جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

شكراً ترامب: القدس لهم حتى إشعارٍ آخر

يبدو أن الأجواء تهيأت، والعقبات تمت إزاحتها من طريق تهويد القدس تدريجياً، فهل نحن أمام ذكاء أم حماقة أمريكية؟!

الأيام؛ فرات الشامي

لم يكن قرار الإدارة الأمريكية الاعتراف بمدينة القدس عاصمة للكيان الصهيوني مستبعداً أو مستغرباً، بل هي ترجمة حقيقية لتعاطي “واشنطن” سياسياً مع إسرائيل. بل إننا نذهب بعيداً في حال تصديق كذبة أنها خطوة مهينة للعرب والمسلمين؛ إذ إن التجربة السابقة بدايةً من هزيمة 1948، ومن بعدها 1967، وإحراق المسجد الأقصى وغيرها ما هي إلا تأكيداً على أنّ “البيت الأبض” سار وفق خطةٍ واضحة.

خطوة “ترامب” تلك تدفعنا بالمقابل للاعتراف بدهاء إدارته، التي استغلت انشغال الشارع العربي بحربه لإزاحة الطغاة، واستماتت قادة العرب في سبيل مقدسهم الوحيد “كرسي العرش، وتيجان الملك”. فالأبعاد الكارثية المحتملة أو التي كانت متوقعة وصل مستوى خطورتها اليوم إلى “صفر بالمائة”.

الخبث الأمريكي تجلى بوضوح هذه المرة، وتميز عن الإدارات السابقة في اقتناص الفرصة الذهبية التي لن تتكرر مستقبلاً؛ مقدماً على إجراءٍ كان في أسوأ الحالات سوف يوصف بأنه استفزازي، ولعل زوال الخوف أو احتمال المخاطرة عجل بالخطوة؛ بعد أن كانت مسألةً مؤجلةً إلى حين.

كما أنّ التحذيرات التي تلاقاها “ترامب” من بعض النخب السياسية داخل إدارته أو خارجها، لم تجد طريقها للإصغاء، فالرجل غير معترفٍ أصلاً بحساسية الواقع والاعتبارات الجيو-سياسية. إذ لا وجود للعواقب المستقبلية في الأرض العربية المتناحرة والمنقسمة، بل لا مكان -جغرافياً وسياسياً-اليوم لاجتماعٍ طارئ لما يسمى “جامعة الدول العربية”؛ فمعظم بلدانها تعيش نزاعاتٍ بين الشارع والسلطات الديكتاتورية.

إجرائياً، كانت عملية تهويد القدس تمر عبر مراحل بطيئة، وحالة تكتيكية-سياسية، تحتاج إلى تريثٍ حصل فعلاً، بهدف توجيه مشاعر الشارع العربي-الإسلامي للرضوخ والتعامل مع المشهد النهائي بلغة فرض الأمر الواقع.

أما من الناحية العملية، فليست الإدارة الأمريكية وحدها من اعترفت بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، إنما هو تحصيل حاصل أمام طغمة فاسدة من الحكام العرب التي تربعت على رقاب الناس بالإكراه الباطل، فكان المقدس عندهم شيءٌ آخر. حتى صدق فيهم وصف محمد الماغوط: «قيمتان تقدسان تقديساً كاملاً من طرف حكامنا؛ الصمود والتصدي: صمود على الكراسي، والتصدي لكل من يقترب منها».

ترامب يستحق عملياً الشكر على خطوته التي عرت تلك الزعامات وفضحت مخططاً مفضوحاً بالأساس؛ وقد أكد للعالم أنه متميز، ومتعطش لتقديم إنجاز يحمل ثقلاً تاريخياً، واعياً بما يقوم أو طائشاً، المفيد أنه لم يكن ليقدم على خطوته تلك لولا وجود صفقة عربية، أو حتى ضوء أخضر وضماناتٍ قدمت في ليل. يعزز ذلك تلميحات وتصريحات وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون: ((لقد أجرينا مشاورات مع عدد كبير من الأصدقاء والشركاء والحلفاء قبل اتخاذ الرئيس هذا القرار… ونحن على يقين بوجود إمكانية لتحقيق سلام طويل الأمد)).

يبقى “ملف القدس” مفتوحاً، وإن حاولت قوى “الشيطان” إغلاقه، فما تزال المدينة رغم كل الظروف التي تمر بالعالمين العربي والإسلامي محور الصراع، ومفتاح السلام.

يبدو أن شعار “حماقة البيت الأبيض” أو “طيش ترامب” باتت في مهب الريح، بعد أن تبين العكس تماماً؛ فنحن تاريخياً أمام استمراريةٍ واضحة لإغفاءة الأمة العربية عن قضاياها المصيرية، وارتماء زعاماتها في سعير “الشعارات” الرنانة ليتم لهم لجم الشعوب.

في قضية “القدس”، خلت الساحة خلال عقودٍ ماضية من المعارضين لتهويدها تدريجياً؛ أمام التغريبة العربية والغيبوبة السياسية التي تعانيها الأمة، كلها شكلت عوامل جديرة برسم خارطة المنطقة على ما ترتاح له “واشنطن-إسرائيل”.

تقويض عملية السلام في المنطقة، خطوة بدأت تسير في هذا الاتجاه، ونسف حل الدولتين الذي ترفضه غالبية الشعوب العربية، صيغةٌ عبثية سبق أن دفنتها حكومة الكيان الصهيوني؛ عبر تحويل المفاوضات إلى مماحكة سياسية.

النتيجة النهائية أن القرار الأمريكي بحق القدس وعملية تهويدها، تكشف إفلاس الزعماء العرب، لكن هل تتيح أمام الشعوب العربية فرصة ذهبية أيضاً للتحرك؟ الأمر شبه مستحيل…!!

شكراً ترامب؛ القدس لهم حتى إشعارٍ آخر، ينبغي أن نكون صادقين مع أنفسنا، وإلى لقاءٍ في وداع عاصمةٍ أخرى، ربما “دمشق” ولا ندرِ لمن…؟!!

اقرأ المزيد: “السفارة الأمريكية في القدس” معادلة مؤجلة إلى متى؟

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر ويكيبيديا ويكيبيديا ويكيبيديا
قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend