حين شرعت الجدران بالكلام.. (9)

ظلٌّ في المنفى.

تأليف الكاتبة: ريما فليحان

كان من الصعب أن أستسلم لأي صباح جديد لو لم تزين يومياتي أصوات مازن ومنى ولديَّ الرائعين؛  اللذين طالما استوعبا ألمي وقلقي عبر استقرار سلوكهما ودفء عاطفتهما بالرغم من مرورهما بسن المراهقة. و ما صاحب رحيلنا من تغييرٍ مفاجئ وعدم استقرار وابتعاد عن الأصدقاء والأقارب.

أقاربٌ عوّضت عن وجودهم شقيقتي و خالتي وأسرتها الدافئة التي خلقت لي جو العائلة الذي كنت أفتقده كل يوم.

لم يكن من السهل تقبّل مرارة التأقلم لو لم يقف إلى جانبي أصدقاء حقيقيون كانت من بينهم صديقتي بسمة النسور، التي تشاركت معها الهم والسر وتفاصيل حياتية رافقت وجودي في الأردن؛ فخففت عني حرقة البعاد عن وطن سليب وأصدقاء كثر أبعدتهم عني تلك التجربة والحدث.

ولدت في الأردن عشرات الأسر الجديدة من  الأصدقاء السوريين الذين تشاركت وإياهم لحظات  العمل و التعب والفرح والحزن والغضب.

كما تعرّفت على بعض النماذج من السوريين  التي لا تشبه أبداً تلك التي عرفتها وعملت معها في الداخل كانت تسبب لي الخيبة والضعف والقلق لأنها كانت تحمل أفكاراً غريبة لم أعتد على سماعها في وطني. نماذج ارتفع لديها حس الكراهية والانتقام والمناطقية والطائفية والطمع.

ملاحظات ومتابعات شخصية  2011 وما بعده“:

في البدايات النظام بدأ اللعبة بادعائه وجود السلفيين بالشارع ولم يكونوا حينها.

أي حين نزلنا إلى الشوارع، وكان شارعنا ملوّناً بكل ألوان الطيف السوري، ويعرف هذا تماماً من شهد ولادة الثورة مثلي وكان في الشارع وهي الوقائع التي أعرفها حتى خروجي ب 25/9/2011

ثم أكمل النظام روايته ومزاعمه ليبرر القتل الذي كان موجّهاً ضد المتظاهرين السلميين بوجود العصابات المسلحة؛ حين لم يكونوا موجودين وحين كنّا سلميين بالكامل باعترافه وعلى لسان رأس النظام شخصياً.

تكلّم أيضاً عن وجود القاعدة ولم تكن موجودة “حينها أي قبل خروجي من سوريا. وأنا أصف ما قبل شهر أيلول 2011”.

كنّا نضحك من مجرد الفكرة … وكانت الأعلام المرفوعة بالمظاهرات هي أعلام الوطن فقط دون أن يدخل بينها أعلام بيضاء وسوداء.

تكلّم  النظام أيضاً في تلك الفترة واصفاً الثورة بأنها حراك سني  متطرف ضد الأقليات، وكنا نهتف في تلك الأيام واحد واحد واحد .. الشعب السوري واحد.

تمّت منهجة القتل بحق الأكثرية في سوريا وحدهم ليؤجج الصراع المذهبي… ولم يكن لدى ثوار الأقليات بالتأكيد اعتراض على أن يكونوا شهداء. ولكن النظام تقصّد عدم استهدافهم بالقتل إلا ما حصل أحياناً في بعض مناطق الأقليات ومنها السويداء؛ والتي استشهد عدد من أبنائها تحت التعذيب.. كما أن هناك من استشهد تحت التعذيب من مدينة سَلَمِيَّة وقتل أيضاً برصاصهم ومن مات تحت القصف لتواجده في المناطق الساخنة كباسل شحادة في حمص مثالاً (وهو من كان من اليوم الأول في شوارع الثورة مثل الكثيرين والكثيرات من معظم الطوائف).

تكلّم أيضاً عن وجود مقاتلين من دول عربية وتمويل من دول الخليج.. ولم يكونوا موجودين “أيضا حينها”.

كان عدد الضحايا “حينها” 20 إلى 30 في الأيام السوداء والأكثر سوءاً . ولم نكن قادرين على استيعاب ما يحصل أو تقبّله، واليوم يصل العدد إلى 200 شهيد في أحسن الأحوال ونحن نشاهد التلفاز ونتابع ارتفاع الخط البياني لعدد الضحايا.

النظام لم يكن قادراً حينها إلا على استخدام الرشاشات والقنابل والاعتقالات. وكان هذا انتهاك صارخ لم نتمكن من تقبّله يوماً.. واليوم يستخدم الدبابات والطائرات والمدافع وراجمات الصواريخ ويعدم بمحاكم ميدانية بل استخدم الكيماوي أمام صمت دولي قاتل.

النظام تحدّث عن تشرذم المعارضة وعدم قدرتها على تشكيل بديل وسفهها وربطها بأجندات خارجية . كما أنّه صنع معارضات وهمية لتخدم وجوده ونحن سخرنا من أفكاره حينها ، وقلنا: إننا سنتمكن من تشكيل قيادة سياسية تصفع النظام وتوجه له الضربة القاضية “حينها “.

النظام قاد اللعبة إلى حيث يريد الآن، وعلى ما يبدو نحن لم نكن موجودين وكنا غارقين في رومانسية الحلم و قدسية فكرة الحرية.

هل يعلم أحدكم كيف وصلنا إلى هنا… نعم هكذا وصلنا إلى هنا !

جُرَّت البلاد إلى العسكرة فالنظام الذي بالغ باستخدام العنف وأجرم بحق شعبه من أجل هذا  أطلق أيضاً سراح الكثير من سجناء القاعدة والقوى الإسلامية السلفية المتطرفة في شهر حزيران ن عام 2011 و مع بدايات عام 2012  بدأت بعض الدول الإقليمية والجارة بالتدخل بشكل واضح، وبدأت تتعالى الدعوات للجهاد من القوى الإسلامية السياسية السورية التي تغيّر خطابها فجأة من خطاب وطني جامع مؤمن بالسلمية كوسيلة للتغير تبنته في بداية الثورة ،  إلى خطاب يرى في العسكرة الوسيلة الوحيدة لتغيير النظام بقالب ديني. وبدأت عمليات تحويل الثورة بالإعلام الثوري وبعض الإعلام العربي الرديف بشكل مباشر أو غير مباشر من ثورة شعبية إلى ثورة دينية، وتمّ إهمال الحراك السلمي والتركيز على العسكرة بشكل مقصود.

قوى الإسلام السياسي  كانت قد ادّعت أنّ خطابها تغيّر، وأنها تعلّمت من تجاربها السابقة، لكنها في الواقع أرادت أن تدخل الشارع وتستحوذ عليه من جديد من خلال ثلاث أدوات وهي الإغاثة والإعلام والسلاح ومنذ تلك اللحظة بدأت سرقة الحلم وبدأ ركوب الثورة من قوى يحرّكها الحقد والشهوة للسلطة ودول إقليمية أرادت أن تجهض الربيع العربي بوجهه المدني والديموقراطي الذي قد يغري شعوبها وتنتج حرباً أهلية تتعلم منها شعوب المنطقة بعدم تكرار التجربة، أما على الجانب الآخر فقد بدأ النظام باستجلاب قوى طائفية من طائفة محددة بذاتها من دول مجاورة وبدأ بإذكاء الحقد الطائفي وتأجيجه مرتكباً أبشع المجازر ومستخدماً كل أنواع الأسلحة.  وبهذا التقت مصالح الأعداء على الطرفين وخسر السوريون وبدأت الأحلام تتلاشى أمام اتساع لهيب الحرب والمقتلة!

كنا نحاول الحفاظ على الأصوات المدنية والديموقراطية والإصلاح من داخل القوى السياسية وأقصد الوجوه الشابة والأصوات العلمانية أو المدنية التي دخلت العمل السياسي مع قوى المعارضة في الخارج؛ لكن تلك المحاولات كانت تبوء بالفشل بسبب التجاذب والأنانية لبعض القوى السياسية والسلوك الذي قامت به قوى بذاتها لإقصاء وتشويه كل من يقف في طريق مشروعها وسعيها للوصول إلى السلطة. بالإضافة إلى التدخلات الإقليمية والتنازعات فيما بين تلك الدول وبعض الكتل التي تتحكم بها والتي أدّت إلى إفشال المجلس الوطني ومن ثم الائتلاف  .

كما أنّ فشل المجتمع الدولي في إيقاف المجازر بحق الشعب السوري، وإطالة عمر الصراع أضعف الحالة السياسية السورية المعارضة وفتح الباب أكثر للفوضى التي فتحت الباب بدورها لدخول طرف ثالث خطير قدم من دول مجاورة ومنها: العراق وهي تنظيم داعش والقاعدة بما كان يسمى حينه جبهة النصرة، وبهذا وصلت الحالة إلى أوج التعقيد وإلى حالة من خلط الأوراق خدمت كثيراً “بروبوغندا” النظام مع تلاشي الحراك السلمي وتعالي صوت السلاح ذي الأيدولوجيا، ودخول طرف ثالث بأجندة متطرفة قذرة على الساحة السورية وعدم وجود آلية دولية في مجلس الأمن لاتخاذ قرار دولي لوقف المقتلة بسبب الفيتو الروسي .

أخطأت بعض شخصيات المعارضة والقوى السياسية التي حاولت أن تفرق بين تنظيم قاعدي و آخر وكل تنظيم إسلامي يحمل فكر قاعدي رجعي ظلامي. وبالتالي لم تأخذ موقفاً حاسماً عدائياً من تلك القوى المتطرفة التي قضمت البلاد وخنقت الأصوات المدنية أينما حلّت ونكّلت وقتلت كما النظام تماماً.

ومع هذا كان موقف الكثيرين من شخصيات المعارضة معادياً لتلك القوى الظلامية وواضحاً، وكنت بين تلك الأصوات التي أعلنت موقفاً واضحاً بوضوح موقفي المعادي للنظام وحلفائه الطائفيين، موقفاً ضد عسكرة الثورة بالدرجة الأولى وضد أسلمة الثورة ثانياً ومعادياً وضد كل القوى المتطرفة التي بدأت بتدنيس التراب السوري في كل وسائل الإعلام منذ اللحظة الأولى لدخولها الأراضي السورية. ولكن بعض وسائل الإعلام الثوري تعاملت بسذاجة و من منطلق ديني مع بعض تلك القوى فساهمت دون أن تقصد بتكريس “بروبوغندا” النظام وإخافة المجتمع الدولي من الثورة وكل حواملها.

كانت تلك هواجسي التي باتت تسيطر على واقع تفكيري منذ خرجت من سوريا.  فالواقع على الأرض بدأ يتغير حيث بدأ صوت السلاح يرتفع كما ارتفع معه النفس الطائفي، وشَكَّلا معاً تحدياً وخوفاً كبيرين قد يؤديان فيما بعد إلى إجهاض الثورة والحلم أيضاً.

 

إقرأ المزيد:

حين شرعت الجدران بالكلام.. (8)

حين شرعت الجدران بالكلام.. (7)

حين شرعت الجدران بالكلام..(6)

حين شرعت الجدران بالكلام.. (5)

حين شرعت الجدران بالكلام..(4)

حين شرعت الجدران بالكلام…(3)

حين شرعت الجدران بالكلام (2)

حين شرعت الجدران بالكلام (1)

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend