جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

غرباء الوطن

ترتجف برداً، تطلب خبزة، تتقوقع على نفسها، تتذمر من الأطيان العالقة بقدميها الصغيرتين، تبحث أماني عن الدفء في ليلة نزوح باردة.

خاص بالأيام - فاطمة محمد

استيقظت قريتنا على أصوات مكبرات الصوت التي تنادي: “يا أهالي الخير، أبناء قريتنا الطيبون يا سامعي الصوت، أخوتكم نازحون لعندنا من ريف حماة الشرقي، قدموا إلينا بأرواحهم وهم بحاجة إلى مستلزمات الحياة البسيطة”.

اندفع أهل القرية باتجاههم كالسيل، وكلٌّ منّهم يصطحب معه ما قسمه الإله لمساندة محنتهم من مؤونة الطعام وفرش البيت، وبعض الحاجيات الضرورية من لباس؛ لتقيهم برودة الطقس الشديدة.

حال وصول أهل القرية لرؤيتهم وجدوهم بحالة مأساوية ومحزنة؛ لباسهم رقيق والطين يبلل أجسادهم، أما البرد فيأكل أطرافهم.

شاهدوا صغاراً وقد التفوا حول جدتهم أم محمد التي تقول: “هربنا من القصف، وهول المعارك تاركين أرضنا الكبيرة إلي بدرناها، تركنا المواشي على الطرقات، هربنا بروحنا، وولادي بقوا مع ثوار المنطقة، وما معي غير زوجي المسن وكنايني مع ولادهم، وين بدي روح والله إلي فينا فوق طاقتنا”.

نزحوا من ريف حماة الشرقي التي تشهد تصعيداً عسكرياً من قبل قوات الأسد هي الأعنف من نوعها، فهذه الهجمة الشرسة تهدف إلى إطباق سيطرة قوات الأسد على مدينة إدلب.

الحقيقة إنّ أعداد النازحين الموثّقين حتى تاريخ 7كانون الثاني عام 2018 قد تجاوز ( ٨٧٦/١١٧) ألف نازح، توزعوا في (198) نقطة نزوح، 10بالمئة فقط من النازحين تمكّنوا من الوصول إلى المخيمات الشمالية؛ وتوزعوا في مخيمات أطمة، الكرامة، قاح والرحمة في ناحية الدانا، بالإضافة لمخيم ناحية سلقين، وقد بلغ عددهم ٨٦٨/١١نازح، وبلغ عدد العائلات 1978عائلة، هذا ما صدر عن وحدات تنسيق الدعم Acu في تقريرها عن أحوال النازحين من ريف حماة الشرقي ومن ريف  إدلب الجنوبي.

بالإضافة إلى أن الكثير من العائلات تعرّضت للنزوح أكثر من مرة، منهم الحاج أبو لؤي الذي نزح سابقاً من مدينة حلب، وقد فضّل الصمت بسبب الحالة المزرية التي ألمّت بأسرته من جديد مكتفياً بالقول: أعجزت الأمكنة عن اتساعنا!…

أمّا مهند الشاب المعاق يجلس في زاوية المكان والأسى يكلل وجهه، يقول مناجياً ربه: “يارب كن معنا والله فقدت عائلتي منذ عامين إثر برميل سقط في بيتي، والآن أعيش وحيداً بما يجود به أهل الخير علي؛ ولكن لا طاقة لي بالنزوح رحمتك يا ربي وسعت كلّ شيء”.

بعد الاستماع لمآسيهم قامت النسوة وبالتعاون مع المجلس المحلي بتنظيف البيوت المخصصة للنازحين وفرشها، وقيام بعضهن بطهي الطعام لإطعامهم بعد رحلة الخوف التي مرّوا بها، أما الرجال فعملوا على تركيب مواقد التدفئة، وقدّم أهل القرية لهم كل ما يحتّمه عليهم الواجب الإنساني.

حالة إنسانية تطلبت تكاتف الجميع للمساهمة في حلّها ومنهم مختار القرية الذي يهدّأ النازحين بقوله: “بيوتنا جميعاً مفتوحة للجميع؛ لنا ما لكم وعلينا ما عليكم، واعلموا أن الله فارج الهمّ والكرب”.

أماني ابنة العاشرة تقول وهي ترتجف برداً: “أمي أنا جوعانة، لم آكل منذ البارحة والله جوعانة” تحتضنها والدتها نعم سأطعمك صغيرتي، وانفجرت الأم مناجية ربها:    

ألا من معجزة إلهيّة تعيدنا إلى بيوتنا وقرانا وأرزاقنا؛ وتوقف رحى الحرب الدائرة التي كرهنا استطالة آلامها وأحزانها…

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر وحدت تنسيق الدعم
قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend