جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

تزايد حالات إيذاء النفس بين المراهقات بسبب الهواتف الذكية

أشارت نتائج دراسة بريطانية حديثة إلى أن هناك زيادة بنسبة 67 بالمئة بين الفتيات حاولن إيذاء أنفسهن، تراوحت أعمارهن بين 13 و16 عاما، بين عامي 2011 و2014.

ومن المحزن حقا تخيّل الأمر ومقدار الألم الذي يصيب الفتيات للدرجة التي تدفعهن إلى تعريض أنفسهن للخطر، ناهيك عن الألم الذي يتكبده الأهل وهم يعيشون لحظات الخوف على بناتهن ولا يملكون القدرة على تغيير شيء.

إلا أن هذه الإحصاءات والأرقام لا تعني بطبيعة الحال أن الشابات والسيدات في أعمار أكثر من هذه بمأمن عن محاولات إيذاء النفس والانتحار؛ إذ أن محاولات الفتيات في عمر 15 إلى 19 سنة في الولايات المتحدة، قد ازدادت هي الأخرى خلال الفترة عينها بنسبة 63 بالمئة في حين كانت النسبة قرابة 22 بالمئة في الفئة العمرية التي تراوحت بين 20 و24 عاما. وفيما يتعلق بالذكور، وجد الباحثون زيادة نسبية في معدلات إيذاء النفس، لكنها ليست ذات دلالة إحصائية عالية مقارنة بالإناث.

وتؤكد جين توينغ، أستاذة علم النفس في جامعة ولاية سان دييغو الأميركية، أن هذه النتائج الإحصائية تشير إلى أدلة تدعو للأسف؛ وهي تزايد قضايا ومشكلات الصحة النفسية بين صفوف المراهقين بعد العام 2010 وخاصة بين الفتيات، بما في ذلك أعراض الاكتئاب النفسي والاكتئاب الإكلينيكي، وقد يرجع البعض سبب هذه الزيادة في حالات إيذاء النفس إلى عدم رغبة المراهقين في الاعتراف بما يعتريهم، بسبب تخوفهم وتحسّسهم من هذا الأمر.

إلا أن الواقع ليس كذلك، مع حرص الباحثين عادة على الحصول على معلومات الاستبيانات بطرق تضمن عدم الكشف عن هوّية المشاركين، إضافة إلى زيادة الوعي المجتمعي بكل ما يتعلق بقضايا الصحة النفسية التي أصبحت تناقش على نطاق واسع وأكثر انفتاحا في وسائل الإعلام والمؤسسات المعنية، خاصة مع بداية عقد التسعينات من القرن الماضي.

ويعرف إيذاء النفس والانتحار بكونهما سلوكين عدوانيين موجهين إلى الذات، وتختلف أسبابهما باختلاف البيئة الاجتماعية والأسرية التي يعيش فيها المراهق، إلا أن هناك أسبابا أو أطرا عامة من وجهة نظر المتخصصين.

وتقدم هنا توينغ، باعتبارها باحثة في هذا المجال، مجموعة من الأسباب بعضها يتعلق بالركود الاقتصادي، حيث خسارة الوظائف، وحتى مع وجود وظائف فهي غير مستقرة في الغالب مع نسب بطالة وصلت إلى معدلات غير مسبوقة، وتأثيرها الواضح على جميع أفراد الأسرة.

إلا أن العامل الاقتصادي لا يعد مؤثرا رئيسا لإيذاء النفس، إذ أن فئة الشباب (بين 20 و24 سنة) هي المتضررة بالأساس في هذه الحالة، في حين أن معدلات إيذاء الذات ترتفع في الفئة العمرية الأقل (بين 10و14 سنة) ومع ذلك، يبدو أن المراهقين أكثر حساسية في حالة وجودهم في ظروف عائلية صعبة أو ممن ينتمون إلى عائلات فقيرة.

وفيما يتعلق بالحياة المدرسية، وجدت الأبحاث أن التلاميذ من فئة المراهقين لا يمارسون واجبات دراسية ونشاطات بالكثافة التي كان يمارسها أقرانهم من الأجيال السابقة، خاصة من المراهقين في عمر 14 سنة وهي الفئة العمرية الأكثر تعرضا لإيذاء النفس، حيث تشير الدراسات النفسية إلى أن المراهق الذي يقضي المزيد من الوقت في كتابة الواجبات المنزلية إضافة إلى ممارسة الرياضة، هو أقل عرضة من غيره للإصابة بالاكتئاب.

وتتصدر الأجهزة الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي قائمة المسببات الأكثر تأثيرا في إصابة المراهقين بالاكتئاب، وطبعا من دون استثناء الفئات العمرية الأكبر، ولهذا دأبت الدراسات على تتبع مستوى انتشار هذه الظاهرة معززة بالأرقام.

ووفق مركز “بيو” الأميركي للأبحاث، فإن ملكية الهواتف الذكية قد ارتفعت بين صفوف المراهقين الأميركيين من 37 بالمئة العام 2011 إلى 73 بالمئة العام 2015، وبحلول العام 2016، بحسب أحدث الدراسات في هذا المجال، فإن معدل حصول الطفل الأميركي على أول هاتف ذكي للمرة الأولى كان بعمر 10 سنوات.

وفي حين ارتفع الاستخدام اليومي لوسائل التواصل الاجتماعي وزيارة مواقع الإنترنت المشابهة من قبل المراهقين من 50 بالمئة من حجم الأنشطة اليومية في العام 2009 إلى 82 بالمئة في العام 2015، فإن المتخصصين يشددون على أن قضاء أوقات طويلة في استخدام الأجهزة الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي على الإنترنت من شأنه أن يعرّض الأطفال والمراهقين، خاصة الفتيات، إلى مخاطر الاكتئاب الشديد وتبعاته مثل محاولات الانتحار، باعتبارهم الحلقة الأضعف نفسيا، وهم في الغالب الأكثر حساسية عاطفية وانسياقا وراء التأثيرات السلبية لهذه الوسائل ممن هم أكبر سنا، حيث تواجه المراهقات أساليب التنمّر والضغوط النفسية التي يمارسها عليهن مجتمع الإنترنت ومنها الاضطهاد، السخرية، ومحاولات كشف الخصوصيات، إضافة إلى الإساءة الجنسية، بمحاولات متكررة لإيذاء النفس بل والانتحار أيضا للتخلص من كل تلك الضغوط والتهديدات.

وبالطبع، لا يوجد دليل قاطع على أن الهواتف الذكية ووسائل التقنية الحديثة هي السبب الوحيد لمحاولات إيذاء النفس، بعزلها عن الظروف الأخرى المصاحبة لها، لكننا لا نستطيع إنكار الدور الكبير الذي تلعبه في حياة الناس والمراهقين خاصة، وجل أوقاتهم التي يقضونها أمام أجهزتهم الخاصة (كمبيوتر) أو هواتفهم الذكية.

وهناك سبب آخر يدين الهواتف الذكية وأجهزة التقنية الحديثة، فيما وصلت إليه محاولات إيذاء النفس بين المراهقات من أرقام مخيفة؛ حيث تشير الدراسات الأخيرة إلى أن المراهقين من الجنسين يقضون ما بين 6 و9 ساعات يوميا في تصفح أجهزتهم الذكية وهواتفهم، الأمر الذي لا يترك معه الوقت الكافي لممارسة أنشطة أخرى يمكن أن تكون مفيدة لصحتهم العقلية والنفسية، مثل ممارسة الرياضة، ومشاركة الأسرة في الحياة اليومية وتفصيلاتها الجميلة، وقضاء ساعات كافية في النوم ورؤية الأصدقاء.

ومرة أخرى، تتساءل توينغ: لماذا الفتيات بالذات؟ ويأتي هذا التساؤل طبيعيا، في الوقت الذي يتعرض فيه المراهقون، ذكورا وإناثا، إلى الأجهزة الذكية ذاتها وحيث يقضون أوقاتا مماثلة في التعامل معها. لكن الدراسات الأخيرة في علم النفس السريري تؤكد على حقيقة كون الفتيات، خاصة لدى استخدامهن لوسائل التواصل الاجتماعي، فهن أكثر تأثرا على مستوى الصحة النفسية وما يتعلق بمشاعرهن وحساسيتهن الفائقة تجاه آراء الآخرين، ما يتعلق منه بمظهرهن وبمدى حيازتهن على الشعبية الاجتماعية، مع الأخذ في الاعتبار أن الفتيات يقضين وقتا أطول في تصفح وسائل التواصل الاجتماعي بينما يمضي الذكور جل أوقاتهم في ممارسة الألعاب الإلكترونية، مع حرصهم على مشاركة الأصدقاء في ذلك.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر العرب اللندنية
قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend