سياسة “ترامب” تنتصر، وخسارة القدس تتجدد

«الولايات المتحدة ستأخذ الأسماء»، بهذه العبارة ترد “واشنطن” على منتقدي سياستها، لكن من انتصر في الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ بعد التصويت بشأن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس؟

الأيام؛ فرات الشامي

سياسة ترامب خارج المألوف…؟!

تخلي “ترامب” عن سياسة بلاده التي انتهجتها بحق القضية الفلسطينية لم يكن خارج المتوقع أو بعيداً عنه، فالفرصة باتت مواتية للاقتناص، إذا ما دققنا النظر في حالة الشتات الذي يعيشه الشارع العربي عموماً، فضلاً عن حكامه.

وعلى الرغم من الاطمئنان الذي تشعر به “الإدارة الأمريكية” التي تصر على المضي بقرارتها، ضاربةً عرض الحائط التداعيات المستقبلية لقرار اعتراف الرئيس الأمريكي “ترامب” بالقدس عاصمة لإسرائيل؛ فإنّ الأجواء تسير ببطءٍ نحو منعطفٍ يقود المنطقة إلى اتجاهٍ يبعدها عن حالة الاستقرار الذي تزعم “واشنطن” رعايتها له.

الحكام العرب في الإطار المألوف:

كالعادة فإنّ ما يقال اليوم عن القيادة العربية لن يخرج عن مثيلاته تاريخياً، بحق ملف “القدس” والقضية الفلسطينية على وجه العموم، وإن كانت سياسة ترامب ضمن المألوف، فمن المنطقي أن تكون التحركات الدبلوماسية العربية على مستوى القادة ضمن ذات الإطار. ولن تخرج بطبيعة الحال عن السياسة المعتادة ما بين عبارات الامتعاض أو القلق، والتنديد شديد اللهجة.

إسكات الشارع بانتصار وهمي:

التوجه إلى الأمم المتحدة عملية قد تبدو ناجحة في هذه المرحلة أتت لضمان حل ناجع لإسكات الشارع العربي، فالخروج بانتصار أمام الشعوب “عملة نادرة”، لكنها هذه المرة حالة ذهبية؛ تضمن للقادة العرب هامشاً للحركة والمواجهة أو السيطرة.

انتصارٌ وهمي؛ لأننا-شعبياً-في حضرة المريض داخل “غرفة العناية المركزة/الإنعاش”، بفضل ما يسمى حق “الفيتو”؛ ما يعني أن التعويل على ميت خطيئة وانتحار سياسي.

“ترامب” يهدد، فما هي التداعيات؟

سبقت الجلسة في الجمعية العامة للأمم المتحدة تهديدات أطلقتها إدارة البيت الأبيض، إحداها على لسان “ترامب” أمام بعض الصحفيين؛ حين ندد بتلك الدول التي وصفها بأنها: “تحصل على ملايين وربما مليارات الدولارات من الولايات المتحدة ثم تصوت ضدها”، مضيفاً: ((إننا نراقب هذا التصويت. دعهم يصوتوا ضدنا. سوف نوفر الكثير من الأموال)).

يضاف إليها ما كتبته السفيرة الأمريكية في الأمم المتحدة “نيكي هيلي” في تعليق على تويتر وبلهجة عنجهية قريبة إلى اللغة الأمنية المستعملة في الدول العربية؛ حيث كتبت تقول: ((في الأمم المتحدة دائماً ما نواجه مطالب بفعل المزيد وإعطاء المزيد، لذلك عندما نتخذ قراراً بناء على إرادة الشعب الأمريكي بشأن المكان الذي سننقل إليه سفارتنا فإننا لا نتوقع من أولئك الذين ساعدناهم أن يستهدفونا. يوم الخميس سيكون هناك تصويت ينتقد خيارنا. الولايات المتحدة ستأخذ الأسماء)).

هذا يقودنا إلى الحديث عن تداعيات جلسة التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة حول قرار ترامب بشأن القدس، والمتعلق بوقف الدعم المالي عن الأطراف المعنية.

بالنظر إلى طبيعة العلاقة التي تجمع بين “واشنطن” وبعض أنظمة الدول التي من المفترض أن يطالها التهديد، فإننا نكون أمام حقيقة تنسف هذه الفرضية تماماً، باعتبار أنها ترتبط بوجود معاهدات أمنية، كما أنّ المساعدات تقدّم ضمن إطار ما يسمى “مكافحة الإرهاب” هذا أولاً؛ ومن جهةٍ ثانية، تعتبر أنظمة البلدان المستهدفة ركائز أساسية لتمرير سياسات أمريكا في المنطقة والعالم.

نخلص للقول بأن “الولايات المتحدة” نجحت حتى الحظة في تلميع تلك الأنظمة أمام شعوبهم، حيث ظهرت قيادة تلك الدول بثياب المتمرد على السيد.

أما بالنسبة لما يثار من جدلٍ إعلامي حول مصير العلاقة التي تحكم “واشنطن” بـ”الأمم المتحدة”، فهي لا تختلف في القياس عن المشهد السابق المتعلق بالأنظمة العربية، حتى وإن ظهرت حالة التوتر، على خلفية انتقادات “ترامب” لدور المنظمة الدولية، وإعلان رغبته وقف المساعدات الأمريكية لها.

الشواهد جميعها تؤكد أن جلسة التصويت، الأنظمة العربية، الأمم المتحدة، مسرحية هزلية، بلا تداعيات، وإنما نحن أمام أدوات لتمرير أهداف خفية، تخدم المصلحة الصهيونية.

أمريكا لا تهزم…؟!

أمريكا لا تهزم… حقيقة سياسية، على الأقل بالنسبة للعرب، أما ما يثار في الإعلام حول النكسة التي انتهت إليها الولايات المتحدة بعد التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة الخميس الماضي 21كانون الأول/ديسمبر الجاري، وبأغلبية جيدة، فإنه لا يشير بالضرورة إلى حالة العزلة، باعتبار أن المجتمع الدولي برمته يسير في فلك “إسرائيل” ويسعى لمحابتها، كما أنّ القرار الدولي الذي تم التصويت عليه غير ملزم وإن حمل بعض الثقل السياسي فهو من باب تطمين الشعوب أو كما يقال “إبرة مورفين” مؤقتة.

لا تخجل الإدارة الأمريكية من سماع عبارة “توبيخ” مستندةً إلى ما يسميه بعض المحللين العرب “صفعة” تلقتها واشنطن في الأمم المتحدة، بعد تصويت 128 دولة لصالح مشروع القرار الرافض للخطوة الأميركية، مقابل رفض 9 للقرار وامتناع 35 دولة عن التصويت.

ما يهم في قراءة المشهد أن “إدارة البيت الأبيض” لا تعير انتباهاً لما يقال بأنها بدت “عارية” أو أنّ هناك “شكوكاً حول مصداقية دورها في عملية السلام”؛ فالعنجهية أمام ضعف الخصوم تدفع لمزيدٍ من العظمة. بالتالي “واشنطن” قادرة على ابتزاز الآخرين –الضعفاء شعبياً-وسلبهم المزيد؛ حتى وإن وقعّوا علناً على معاداتها.

سياسة “ترامب” تنتصر، وخسارة القدس تتجدد:

إدارة البيت الأبيض أوجدت من خلال جلسة التصويت حول ملف القدس شماعة جديدة للتدخل في المنطقة وضرب الاستقرار؛ ما يعني أن “سياسة ترامب” نجحت في المحافظة على البيئة الحاضنة للفكر العدائي لواشنطن أياً كان الطرف أو الجهة التي تحمله، وتركت لها الخيار مفتوحاً والمبرر واضحاً لاستمالة واستفزاز مشاعر بعض المتعاطفين مع القضية، وفتحت الباب موارباً لشحذ المؤيدين للفكر الإرهابي المتطرف، تحت ذرائع متنوعة.

بالتالي، القادم من الأيام لا ينفي أن يشهد العالم أعمال عدائية؛ تستهدف المصالح الأمريكية، ليعاد مجدداً الحديث عن “مسلسل الإرهاب” ومكافحته، والدور الأمريكي لردعه.

بالمحصلة ثمة إدراك شعبي عربي أن نتيجة هذا التصويت لن تسفر عن شيء، بل إنها لن تغير من طبيعة الصراع العربي-الإسرائيلي مستقبلاً.

المشهد في الأمم المتحدة يؤكد أن الإدارة الأميركية سمحت لنفسها هذه المرة تغيير قواعد اللعبة المعتمدة منذ نحو خمسين عاماً، معتمدةً على فهمها الواقع العربي بعمق. وبلغةٍ أخرى ما يجري بحق القدس اليوم لا يخرج عن كونه “ضحكاً على الذقون”، كما يقال في المثل الشعبي الدارج.

واشنطن مدركة تماماً أنّ ما حدث في الجمعية العامة للأمم المتحدة هو انتصار إذا ما قيس من جانبٍ آخر، وقد أعطى التصويت للسلطة الفلسطينية وبعض الأنظمة العربية هامشاً للتحرك لوقف ما يمكن أن يمثل انتفاضة شعبية على مستوىً عربي، ومن جهةٍ أخرى فإنه من الصعب على الولايات المتحدة قطع المساعدات عن بعض الحلفاء العرب الاستراتيجيين، مثل: “الأردن ومصر”، اللتان تعتبرهم شركاء في الشرق الأوسط، ويمكن الذهاب بعيداً هنا بالقول أنّ وقف الدعم عن تلك الدول قد يعني انهيار أنظمتها، فهل يرضي هذا إسرائيل؟ الإجابة حصراً “لا”؛ خاصةً إذا علمنا أن “تل أبيب” لن تضمن وجود أنظمة خادمة لها أو على أقل تقدير أفضل مما هو موجود اليوم.

الواقع ينفي والمصلحة الأمريكية تؤيد ضرورة احتواء “الشارع العربي” لا حكوماته.

للأسف “خسرنا القدس” مجدداً…!!

اقرأ المزيد:شكراً ترامب: القدس لهم حتى إشعارٍ آخر

السفارة الأمريكية في القدس” معادلة مؤجلة إلى متى؟

 

 

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر رويترز الحرة
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend