جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

حزب النكتة العربي، كنّاس الألم

«إنّ الضحك يدمّر الطغيان». الناقد الروسي "ميخائيل باختين"

“حزب النكتة العربي”، الذي سبق أن اتجه إلى مقاعد “المعارضة الشعبية”، عاد للتموضع في غير مكانه؛ فكيف تحول إلى “ديوان النكتة” الموالي للأنظمة؟

الأيام السورية: إدلب - فرات الشامي

دور النكتة في زمن الاستبداد:

حالة الاقتران بين خفة الظل والنكتة، جعلت منهما مفتاحاً للإمتاع والمؤانسة في حياة الشعوب العربية، لكنها مع الزمن تحولت إلى طوق نجاة استخدمه “طغاة العرب”، للتدليل على إطلاقهم حريات التعبير أمام الغرب، في حين غابت أهداف الضحكة الساخرة أو الناقدة وربما تحولت إلى كابوسٍ في زمن عتمة المخابرات والعقلية الأمنية التي تحكم مجتمعاتنا.

الاعتقاد السائد حتى ثمانينات القرن الماضي أن النكتة أو الفكاهة سلاح الشعوب العربية في محاربة “الطغاة”، وجدت نفسها تسير باتجاهٍ آخر، وفقدت دورها التقليدي في زمن الاستعباد، ووظفت لخدمة الأنظمة الاستبدادية، وانتقلت بذلك من حالة اجتماعية-سياسية ترمي إلى “انتقاد السلطة الديكتاتورية” بطريقةٍ ناعمة، إلى “صناعة الكذب” وتخدير البسطاء.

لعنة الأدب السياسي الناقد:

صناعة الفكاهة وتحالف صنّاعها مع الأنظمة أفرز بدوره ظرفاء ولكن… مأجورين–كما كشفت الوقائع-لصالح “الطغاة” في عالمنا العربي، فكان أن تحول الأدب السياسي الناقد أو الهزلي إلى لعنة إبان ثورات الربيع العربي، فانحسر الغطاء عن حقيقة “المهرجين العرب”، ونشأت حقيقة تاريخية تقول بوجودهم نقاداً خلف الشاشات وعلى خشبات المسرح، مؤازرين للديكتاتوريات في الواقع.

“تخاريف” محمد صبحي، “كاسك يا وطن” دريد لحام، نماذج تمثيلية يصدق فيها المفهوم الشعبي السوري “مشخصاتية”، وربما “جنود، ظرفاء ولكن…؟!!”.

تخاريف: اجتماع الديكتاتور مع المسئولين وطرق حل المشاكل.

كاسك يا وطن: مو ناقصنا إلا شوية كرامة.

النكتة أفيون الشعوب العربية:

للنكتة في حياة العرب صفاتٍ علاجية، وقائية في بعض الحالات، لكنها ظلت عبر العصر الحديث أداةً للسلوى والعزاء، لا تختلف جرعاتها ومفعولها عن “البانادول/ باراسيتامول”، تسكينٌ للأوجاع، بلا شفاء… كقرصٍ مخدر.

ومهما حاولت الفضائيات الحكومية أو شبه الرسمية العناية بنماذج فنية ساخرة كـ”بقعة ضوء”، أو “يوميات مدير عام”، وغيرها؛ فإنها –أي تلك المسلسلات-فقدت قيمتها المسكنة، ومعها تحول حزب النكتة العربي المعارض إلى “كنّاس الألم”. مع ما يضاف إليه من كونه أداةً طيعة لإعادة تركيب الدولة وفق أمزجة الطغاة وأهوائهم، ووسيلةً ناجعة لقيادة الشارع وبعض البسطاء “الرماديين”.

فإذاً نحن أمام أفيونٍ آخر، لديه تحالفات مع الأنظمة القمعية، تكشفت خلفياتها مؤخراً.

المشكلة في جوهرها ليست النكتة أو الأدب الناقد، كما أن إلصاق السعادة بالضحك ظلم، فإن إلصاق الضحكة بشخصياتٍ هزلية خطأ، والتعويل عليها اليوم في ضرب الطغاة أو زجر المفسدين غير وارد. وبالجملة، فإن معظم الديكتاتوريات العربية في العصر الحديث استخدموا ديوان النكتة جنباً إلى جنب مع حفنة من ذوي اللحى؛ لتخدير الشعوب، وشكلت ثنائية خادمة لهم.

الضحك ومدلولاته:

مجتمعاتنا العربية لا تبحث عن الضحك من أجل السعادة، فقد اكتشفت متأخرةً أنها محكومة بالتعاسة، ريثما يزيل الله بقدرته ديكتاتورياتٍ، أخذت دور “المنتج السينمائي”، وتاجرت بـ”بسمتهم”.

وقد لا يعني أن إثارة الضحك أو إطلاق نكتةٍ ما؛ علامة ارتياح، بل إنّ المتتبع لحياة الناس يجدها “حالة هروب”، وذاك جوهر الرغبة بالتهافت على مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من تلك التي تعتني بالمواد الساخرة التي تطال الحكومات أو المجتمع.

يقول المتنبي:

لا تحسبوا أنّ رقصي بينكم طربا                  فالطير يرقص مذبوحاً من الألم

تعبير دقيق عن خلفيات الضحك وأحد أوجه القسوة التي يعيشها بعض الناس في أيامنا.

طغاة العرب وحدهم يضحكون:

لم يفلح “إطلاق الفكاهة” في هزيمة الطغاة العرب، ولعل ذلك يعود إلى ترجيح كفة الهزل التي باتت سمة مجتمعاتنا العربية التي بدورها تنازلت عن كفة العمل، ولجأت إلى التغيير بالضحك، فدمعت العين في كثيرٍ من الحالات، حتى باتت حياتنا فيلماً كوميدياً دامياً، أقرب إلى الباروديا Parody وهو العرض الدرامي التهكمي، قائم على السخرية من عمل فني آخر، ويقدم بشكل كاريكاتوري مبالغ فيه.

ذاك الترجيح بين الركون إلى النقد الساخر بديلاً عن العمل الجاد لإزاحة الطغيان يبرر الكلام الذي يروى عن الشيخ كشك رحمه الله القائل: «دعونا الله بإمام عادل فطلع لنا عادل إمام«.

المحصلة، أن طغاة العرب مازالوا ينتجون ما يثير ضحكهم ويعلو في الأفق صوت قهقهتهم، أمام مشهد أشلاء وتدمير بنية الدولة، وفيما لو فرضنا وجود شخصياتٍ تحاول انتقادهم كأمثال “همام حوت”، يبقى حجم دورهم محدوداً، أمام عربدة “السلاطين”، فما نفع السخرية من طاغية مهرج كمثل القذافي والسيسي، أو كفرعون سورية بشار الأسد؟!!

وما نفع الضحك إذا عُرف أن زياراتنا للأصدقاء -كسوريين على الأقل-لا تنهي إلا مقترنةً بعبارة نهاية الأمسية: «الله يعطينا خير هذا الضحك». من باب التطير طبعاً.

حزب النكتة العربي، كمسرح العرائس، تحركه أيادٍ مخفية، وفق أجنداتها هي الأخرى، المتحالفة مع الديكتاتوريات، ليس بصورةٍ مجملة، لكنه الوجه الغالب في مجتمعنا.

حزب النكتة العربي، كنّاس الألم، قبل أو بعد ثورات الربيع العربي، فأنت أمام بشار الأسد، كما أنت في بلاط أبو بكر البغدادي أو الجولاني، وقس على ذلك.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend