جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

الأغنية الثورية السورية… أرشيف التاريخ

المزاوجة بين الغناء والشعر الشعبي والتطور الذي وصلت له الأغنية الثورية السورية، ما هي رسالتها للعالم؟

الأيام؛ فرات الشامي

تتسلّل إلى الشفاه خلسةً، وكأنّما تريد الخروج في ذات الوقت مع نبض القلب ودمع العين، خارجةً من عمق الألم كلماتها ونغماتها، تتركنا توّاقين إلى الحرية، وإن غاب عن أذهاننا من وضع اللحن وألّف القصيدة… أهمّية دقائق تلك الأغاني البسيطة هي أنّ الحناجر جهرت بها في الساحات عاليةً…. مقدمةٌ لا بدّ منها، فمن ذاق عرف.

الشعر الشعبي الثوري المغنى:

«الشعر ديوان العرب وعنوان الأدب». أبو فراس الحمداني.

المقولة لا تختلف اليوم بل تتّسع مساحاتها مع ما يرافقها من نغمةٍ تحاكي القلب وتداعب الإحساس، وإن أخذ الشعر يسير باتجاه المقاربة من كلام الشارع المحكي؛ أو ما يسمى اليوم بالغناء الشعبي، فقد استفادت الثورة السورية من تلك المزاوجة بين فنين حضاريين؛ في التعبير عن السخط والفرح والنقد وغيرها، وأتت بما يخلد يوميات حراكها.

ابتدع الحراك الثوري السوري حالةً سلميةً فريدةً من نوعها، ولم تخلُ ساحةٌ من تلك الظاهرة التي انتهت مع تطور المشهد وعسكرة الثورة، وإذا كان للعرب اهتمامهم بالشعر لتدوين الأحداث المفصلية في حياتهم، فقد برز “الغناء الثوري” كواقعٍ مماثل، ترك أثراً في أفئدة الشارع المعارض، ما يدفع بالقول اليوم: ليت تلك الأيام تعود سيرتها الأولى من النقاء.

الطرب الشعبي كظاهرة ثورية:

الطرب هو الفرح والحزن… وهو خفةٌ تعتري عند شدّة الفرح أو الحزن والهم، وقيل حلول الفرح وذهاب الحزن، ويقال طرب فلان في غنائه تطريباً إذا رجعّ صوته وزّينه والتطريب في الصوت مدُّهُ وتحسينه”.ابن منظور.

ربما تُفسّرُ تلك المقولة بدقةٍ أكبر فيما لو حاولنا النظر إلى خفة الحركة المرافقة للغناء الثوري في سورية زمن التظاهرات السلمية، وكيف كانت تجمع بين الفرح والحزن حقيقةً في قالبٍ وطني تألفه النفوس.

المتأمّل في مشهد الشباب تتشابك أيديهم في الساحات، يرقصون طرباً على وقع كلامٍ ينشدُ الحرّية والديمقراطية التي يريدون يخرج كأنّما يقول ما بداخلهم من مطالب، يدرك تماماً كيف باتت المعادلة الثورية لا تنفكُّ عن محاكاة “أرواحهم المتمرّدة على الظلم”، تخرجها ظاهرة الطرب التي ألفتها آذانهم، وهفت إليها القلوب.

الأغنية الوطنية زمن البعث والتحول الحقيقي بعده:

استطاع “حافظ الأسد” منذ مطلع الثمانينات، صياغة قالب جديد للأغنية حين ربط بين الوطنية وشخصه، وجرّدت تلك المرحلة النص الغنائي من معناه الوطني، محولةً إياه إلى أداةٍ تمجد “القائد الملهم”.

الأغنية الوطنية زمن حكم البعث-الأسد شهد تراجعاً حقيقياً، لكن ذاكرة الناس احتفظت باللحن والنص، لتأتي لحظة الانفجار، فتحطمت تلك المعادلة في ساحات الحرية.

ومع تلك اللحظة بدا وجود نقطة تحول جذري، لم يكتب لها الاستمرار والدوام بفعل التبدل الذي طرأ على حراك السوريين ونقلهم إلى مرحلة المواجهة العسكرية، وهمجية القصف التي ألغت ذاك المشهد التاريخي.

الأغنية الثورية تدوين التاريخ والحراك الشعبي:

أغاني الثورة السورية جزءٌ من تاريخ الحراك السلمي النقي، واكبت الحدث منذ الشرارة الأولى، لتكون الهتافات مغذّيةَ الأرواح، وملهبةَ الحماس الجماهيري، حيث برز صوت وكلمات الفنان “سميح شقير”؛ لتؤرّخ للمشهد في “درعا” بأجمل ما يمكن أن يقدم من نغمٍ وكلمة تداعب أوتار الفؤاد، حتى أنّ الدمعة لو جلست تردد الأغنية لن تخجل من شق طريقها على الوجنتين.

يا حيف سميح شقير

وتحمل أكف الثائرين توابيت رفاق الدرب والساحة، لتخلد الأغنية واللحن هذا المشهد مجدداً مع حنجرة “سميح شقير”، وعوده الذي لم يصمت، وبقدرٍ من خشوع كما يقول.

سميح شقير -رجع الخي

ليس بعيداً، حماة تدخل الحراك ويهتف “إبراهيم القاشوش” أمام الجموع المحتشدة، وبعفوية يردد خلفه الشارع، وتصبح حنجرته الموسيقى البديلة، التي أرقت نظام الأسد ودفعت بمخابراته إلى استأصلها. ويصبح بعد مقتله ظاهرةً قتلت المواربة السياسية والخشية التي استترت الأغنية خلفها وقتاً من الزمن.

إبراهيم القاشوش ويلا ارحل يا بشار دقة عالية2011 6 27

إبراهيم القاشوش: سوريا بدا حرية

الفنانة السورية “أصالة نصري” التي وقفت متضامنةً مع مطالب المتظاهرين ضد نظام الأسد، وهي التي استخدمت مخابراته أغانيها أثناء تفريق المتظاهرين؛ كتلك التي تقول فيها: “حماك الله يا أسدُ”، تخرج لتقول للثوار: ((ليتني معكم لأصرخ “حرية” بكل صوتي، ولو كانت تلك آخر كلمة سأنطق بها، ليتني معكم لأنادي الله بنفس يختزل كل إيماني، علّنا نخترق بأصواتنا أسماعهم فيخافون)).

الثورة أوجدت رموزها، وكذلك الأغنية الوطنية، فصار لكل مدينةٍ دخلت الحراك السلمي “قاشوشها” أو “عندليبها”، واستخدم الشارع المنتفض موروثه الشعبي لخدمة الأغاني الوطنية.

تلاقي الفن الثوري البسيط مع التطور الموسيقي:

موسيقيون بأسماء لامعة وقفوا مع قضية الشعب السوري، وكانت لهم رؤيتهم في صناعة أو إعادة إنتاج بعض تلك القصائد الشعبية الثورية المغناة للحرية، وبمفردات موسيقية متطورة وحديثة، منهم العازف والمؤلف الموسيقي الشهير “مالك جندلي” ابن حمص.

“الجندلي” عمل على تأليف سمفونية ثورية، مستمداً لحنها من إحدى أغنيات الثورة المعروفة؛ والتي كان يرددها “إبراهيم القاشوش في مظاهرات محافظة “حماة”.

مالك جندلي حرية سيمفونية القاشوش

حتى “موسيقا الراب” دخلت منذ مطلع الحراك الثوري في العام 2011، عبر أغنية تحمل عنوان: “بيان رقم واحد” مركزةً كلماته على انتقاد سياسة الأسد في التعامل مع المتظاهرين، منتقدةً ما يروج له إعلام النظام السوري من “الفتنة الطائفية”؛ تقول كلماتها: ((بيان رقم واحد… الشعب السوري ما بينذل… بيان رقم واحد أكيد هيك ما حنضل… بيان رقم واحد من حوران هلت البشاير)). والملاحظ استفادتها من هتافات الشارع الثائر.

راب بيان رقم واحد-سوريا ثورة حتى الحرية

شكلٌ آخر من الغناء الثوري قدمه مجموعة من الشباب تحت اسم “اتصال من مندس”، عرضوا فيها بطريقة ساخرة مواجهة نظام الأسد للشارع المنتفض ضده. ولعلها فضحت مبكراً توجهات النظام السوري الطائفي حيث تقول كلمات الأغنية: ((قتّل..قتّل بالشعب بتحب تثير الطائفية واتقللي أجندة خارجية وتدحش بندر بالمعيّة)).

اتصال من مندس

أصبحت تدريجياً لتلك الأغنيات صدىً كبيراً في قلوب الشارع الثائر، لما حملته من لحنٍ يحاكي الأفئدة، وتقاطعت أيضاً مع موروث السوريين الشعبي، كتلك الأغنية التي قدمها “وصفي المعصراني”، والتي يقول فيها: ” سكابا يا دموع العين”.

سكابا يا دموع العين:

أو تلك التي يقول فيها المتظاهرون: ((عالندا الندا الندا، يا بشار مانك أدَّا))

أما في حمص فقد قدم الثوار أغنية: “حانن للحرية حانن… ويلليبيقتلشعبوخاين”.

توقفت تلك الموجة الغنائية بعد انتقال الحراك السلمي إلى العمل المسلح، وتلاشت تدريجياً تلك الحالة الثورية؛ لتعود مجدداً إلى الظهور في الرابع من آذار 2016، فيما يسمى ” جمعة الثورة مستمرة”.

الملفت أن الأهازيج لم تختلف عن سابقاتها في العام 2011، وعلى سبيل المثال صدحت حناجر الثوار في تلبيسة بأغنية ” نحنا الحمصية، نحنا الحمصية، ودِّينا الأسد عالعصفوريَّة”.

كلُّ شيءٍ تغير مع الحراك السلمي السوري، فهنا لا مجال للأمن بالتدخل في كلمات الأغنية على سبيل المثال، بل لا تحتاج إلى ترخيصٍ لتصدح بها في الطرقات، ويرددها خلفك جمهورٌ واسع، يؤكد المشهد ذاك أنّ الثورة بدلت الواقع، وعبرت نحو المستقبل بحرية.

أغانٍ ثورية تحاكي الموروث الفلكلوري السوري:

أغانٍ حكت وسجلت المشهد بالنغمة الثائرة، ومعها أيضاً تعرّف السوريون على تراثهم وإرثهم الشعبي الموسيقي؛ كلٌّ حسب منطقته ولهجته، وانعكست واضحةً هويته، ورحلت إلى مختلف المحافظات السورية، دون أن تجد اختلاف اللهجات عائقاً. في درعا هتف الناس “يا حمص حنا معاكي للموت”، مقدمين لحناً من التراث الحوراني.‬‬

درعا حي السبيل يا حمص حنا معاكي للموت

لا سنية ولا علوية… سورية وحدة وطنية… إحدى هتافات أبناء مدينة دير الزور بتاريخ 24/6/2011م، ترسخ المفهوم الوطني والوعي الشعبي السوري وتفند ادعاءات نظام الأسد الذي روّج لمقولة “إرهابيون طائفيون”.

أجمل هتافات دير الزور لكل سوريا الحرة 24-6-2011م

الحزن يسود اللحن والكلمة:

الجانب الذي اختصت به الأغنية الوطنية/الثورية السورية غلب عليها _للأسف-الحزن؛ الذي صبغها وأُلبِست رداؤه، كنتيجة واقعية لكمٍّ من الفجائع الذي صدمت الشارع السوري المعارض.وهذا أمرٌ طبيعي لا يخرج عن المألوف ونتيجة التأثر بالواقع، وانعكاسه على اللحن والكلمة.

تلخص كلمات أغنية “يا حيف” معاني تلك الصدمة الأولى ففيها نسمع: “وأنت ابن بلادي، تقتل بولادي، وعلي هاجم بالسيف… يا حيف”.‬‬

كذلك لوعدنا إلى الإنصات لكلمات أغنية “سكابا يا دموع العين”.

شريك الثورة:

على الرغم من توقفها مجدداً إلا أنها تاريخٌ يكتب للأجيال القادمة أن “الفن والموسيقا شريك الإنسان، شريك إنسانيته، ومطالبه العادلة، صوت ضميره، يسير معه، برفقته، ويحاكي مشاعره، يثور معه بصورةٍ طبيعية.

وإن كان الزواج بين الفكر والقلم صاحب الدور الهام في التغيير، فإن أغانٍ وطنية عرفتها ساحات الحرية في سورية تشهد بأنّ “الأغنية الثورية شوكة في حلق الأنظمة المخابراتية”.

بوضوحٍ أكثر؛ الأغنية الثورية السورية… أرشيف التاريخ.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend