جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

تسكرني حروف اسمها إن مررتها على شفتي

بين وريقات السياسة يتلاشى كلّ شيء، لا مكان للعشق، يحدث أن تأسرك أغنية، لتلقي بذاك الحمل المرهق، إنها زوجتي تنتشلني… إلى حيث تراب سوريا، أنفض الغبار وأتوه في بحار الوطن.

الأيام؛ فرات الشامي

كثيراً ما شغلت نفسي عن الأوراق القديمة… عن تلك الصورة المخبأة بداخلي لأنثى امتزج جمالها بين الفرات والريف الدمشقي… في الآونة الأخيرة بات الغياب عن تلك الحالة العشقية غريباً؛ فالقيود تحيط بالقلم كأنما تكبّله حدّ الاختناق…!!

مرّت ساعات الليل الأولى والأرق يداعب وسادتي، أفكارٌ مشوّهةٌ، تمتزج بسكون الليل الذي يكسره رصاص بندقية، يؤكّد أنّ الحرب على قيد الوجود، وأنّ الموت على شرفات النوافذ ينتظر إيعازاً للتسلل.

ليتها تتسلل خلسةً كعادتها؛ ليستريح جسدها أمام جسدي فوق السرير، لعلنا نغفو، أو نحلّق بعيداً على أجنحة “بردى”… ليتها… وليتها… غارقٌ كغيري في الأمنيات… أمانٍ عشقيةٍ عربية؛ لا محل لها من الإعراب.

مبهمةٌ كل الوقائع حولنا؛ إلا الموت…!! زائرٌ نعرفه… ننتظره على بابٍ مواربٍ للفاجعة، مرغمين على مصافحته، واحتضانه، رغم قسوته… لكنه آخر ملاذ للمشردين… المفجوعين بوطنٍ على قارعة الانهيار…!!

غارقٌ على غير عادتي في دهاليز معتمةٍ… إنها وريقاتٌ سياسيةٌ تحتضر معها روحي التي توشك على الانهزام؛ أمام جمود ما يحيط بها… عالمٌ يبعدني عن مقتنيات الذاكرة القديمة… عن النساء… عن القصائد التي فكرت ذات يومٍ أن أكتبها لعيني صبية في طرقات “باب توما”… أو ربما لكل امرأةٍ تداعب مخيلتي، مجنونٌ أنا، قطعاً.

حروفي اختلطت بحبر بلادي، بلون العلم… بين الأسود والأحمر، بين الأخضر والأبيض، ولكلِّ ذاك المزيج دلالاتٌ عشقيةٌ تبوح بأسرار طيشي، ورعونات الشباب، وحكايات الكفاح على جبهات القتال.

بندقيةٌ وقلم، معادلةٌ لا أكاد أفهم كنهها، لكنها تأسرني في لحظاتٍ من التيه في هيامٍ دمشقيٍّ … للشام … لوطنٍ يحتضنني واحتضنه… يعانقني وأعانقه في كل ليلةٍ آلاف المرات… أشتاقه كما لو أني لن أراه، وأنا مازلت داخله… تراني أُقتلُ على ترابه برصاصةٍ أم بـ… بماذا؟! لم يعد مهماً… الأهمُّ أن أرى انتصاراً لثانية، ثم لا بأس في إغفاءةٍ أبدية تحت ترابه، لعلي أمارس طقوس عشقي وحيداً في ضياء قبر.

أنعي الحروف حروفي…

أنعي كل القصائد إلا قصيدتان؛

أو ربما ثلاث؛

أنعي احتلالاً،

أنا أبداً لم أعتد أن أنعي وطناً.

محالٌ فعلُ الانهزام.

الفعلُ الوحيد في حياتنا… كتابة تاريخ الياسمين.

وعقد الزنبق لأنثى تقرأ الآن حروفي… يطوّق عنقها؛ رائحة عرسٍ في بيتٍ “شاميٍّ” داخل أحياءٍ مرصوفةٍ بحجارةٍ من حب… وداليةٍ … وليمونة… ونارنجة… وصوت عودٍ يعزف… الله… الله، تعلو في بهو الدار.

حنينٌ يحملني سريعاً في محطاتٍ قديمة، يومها كنت مجرد عاشقٍ مجنون تعرفه الأحياء القديمة التي داعب حجارة أرصفتها… مولعاً كنت بها… لكنني اليوم أكثر توحداً بها… حالةٌ صوفيةٌ؛ حتماً… تسكرني حروف اسمها إن مررتها على شفتي، أكلُّ النساء يسكرنَ أم وحدها “حبيبتي”؟!

مسكينةٌ زوجتي… لم تدرِ أنها ما إن أدارت المذياع على تلك الأغنيات حتى أطلقت لروحي الأسيرة أجنحة… تراها كانت تتعمد أن تنعش فؤادي… بهمساتٍ من نايٍّ وعود…؟! أم أنها أدركت احتضاري وقررت نفخ الروح بداخلي… إنها شريكتي في ثورتي… حبيبتي.

ابنتي تراقب تمايلي… تسمع البوح كأنما تعقله… وريثتي في الحب، علمّتها أنّ هوانا دمشقي… وأن أنفاسنا فراتية… ونبضات القلب حمصية، علمتها أنّ الشريان حلبيٌّ… وثروتنا إدلبية… أورثتها غضب البحر، وطيبة السهل، وصحو حماة، وكرم حوران… ورقة عيون بلادي.

خلف الورقة كتبت وصيتي… أهديها ابنتي، تنشدها يوماً، كلمات الشاعر الموريتاني/الشيخ وليد بلعميش…

بعض القصائد تستحق أن تكون وصيةً وميراثاً. 

خذي قلبي فأنت به أحق            وقولي للزمان: أنا دمشق

أنا قمر يسافر في غمام              أنا الأوتار والنَّغم الأرق

كتبتُ على جبين الصبح شعري    فللآياتِ من شفتيَّ دفق

يخاصم ياسميني حزن ليلي          فأعرف أنه قلق وصدق

 أحاول أن أعود إلى شبابي        فيمنعني من الأحلام خنق

 كأن جداول الأيام ضاقت       بوهمِ النبع حين أطلَّ برق

 وكيف نحرر الأوطان يوماً          إذا الإنسانُ عبد مُستَرق

 ممانعةٌ ويُمنع كل حر                فلا رأي يُباح وليس نطق

 ومن يرث البلاد بغير حق          توطَّن طبعه نزق وحمق

 أرى وطناً كريماً مُسْتباحاً            وشعباً للكرامة يستحق

 يقول الناس: حُرِّيَة وسِلمًا           فيُقتل ثائرٌ وتُدقّ عُنْقُ

 ودَرْعَا للشموخ تظل دِرْعاً           لها في العز والدرجات سبق

 أخي الإنسان في بلدي مجالٌ        لأن نحيا معًا ولديك حَق

 فلا تُحرق بنارك بَوْحَ وَردي          فليس يفيد بعد الآن حرق

 أخي الإنسان أنت أخي لماذا       تعذبني أقلبك لا يَرِقُّ؟

 هي الشام اكتست كفناً وضجَّت   فكم للأنبياء يكون شنقُ؟

 وفي حلب بنو الشهباءَ هبوا    وفي حِمْصٍ خيول الفتحِ بُلْقُ

 وبانياسُ الجريحةُ ما استكانت   وللراياتِ في البيضاء خفقُ

 وفي الصنمين لا صنمٌ ولكن    من الأوثان تحريرٌ وعتقُ

 وموج اللاذقية في تحدٍّ           يجددّه الفداءُ وفيه عمقُ

 حماةُ على الجراح تعيش عمراً    وتنهض دائماً إن هبَّ شرقُ

 هو الشعب الكريم فهل سيبقى عقاب الرأي تنكيل وسحق

 أحبك يا بلاد الشام عمري    وأعرف أنك البلد الأحق

 تُخيفك عصبة الطاغوت زوراً   بأن الطائفية فيك فَتقُ

 وآلاف السنين مضت سلاماً   فكيف يكون بين الروح فرق

 يمنّون الممانعةَ اعتداداً           وتلك طبيعة في الشام خُلْقُ

 ولا شرفٌ يُبيحُ الظلمَ يوماً      فبعض الحَيفِ للحسناتِ مَحقُ

 أحن إليكِ يا فيحاء حتى       يحطّم أضلعي وَلَهٌ وعِشق

 خذي قلبي فأنتِ به أحق      وقولي للزمان: أنا دمشق

خذي قلبي… يا دمشقُ، لعل الياسمين يعود إلى شوارعك… لعل الحرب تصمت، لعل الذين غادروا يرجعون.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend