جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

تحديات الذات في هيجان الثورات

سماح هدايا-2018 / 1 / 11

الثورات والانتفاضات الجماهيرية:

من الذي سيدافع عن الشعب السوري ويدعمه في مشروع ثورة الحرية ؟
فظاعة الحرب وفداحة الخسائر البشرية خطب عظيم؛ لكنّ امراً هائلاً يقف مقابل هذا الخراب؛ وهو الحياة. إيمان البشر بأنفسهم ويشرعيّة قضيتهم، وشجاعتهم في المقاومة سيكون قوة للبناء حتى من هدم الأرض؛ فالاستجابة للحياة مبنيّة على الصراع لمكافحة الفشل وإنجاز النجاح.

مازالت تبعات الثورة السورية، حاضرة بقوة في سوريا وخارجها، في الذهنيّة والواقع، تتمدّد وتتعمّق كاشفة، عورات المجتمع والواقع السياسي والحقوقي القائم عربيا ودوليا، على الرغم من كثافة الفوضى والمأساة اللتين أحاطتا بها. وهو ما سيكون له عواقب بالغة الأثر في الواقع والتاريخ القادم؛ فربيع التغيير مثل زلزال أهوج في أرض مضطربة، يزيد الحرب شراسة، فيتكاثر الأعداء، ويتقلّب الأصدقاء المتقلقلون وتتضارب المصالح في تزعزع متواصل للقيم. الحرية كقضية جوهرية للثورة في مناهضة الاستبداد والاستعباد، مطلب وجودي؛ بذل الشعب السوري لأجله الدماء السخية، لذلك هو وحده القادر على صون قضيته والدفاع عن ذاته، والذود عن أرضه، لكي ينهض ويتحرر، ويحقق رؤيته السياسية المستقبلية. لكن كيف؟

التّغيير يتطلب زمنا لاستيعاب المستجدات، صحيح أن سبع سنوات من الدماء و الفرقة والتفكّك ثمن كبير؛ لكنّه ضريبة الجهل والفرقة، وجزء من النهوض. عملية النقد جوهرية، وليست بالأحكام السلبية والتحقير، لأنّها تحيّز ضد التغيير وضد الحقيقة، خصوصا، حين تستخفّ بالتضحيات، وتفرغها من محتواها الإنساني والنبيل، وعندما تعمّم أوصاف الخيانة والغدر، لخلق حالة من الخزي والذنب؛ كأنْ، لا جدوى من الثورة ولا إخلاص أو صدق في صفوف أبنائها، مجرد خسائر وإخفاقات ونذالة. وليس، أيضا، بالأحكام العاطفية المثالية التي تنساق وراء تبجيل المعركة مثاليا؛ فتقدير الثورة موضوعيا وواقعيا ، يقاس بالوعي، وبالرؤى التي تنشئها لمصلحة المجتمع، وبما تنجزه من رسالتها وقضيتها.

لتمكين مشروع الثورة السورية السياسي؛ فإن بعض الملاحظات تبرز من افتراض أنّ فوضى العقل والفكر والقيم عوّقت في مسار الثورة وأضعفت إنجاز إنتاجٍ معرفي عصري تبني عليه حراكها الثقافي والفكري وتحقق شرعيتها.

لماذا لم تحدث الاستدارة في الأفكار وكيف يمكن ان تحدث؟

الاستيلاء على السلطة السياسية غير كاف لانتصار مشروع تحرّري؛ الأمر يتعدّى ذلك إلى ثورة شاملة في النظام الاجتماعي الكامل، وإلى تثوير المفاهيم والافكار المتعلقة بالقضايا الاجتماعية والثقافية والسياسية. ولأنّ المنظومات التي كانت سائدة في المجتمع السوري من دينيّة وعلمانية وشيوعية وقومية، قد فشلت في تكوين نظام فكري حيوي منتج اجتماعيا، بما يفيد المجتمع ويلبي احتياجات الناس ويستجيب لتطلعاتهم ويبحث في حلول مشاكلهم الواقعيّة؛ فإنها تحوّلت مع الثورة إلى عبء ثقيل وجزء كبير من تعقيداتها. وبالتالي، لم يتشكّل في خضم كفاحها ودمائها، ذلك الإبداع الذي يحدث تميزا اجتماعيا وتمايزا في هويات الأفراد وفي هوية المجتمع، مما انعكست آثاره السلبية عميقا في تمثيل الثورة السورية فكريا وسياسيا وثقافيا.

الطبقة الفكرية القديمة من أحزاب ومشايخ ورجال دين ومثقفين، وما انضم إليهم بعد الثورة من مثقفين جدد سطحيين ضحلين أفرزتهم المنظمات التنموية والسياسية والوسائل الإعلامية الجديدة، تصدّرت منصّات المشهد الثوري، بأبواق الأدلجة، وانجذبت لاحقاً لتبعيّة القوى الدولية وأصحاب النفوذ، التي استخدمتها في الحرب؛ فاتسعت فوضى العقل وتعمّقت المشاكل الفكرية والاجتماعية واتسعت الهوّة بين الفئات الاجتماعيّة، بمزيد من الشللية والجماعاتية التي التبست بالعنصريّة.

واستشرى العمل بكثير المنظمات ومراكز البحث والجرائد والمواقع إعلامية ومواقع الدراسات، لكن، جاء انتاج عمومها سطحيا، يناسب الاستهلاك السريع، ويسهم في تنشيط النزاعات، مقتصراً على مهمات منهجيّة محدوودة ومؤقتة، بحسب رغبة المانح والراعي، خصوصا عند رصد الرأي والتوثيق. لذلك أخفقت حراك النخب السياسية والثقافية في إدارة أفكار الواقع الجديد بعد الثورة، وفي إنشاء منظومة سياسية بطابع مؤسساتي حرفي، يلائم تطلعات الثورة في الحرية والعدل فلم تحدث الاستدارة في الأفكار مثلما حصلت في الأحداث السياسية.

لكنّ قوانين التغيير الاجتماعي تفرض على المجتمع تطوير الرؤى والأفكار؛ فمآسي الحروب التي تزيد في حالة الفوضى؛ تقوم من جانب آخر بتفكيك البنى التقليدية القائمة، لإتاحة الفرصة لمجالات التفكير الجديد، خصوصا عندما يجد الإنسان نفسه في مواجهة محبطة لحقيقة ما اعتاد عليه من أفكار أثبتت الظروف عدم صلاحيتها؛ فتظهر أسئلة مصيرية ووجودية، وتاريخية، لم تكن مطروحة بهذه القوة والوضوح والدقة قبل الحرب، فيصبح على الإنسان والمجتمع ابتكار الحلول والإجابات، وهو ما يحيي أفكارا حديثة وطرائق تفكير مختلفة بدماء جديدة. لذلك وعي الذات ووعي الآخر وفهم الواقع بموضوعية أهم أصول التغيير.

وعي الذات عندما أعرف نفسي أعرف كيف أحارب العالم:

    • الثورة أظهرت إشكالية متعلقة ببعض المفاهيم والمصطلحات التي كانت سائدة في الثقافة، وكشفت عن الاعتبارات المصلحية والانتهازية في تأويلها وتبنيها :
      من عروبة اصطفت بعض فرقها لتأييد حراك الجماعات القومية غير العربيّة المعادية للثورة السورية أو المؤيدة للاتفصال القومي عن سوريا العربيّة، وإسلام اختلط فيه الشعوبي بالباطني بالوثني بمصطلح إسلامي، فجاءت فرق ومجموعات إسلامية تسفك دماء المسلمين في سوريا، بدافع الثأر أو التكفير أو الخلافة. كما انبرت فصائل إسلامية تقاتل فصائل إسلامية في قلب الثورة، بسبب صراعات الممولين. فظهرت ملل ونحل في ثوب الإسلام. وشيوعية اصطفت مع أنظمة دينية وطائفية فاشية، أو مع حكومة موسكو التي ارتكبت حرب الإبادة والمجازر في صفوف الشعب السوري، وعلمانية الأقليات التي تحالفت مع الأنظمة الطائفية والمعادية وشنت حرباً على الإسلام ومسلميه بحجة تسييس الدين. كل هذا حالة تشوه في المعاني والمبادىء وفوضى عقل، تحوّل الفكر من مجموعة نظامية من التفكير إلى مصفوفة عشوائية من الأفكار التي لا تخلو من عنصرية، لانتفاع سياسي اجتماعي ضيق، يوالي من يدعمه.

    • ويضاف إلى ذلك حالة تناقض في مواقف الخطاب بين انتفاخ الأنا، وانخفاض الثقة بالذات. وفي كلا الحالتين، هناك لبس في تقدير الذات الفردية والجمعية، نتيجة الضحالة في وعي التاريخ والذاكرة. فحرب تحطيم التاريخ والذاكرة بالتزييف والمبالغات والفتن والشعوبية، قلّصت مفردة الشعب والوطن؛ لذلك سهل أمام العالم تفتيت السوريين وتمزيفهم، فلو كانت الجبهات واحدة، ولو كان الشعب السوري متوحداً متعاوناً جاهزاً لهذا الحدث الكبير، لما جرى اختراقه من إيران و روسيا وتركيا والغرب عسكريا وسياسيا وإعلاميا وثقافيا بهذا الحجم، ولما تأخر نجاح الثورة واتسعت مساحات الخسائر. أضف لذلك أن ظاهرة النأي بالنفس عن الثورة جعلت فئات من السوريين تتنازل وتستلم لواقع الطغيان والعدوان؛ وتنحاز للقاتل بالصمت عن جرائمه ومجازره وعدوانه ادعاءً للحياد، فاستكملت الشروخ بين السوريين لكي يستمر التفتيت.

 

فهم الصديق والعدو والواقع بموضوعية :

العالم يعمل بمصالحه،. وضع النقاط على الحروف. ضرورة لقراءة الواقع. طريق الحرية واضح، وهو مكافحة العدو؛ فمن سلب الأرض بالقوة لا يردها بالسلام إلا إذا خسر. ومن ذبح وشرد وطرد الناس من أوطانها لا يقبل السلام إلا إذا كان منهزما. لذلك السير وراء السلام مع العدو المستمر في البطش واحتلال الأرض، خيار بلا جدوى. وقد أثبتت السنوات السبع الماضية أن كل محادثات السلام هي هدر للوقت والطاقة وحرف للهدف. سواء في مسار جنيف الأممي أو في مسار أستانة الروسي. وعملية التفاوض مجرد عبث. فهناك موافقة أممية على استمرار الحرب في سوريا، والدليل الحرب القائمة.

  • العدو الحقيقي ليس فقط نظام بشار وأشباهه من الحكام الطغاة، بل من يقف وراء هذه الأنظمة المستبدة الطاغية والمنافقة؛ لذلك تعرّف العدو الذي يحرّك الأعداء مهم كنقطة لتحديد آليّة المعركة وطبيعتها. الأصل في العدوان هو توطيد المشروع الاستعماري من غرب وشرق في المنطقة، ومن أنشأ الأنظمة والكيانات ويدير عملها، وضع الطغاة كأدوات ضاربة؛ لكي يحكم سيطرته. لذلك من الصحيح أن رسم المقاومة بضوء الحقائق، ووضع أفق عمل بناء على أنّ طاقة هؤلاء الأعداء ليست أبدية وتحالفاتهم ليست ثابتة ومصالحهم متضاربة؛ والتكلفة باهظة، وشرعيتهم غير متفق عليها بالمطلق، وبالتالي يجب استنزاف قوتهم حتى تضعف، وتوثيق ما يفضح مزاعمهم، وابتكار الأساليب الحيوية وغير التقليدية لإرباكهم. فالعدو لن يستسلم ولن يتراجع إلا إذا خسر هيبته وتألّم، وفقد شرعيته. تحديد الأعداء أساسي لفهم المخاطر وتوجيه بوصلة العمل، كيلا تتحول البندقية خطأ لأعداء مختارين من داخل صفوف المعارضة وتقاتلهم، بعد تحميلهم مسؤولية المأساة والخسائر. ففي الحرب تشوش واضطراب وتصادم مصالح، أساس المأساة والطغيان في سوريا واضح، سواء بالأعداء المباشرين أو بحلفائهم الظاهرين والمتخفين: الروس الذي يقصفون البلاد والمدنيين والمستشفيات والمدارس والأسواق. الميليشيات الطائفية الإيرانية، التي تخترق الحدود وتمارس القتل والجرائم في أبناء الشعب السوري. النظام الذي هدّ سوريا على رأس شعبها. ودول التحالف التي تقصف أبناء السوريين الأبرياء.
  •  صورة أصدقاء الشعب السوري المفترضين معقدة ومتشابكة ومتغيّرة؛ ومتضاربة، أحياناً،مع توجهات الثورة وأعمالها، نتيجة حسابات مصالحهم، ويدعمون فصائل في الثورة وفق مايناسبهم؛ فالتسليم المطلق بوجود الصديق الدائم حسن النيّة، صاحب الروابط الدينية والقومية وماشابه، غير سليم، الأجدى، في هذه المرحلة الصعبة، العمل ضمن المصالح الاستراتيجية المشتركة. وقد كشفت التجارب أدوارا سلبية للأصدقاء المفترضين بدعم منظمات وجماعات في الثورة أسهم في الفرقة والفتنة، بينما لم يحصل الدعم للإطاحة بنظام الأسد أو إيقاف حلفائه عن شن الحروب، كما ظهر العجز عن تنفيذ الوعود والضمانات، التي وضع سوريون قياديون ثقتهم فيها؛ فخسروا وحمل الشعب هذه الخسارة. الصحيح أنه يجب التعاون مع ألأصدقاء وفق التقاء المصالح الاستراتيجية، لا وفق مصالحهم التي تضرّ بمصالح الشعب السوري.
    أعداء سوريا وأصدقاؤها؛ تشاركوا في حرب على الارهاب، مضامينها غامضة، كأنها حرب خفية بين القوى الدولية المتصارعة وتصفية حسابات، وسعي لاحتكار المصالح والسيطرة. ويقع في الأولويات احتواء ثورات الربيع العربي، وتفتيت المقاومة المسلحة، وتحويل البندقية. هذه الحرب قتلت مئات الآلاف من المدنيين والأبرياء السوريين. يجب التفكير في المصلحة والجدوى والقيمة، قبل توريط مزيد من قوى المقاومة في فصول هذه الحرب.


الخلاصة:

الشعب قام بثورته وسوف تتواصل بالمقاومة وصياغة نظرية فكرية وأخلاقية، ليقوم عليها المشروع السياسي؛ لأنّ الثورات أحداث تاريخية نادرة ذات مغزى،. وتبدأ النظرية بوعي أنفسنا وفهم واقعنا ومرحلتنا، وإدراك العدو والصديق. وهذا الوعي هو الذي يفضي إلى تكوّن مرجعية وقيادة ذات ثقة ومسؤولية منسجمة مع التغيير. الحرية مطلب الثورة السورية، تتطلب تجهيز شعوب مستعدة فكريا وسياسيا وعسكريا للنضال الطويل من أجل تحقيق الحرية وقادرة على إعداد جيل المستقبل.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend