الطغيان”، معادلة سياسية وإيقاع عسكري يفرض وجوده على حلبة الصراع السوري، بالمقابل لا بد من شكر “موسكو” على المؤتمر الذي دعت إليه، لماذا؟!

الأيام السورية؛ فرات الشامي - إدلب

الملف السوري يدخل باستمرار مراحل تاريخية ومفصلية بصورة تبدو متكررة، غير أنّ مرحلة الحل السلمي لا تزال بعيدة، فمنتصر الأمس مهزومٌ اليوم، والمعركة على الأرض تقلب الموازين؛ كلما لاح في الأفق تغييرٌ لصالح أحد جانبي الصراع.

الكفة في الميزان وإن كانت عملياً ترجح غلبة “الأسد” على “معارضيه”؛ لكن ذلك بقي خاضعاً لاعتباراتٍ كثيرة، من بينها الإسناد الجوي الروسي، إضافةً للتواطؤ الدولي، وانتهاءً بحالة التشرذم الذي تعيشه قوى الثورة المسلحة في الداخل.

تسارع وتيرة المعارك بين الحين والآخر تفرض بالجملة شروطها على الجانبين، ولعل روسيا تدرك حقيقة الهزيمة العسكرية التي منيت بها؛ حتى وإن أظهرت نفسها منتصراً يوم مشى “بوتين” في حميميم كالطاووس على الأرض التي احتلها؛ بإرادة من الأسد الذي باعها. ليأتي في مقدمة طموحات “المنتصر الكاذب” الدعوة لعقد مؤتمر “سوتشي” الذي تحاول “موسكو” الترويج له ودعمه.

المعارضة في الداخل لها تصوراتها أيضاً؛ وهذه المرة بعيداً –إلى حدٍّما-عن طاولة السياسة؛ لتسجل المعارك الأخيرة في ريفي حماة وإدلب سابقة جديدة تحسب كنقطة لصالح المعارضة في شِبَاكِ النظام السوري، الذي انهارت قوته.

الرد المباشر على “سوتشي” جاء على أيدي معظم الفصائل المعارضة بما فيها “هيئة تحرير الشام”؛ التي أذعنت لخيار التكاتف مع الجميع بعد أن تكللت سياستها العسكرية خلال الأشهر القليلة بالهزائم، وانهيار الجبهات حيث تُرِكَ مقاتلوها على التخوم دون مآزرةٍ من أشقاء الثورة.

إحساس الفصائل المعارضة أنهم على حافة الهاوية وأن المعركة مصيرية “أكون أو لا أكون” كان أحد أبرز أسباب انهيار قوات النظام، ليأتي في مقامٍ آخر وجود الدافع القوي لدى مقاتلي الثورة من أبناء المناطق التي تشهد التصعيد العسكري -“سنجار وأبو الظهور”، حيث وضعوا أمام خيارٍ وحيد؛ القتال لتجنب التهجير القسري؛ ليشكل عامل قوة في رد العدوان.

تشكيل غرفة عمليات لصد هجوم قوات الأسد، بعد تنفيذ المعارضة هجوماً معاكساً، يعتبر في القاموس العسكري نوعاً قتالياً ناجحاً، ولعل ما يترشح من أنباء من طرف مقاتلي المعارضة؛ تؤكد استخدام الثوار “تكتيك المجموعات المنفردة/ Individual group Tactics” وعبر محاور متعددة؛ ما يعني تشتيت قوة “ميليشيا الأسد”.

“رد الطغيان” معركة دارت رحاها فجر الخميس 11كانون الثاني/يناير الجاري، تقابل بصورةٍ أو بأخرى الرد الطبيعي على مؤتمر “سوتشي”، وبتوقيع من القاعدة الثورية المقاتلة التي فرضت على قياداتها شكلاً من أشكال وحدة الصف؛ بعد سلسلة الانهيارات والإخفاقات أمام النظام السوري في الآونة الأخيرة.

غرفة عمليات “رد الطغيان” و “إن الله على نصرهم لقدير” تشير أنّ إرادة ثورية لا تزال تنبض، وأنّ مؤتمر “سوتشي” يتجه إلى الإخفاق كأيّ مؤتمرٍ سبقه، ومن الطبيعي إدراك الإدارة الروسية حقيقة المشهد، ومآلات العمل العسكري، لاسيما بعد المعارك الأخيرة التي عادت في الشمال السوري، وفرضت إيقاعاً آخر.

مبدئياً لا يمكن الجزم بنجاح أو فشل “سوتشي”؛ لكن من المؤكد أن المراهنة عليه خاسرة، وترسخ فكرة وأده في مهده؛ وتحويله إلى مجرد مشروعٍ “دعائي” من طرف “بوتين” نفسه، الذي لن يقبل بفرضية فشله؛ لا سيما وأنه يعتبر الجسر لتمرير تجديد ولايته بعد شهرين تقريباً.

مقاطعة “سوتشي” مرفوضة من الإدارة الروسية، ولن يكون من الصعب جلب “معارضين” وحشرهم لتشكيل “شراكة” مع “نظام الأسد”؛ مقابل منحة ومكرمة تحقق لهم أغراضاً شخصية؛ كـ”مناصب وزارية” في حكومةٍ يديرها شخصياً “بوتين” الذي هيمن على القرار داخل أروقة النظام السوري.

بوتين أو سوتشي؛ معادلة من طرفٍ واحد، لا حدّ آخر لها؛ الأمر الذي يعطيها مزيداً من الفشل المستقبلي، فالأطراف الدولية اللاعبة أساساً –وإن من خلف الكواليس-لن تقبل بالتفرد والتسوية الروسية على حساب خروجها من “المعادلة السورية” خاسرة دون تحقيق نقاط ضامنة لوجودها أو مكتسبات قادمة. هذا الأمر يشير ضمنياً إلى ما ترشح -في الداخل-قبل أيام من أخبار بأن المعارك الأخيرة في ريف إدلب تأتي تحت ضوءٍ أخضر من واشنطن وبشكلٍ مباشر.

الاحتمال الراجح أن تكون جولة “سوتشي” المقبلة مقدمة لجولاتٍ أخرى؛ ترمي إلى تغطية الفشل من “الكرملين” الذي يمكن أن يسعى لفرض بدائل أخرى، على شاكلته؛ مع تعديلاتٍ طفيفة لامتصاص الهزيمة سياسياً وشعبياً.

يواجه المؤتمر فرصة أخرى للانكسار تتمثل بحالة التفاف السوريين أنفسهم اتجاه “موقفٍ شعبي وطنيٍّ واحد” برداءٍ سوري خالص، يفرض إيقاعه لمواجهة الهيمنة الروسية، والتخاذل الدولي.

أمام السوريين فرصة لتقويض كل المؤتمرات والمؤامرات التي تفرض بقاء الأسد من خلال التعبئة الوطنية ضد مشروع روسيا، ولا يتم ذلك إلا عبر ماكينة سريعة لإصلاح مؤسسات العمل الوطني، وتلافي العيوب المعروفة.

كما أنّ لدى السوريين فرصة تاريخية للبدء بحديث “التلاحم الاجتماعي”؛ بعد أن بدا “نظام الأسد” عارياً ومجرد أداةٍ بيد “المحتل”؛ لم يخدم حتى “الطائفة” التي تمترس خلفها وجعلها درعاً للحفاظ على عرشه.

2018 عام الحسم؛ مجرد فرضية، لكنّ الأخذ بها جدياً ضرورة في هذه المرحلة لتجاوز أعداء سورية، ومن يحاول الالتفاف على الإرادة الشعبية العادلة في دولة مدنية وما تحمله من شعارات الحرية والكرامة والمواطنة.

2018 عام التحدي، شعبياً، ثورياً، سياسياً، متى غابت عنه الروح الوطنية التي تجمع كل الأطراف –الشركاء في الوطن-انقلبت اللعبة إلى هزيمة وتوقيع على مرحلة جديدة من الذل لكن بأيدي الاحتلال المباشر “روسيا”.

شكراً “سوتشي” أو “بوتين” الأمر واحد؛ فالمفترض بنا كسوريين أن نشكر من قدم الخدمة على طبقٍ من ذهب… إن عرفنا التعامل معها بوطنية مطلقة… سوتشي يمكن أن تحقق باختصار وحدتنا لرد طغيان الروس.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend