جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

الأرواح العاشقة

جمال البشر بأرواحهم وأخلاقهم يأتي الشكل الجميل ليتممّ الجمال الآخر، سامي وهدى قصة عشق أبدية لم تنته بزوال الجمال الخارجي.

الأيام؛ فاطمة محمد

إنسان طيب وبسيط، بنيته قوية وجسده متناسق، وسيم بعيون ملونة ساحرة، إذا نظرت إليه ابتسم طيباً من صفاء نفسه.

في الحرب إذ يدور الناس دوماً حول الموت، تعاشر أرواحاً طاهرة، وتسقط عنهم كل الأدران كما ينسلخ الجلد الميت إذ تحرقه الشمس.

إنه الوسيم الذي أدهش الجميع ببطولاته الحربية حتى وقعت المأساة، ففي إحدى المعارك أشعلت دبابته بقذيفة، فما كان من صديقه إلا أن تسلّق الدبابة وأخرجه؛ لقد كان بحالة يرثى لها، فاقد الوعي، سحبه بعيداً، وأخذ يهيل حفن التراب الرخو على وجهه ورأسه وملابسه حتى يخمد النار، ثم سحبه من حفرة إلى حفرة حتى نقطة الإسعاف، فقلب صديقه وهو يقول: يا إلهي مازال ينبض بالحياة على الرغم من كل الحروق البليغة التي أصابته.

إنها المعجزة الإلهية فقد نجا سامي من الموت، لكن وجهه احترق بشدة، وبعمليات التجميل أعادوا له أنفه وشفتيه وجفنيه وأذنيه، وبعد فك الأربطة عن وجهه بعد أشهرٍ، تطلّع إلى وجهه الذي لم يعد الآن وجهه حتى أنّ الممرضة التي أعطته المرآة الصغيرة، استدارت وأجهشت بالبكاء، أما سامي فقد تمالك نفسه قائلاً: قد يحلّ بالمرء ما هو أسوء من ذلك، وبهذا الوجه أتمكن من العيش.

أخذ الشاب المصاب بحروق إجازة لمدة شهرين متتاليين وغادر القطعة العسكرية ليزور والديه. وصل مع الغسق، أطلّ من النافذة ليرى أمه وبيدها المصباح الخافت أثناء إعداد وجبة العشاء، طرق الباب فصاحت الأم من بالباب؟ أجابها الشاب صديق ابنك أيتها الأمّ الطيبة.

لم تعرف الأم صوته، بل خُيّل إليه أنه يسمعه هو نفسه لأول مرة، فقد تغيّر بعد كل تلك العميات، وأصبح أبحّ مكتوماً غير واضحٍ.

سألت الأمّ عن ابنها: فقال جئت حاملاً التحية للأم من ابنها، وعندما فتحت الباب ارتمت عليه، وأمسكت بيديه.

ابني سامي حيّ يرزق، ادخل يا بني وجلس يحكي لها عن ابنها وعن المعارك التي خاضها وعن إصابته التي سيتعافى منها قريباً على حدّ قوله.

ثم أقبل الأبّ الذي صافحه متنهداً أهلا بريحة الغالي، وأحسن استقبال الضيف وتناول العشاء مع ضيفه والأم تراقب حركات يده، أما هو فقد ابتسم بمرارة وارتعش وجه الأم بألم وسألته عن موعد زيارة ابنها الذي لم تراه من سنة. ثم أعدتْ له الفراش ليبيت ليلته عندهم.

الأم المسكينة تقلّبت كثيراً وقد جافاها النوم، أما سامي أخذ يتقلّب ويقول لنفسه: أمن المعقول أنّها لم تعرفني؟ أمي…أمي!  واستيقظ باكراً كعادته، وانطلق نحو الأم ليسألها عن خطيبته هدى وألح على طلب رؤيتها لإعطائها الرسالة شخصياً.

وبالفعل أرسلت الأم في طلبها فأتت مهرولة تعلو خدّيها حمرة الفرح، وسارعت بالسؤال ما أحوال سامي؟ أنا أنتظر قدومه ليل نهار… خبّره بالشوق الذي يكوي جوارحي، واقتربت منه، وتطلّعت إليه فارتدت مذعورة، وعندئذٍ عقد أمره على الرحيل.

عاد من حيث أتى وهو يقول: لتجهل أمي ما أصابني أما الخطيبة فسأنزع عشقها من جوارحي، وأتناسى خفقان قلبي كلما خطرت في بالي، علّي أتناساها. وبعد أسبوعين تلقّى رسالة من أمه: ” مرحباً ولدي العزيز، إنني أخاف حتى أن أكتب لك، ولا أدري ماذا أقول: جاءنا رسول منك طيب جداً لكنه قبيح، وأراد أن يمكث عندنا ولكنه رحل فجأة، ومن يومها لا أنام الليل ويخيل إليّ أنك أنت الذي زرتنا، وأبوك يوبخني على هذه الأفكار؛ بل ويقول: ” إنني مصابة بالجنون قائلاً: لو كان هذا الشخص ولدنا لكشف لنا عن نفسه، فالشخص الذي يملك وجهاً كهذا يحق له أن يفخر به”.

فردّ على رسالتها في ذات اليوم: ” إلى والديّ العزيزين اغفرا لي سوء تصرفي، نعم أنا ذاك الشخص ولم أعرّف عن شخصيتي حتى تتقبلانني على حالتي، فوسيم الأمس قبيح اليوم وأنا مؤمن بقضاء الله وقدره”.

بينما كان سامي يتمشّى في قطعته العسكرية إذ يقبل أحد الجنود مسرعاً ليقول له: “إنّ أناس في انتظارك”.

أحقاً أحد هنا لزيارتي، وما أن يتم جملته حتى تأتي الأم مسرعة تلفّه وتحضنه بقوة وهي تقول: “سامحنا يا ولدي”  أما الأب يلفّه ويشدد أزره وهو يفاخر بشجاعته وبطولته، وما أن نظر إلى هدى حتى ارتمت في أحضانه وتعانقنه طويلاً وهي تقول: لقد قررت أن أعيش معك إلى الأبد، سأظلّ أحبك بإخلاص، سأظل أحبك كثيراً، إيّاك أن تصدني عنك؛ لأني عشقت روحك قبل وسامتك.

إنها الفطرة البشرية الحقيقية، فلا يعرف معدن الإنسان إلا بالمحن، فإذا حلّت بنا محنة عصيبة ستحوّلنا إلى طاقة جبارة تتصاعد من أعماقنا هي: “مثالية الأرواح العاشقة”.

 

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend