جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

إسرائيل: “الحرب المؤجلة تكتيكياً/ Tactically delayed war” متى تبدأ؟

تحركات إسرائيل تؤكد أنها طرف أساسي في المعادلة السورية، وإن بدت بعيدة؛ ما هي احتمالية نشوب حرب على حدودها، وهل ثمة قدرة لدى “طهران” للدخول في معركة دفاعية عن وجودها؟

الأيام؛ فرات الشامي

ملامح حسم الملف السوري بدأت تتبلور وتقترب من اللمسات الأخيرة، زيارة الأسد إلى موسكو، وشكل تلك الزيارة، إعلان “بوتين” من “حميميم” اليوم الحادي عشر من ديسمبر/كانون الأول بدء انسحاب قواته من سورية، إضافةً لغيرها من المؤشرات في الشمال السوري التي تؤكد أن “الجولاني” متزعم “هيئة تحرير الشام” يحاول الانخراط في عمل سياسي، بمباركة “أنقرة”، بعد أن بات متفرداً بالمشهد على الأرض.

إسرائيل معنية بشكل التغيير القادم في سورية، ويعنيها الحفاظ على أمنها القومي وضمان استقرار حدودها الجغرافية، وإن بدا وجود تباين بين موقفي تل أبيب وموسكو من الوجود الإيراني.

سياسياً تعتبر الضربات الإسرائيلية المؤلمة لنظام الأسد بين الحين والآخر، مجرد رسائل للتعجيل في إعطاء ضمانات مستقبلية للكيان الصهيوني لإزالة الخلاف. ويشير أنّ “تل أبيب” تراقب عن كثب وتضرب التحركات التي لا تتلاءم مع أمنها.

معظم التحليلات تسير باتجاه القول بوجود مساعٍ إسرائيلية لإنهاء ملف التواجد الإيراني على حدودها في لبنان وسوريا، ما يفتح الباب على التساؤل حول احتمالية نشوب حربٍ بإدارة مباشرة من “تل أبيب” في وقتٍ قريب.

اقرأ المزيد: الأيام السورية: لهذه الأسباب تسعى إسرائيل لقصف جمرايا بصورة متكررة

على الطرف الآخر بدا أن القيادة في “طهران” لا تدفع باتجاه حربٍ مع “الصهاينة” عبر ذراعها المتآكل “حزب الله”، باعتبار تركيز قوته الآن داخل الأراضي السورية، ما يعني أن انخراط الحزب في معركة أخرى سوف يقوض وجوده وينهي “بيت العنكبوت الوهن”.

ثمة مبدئياً أولوية لدى “إيران” تتمثل في عملية التفاوض مع الشيطان الأكبر؛ الولايات المتحدة الأمريكية –كما تسميه-والمتعلقة بأمنها القومي، ومع توسع رقعة هلالها الفارسي في “اليمن”، ومطامعها في “الخليج العربي” عامةً، فإن ذلك يمنعها مؤقتاً من الدخول في صراع مع الكيان الصهيوني.

الإحجام الإيراني عن التصعيد مع الصهاينة، وعدم الدفع بميليشياتها على الحدود الفلسطينية، أعطى “تل أبيب” مساحة للتحرك أكثر واستغلال الوقت؛ لذلك يبدو أنّ “شهية إسرائيل” لإنهاء تواجد “حزب الله” ذراع “إيران” تسير بخطوات دقيقة وعملية مكشوفة.

الطرف الإسرائيلي مدرك أيضاً أنّ المعركة مؤجلة؛ ويتعامل مع ذلك بدراية كاملة، عبر ضربات جراحية سريعة ودقيقة، مستغلاً الانشغال الإيراني بملفات متشابكة إقليمياً.

كما أنّ معظم الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مراكز حيوية إيرانية موجودة في سورية، أو تلك التي طالت كوادر لـ”حزب الله” و”الحرس الثوري الإيراني”، بدا فيها قوياً، وفرض على “طهران” التأني في الرد، حيث أن توقيت الاستهداف أياً كان مكانه أو نوعه تختاره “تل أبيب” بعناية؛ تمنع المغامرة الطائشة بالتصعيد.

مؤخراً جددت “إسرائيل” استهدافها لـ مركز الأبحاث العلمية في جمرايا ” قرب العاصمة السورية دمشق، وسبق أن تم استهداف المركز مرتين في عامٍ واحد يناير/ كانون الثاني 2014، كذلك في مايو/ أيار من ذات العام.

الضربات الجوية الإسرائيلية ليست وليدة حالة الفوضى في سورية، إذ يمكن العودة بالذاكرة إلى العام 2007 وتحديداً في سبتمبر/ أيلول حيث استهدف الطيران الإسرائيلي مفاعل نووي سري، طور البناء في دير الزور شرقي سورية. وتم تلقي ذلك بتصريحات وامتعاض كلامي وإعلامي بلا قيمة أو أثر على الواقع.

الفارق بين الضربة الأخيرة التي وجهتها “إسرائيل” لمراكز عسكرية في سورية، وبين الضربات السابقة عموماً هذه المرة، هو عدم المواربة بل الاعتراف الواضح، وليس الضمني من طرف “تل أبيب”، وهذا ما لم نعتد عليه مسبقاً.

أكذوبة حرب إسرائيلية على النظام السوري ومعه حليفته “طهران”؛ منفية جملةً وتفصيلاً؛ مؤقتاً فقط، فما نزال في طور مشاهدة عمل مسرحي مكتمل الأركان والفصول، بإخراجٍ روسي سخيف

التطور اللافت أيضاً تمثل بقيام دفاعات نظام الأسد باعتراض الطائرات الإسرائيلية بصواريخ أرض-جو؛ وهي خطوة تعتبر الأولى من نوعها بعد سنوات طويلة لم يخرج فيها نظام الممانعة سوى بعنجهية كلامية وعبارة مكررة بأن «الرد سيأتي في الزمان والمكان المناسبين».

لا يمكن قراءة هذا المشهد، وتحديداً في هذا التوقيت إلا باعتباره نوعاً من الـ “بروباغندا الإعلامية”، ومحاولة جديدة لإعادة إنتاج مقولة “نظام المقاومة والممانعة”، وإلباسه رداء القوة أمام مؤيديه. بالتالي، ليس هناك تغيير في التكتيك العسكري الذي يتبعه النظام السوري اتجاه “إسرائيل” أو العكس.

ليست إيران وحدها بعيدة عن وارد الانخراط في مواجهة مباشرة مع “إسرائيل”، كذلك النظام السوري، وكلا الطرفين يدرك أن الدخول إلى سعير الحرب لن تحمد عاقبته، فالمعركة ذات بعد وجودي لكل الأطراف، وميزان القوى مختل.

إسرائيل لا تزال راغبة ببقاء “بشار الأسد” في الحكم وفق النموذج الذي كان عليه على مدار السنوات الماضية. ما يؤكد أنّ المغامرة في خسارة تل أبيب والتصعيد يعني التنازل الفوري عن سلطة وجود “إيران-الأسد” على الأرض السورية؛ حتى ولو بعد حين.

كما أنّ أي عمل عسكري –حقيقي-اتجاه “الكيان الصهيوني” سوف يعني تعريض نظام الأسد لضربة نوعية ستوفر لخصومه في الداخل فرصة الانقضاض عليه واسقاطه.

أكذوبة حرب إسرائيلية على النظام السوري ومعه حليفته “طهران”؛ منفية جملةً وتفصيلاً؛ مؤقتاً فقط، فما نزال في طور مشاهدة عمل مسرحي مكتمل الأركان والفصول، بإخراجٍ روسي سخيف، ما يؤكد أنّ مفاتيح اللعبة برمتها –سياسياً وعسكرياً-انتقلت من واشنطن إلى موسكو. بالمقابل تحديد زمن إدارة الملف وعودته إلى صانع القرار الأمريكي ما تزال غير واضحة، لكن يمكن القول بوجود تفاهمات سياسية وتبادل أدوار في هذه المرحلة على أقل تقدير.

وبطبيعة الحال “موسكو” لا تمانع من إنهاء أو إضعاف “حزب الله”؛ شريطة أن يكون أي عمل عسكري في الأجواء السورية يسير وفق الإيقاع الذي تفرضه على الجميع؛ بالتالي يبدو أن احتمالية حصول حرب دفاعية إيرانية-إسرائيلية على الحدود السورية، ليس مستبعداً أو قريباً، ويدخل ضمن مسمى “الحرب المؤجلة تكتيكياً/ Tactically delayed war”.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend