جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

حب متأخر

بلال أمين الخضر

من حيث المبدأ.. نحن متساوون في الحقوق والواجبات، بل في ساعات المكوث في البيت أيضاَ.. فوضعي الحالي لا يتطلب مني الخروج اليومي إلى العمل، ولا الالتزام بالجلوس خلف المكتب من الثامنة إلى الثالثة كالموظف المعتاد، فغالباً أقضي نهاراتي في البيت، الزوجة تفكر في طبخة العيال، وأنا أفكّر في طبخة مقال ما.. أو قراءة كتاب ما…

هذا الجلوس الطويل كشف لي عن أهمية «ظل الراجل» في البيت، فعندما يحضر الأولاد من المدرسة ينحنون نحو اليمين إلى المطبخ بحثاً عن أمهم، ولا ينحنون إلى اليسار حيث مكتبي بحثاً عنّي، رغم أن مكتبي مقابل للمطبخ تماماً، لا أتوقّف كثيراً حول هذا «التطنيش»، أحياناً أسمع أمهم تقول لهم: «سلمتوا على أبوكم؟.. روحوا سلموا».. بين هذا الطلب وتنفيذه يستغرق الأمر من ربع إلى نصف ساعة، ولا أتوقف كثيراً حول هذا «التطنيش» أيضاً.. فالدنيا زحمة، والطرق المؤدية من المطبخ إلى غرفتي تشهد ازدحاماً مرورياً كبيراً، بسبب «حلة المدارس»، وقد يستغرق منهم الوصول إليّ وقتاً أطول.. في نهاية المطاف يصلون نحوي فرادى وبقبلٍ باردة ممزوجة بطعم الشيبس الحار وعلكة الفراولة، بعد أن يكونوا قد أكلوا ما أحضروه معهم أثناء عودتهم من مدارسهم.

الخميس الماضي، وفور وصول أكبر بناتي، خرجت بالصدفة من مكتبي لأرتدي سترة من غرفة النوم فوجدتها تقف في المطبخ تهمّ بمناولة «الست الوالدة» شيئاً ما، وعندما رأتني تراجعت وأخفته خلف ظهرها، فأكملت طريقي دون انتباه وعند العودة ضبطتها وهي تضع قربها «إصبع شوكولاتة» فاخراً قد اشترته لها من مصروفها، وعندما رأتني خجلت مني ولم تعرف كيف تتدارك الموقف، ثم بعد ثوانٍ حاولت أن تخرج من جيب بنطالها «الجينز» حلوة على «ليمون» كانت ملتصقة في قعر الجيب بالكاد أخرجتها، وعليها بعض قطع المحارم محاولة إهدائي إياها شكرتها وأعدتها إلى جيبها..

أنا لا أتوقف كثيراً حول هذا «التمييز العنصري»، صحيح أن الشوكولاتة التي اشترتها لأمها لذيذة جداً، ونفسي فيها إلى هذه اللحظة، لكنني لا أنزعج من ميلهم كل الميل نحو أمهم، فقد كنا مثلهم وأكثر، رغم كدّ الأب وسفر الأب وتعب الأب وحنان الأب، إلا أن الجنوح يكون نحو الأم، وهذه طبيعة فطرية لا نتحكّم فيها!

الغريب أن الأولاد لا يكتشفون حبّهم الجارف لآبائهم إلا متأخراً، إما بعد الرحيل، وإما بعد المرض وفقدان الشهية للحياة.. وهذا حب متأخر كثيراً حسب توقيت الأبوة.. الآن كلما تهت في قرار، أو ضاق عليّ طوق الحياة، أو ترددت في حسم مسألة.. تنهّدت وقلت: «وينك يابي».. لو أعرف أن العمر قصير إلى هذا الحد، لكنت أكثر قرباً منك!
رحم الله والدي واهليكم جميعا…

 

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر جريدة أبواب 
قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend