جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

عندما تخلّى الفرسان سقطت المدينة

قراءة في فيلم مملكة السماء

قد تسمع قصة انتصارك بعين عدوّك لترى كيف كانت لحظات الهزيمة قاسية؟ وهل أنصفك بحديثه حين عادت له الكرة؟
لابدّ أن قصة كتلك ستترك فيك أثراً ما، لابد لك حينها أن تفتش عن أسبابه لتعرف كيف وصل إلى هذه النتيجة وكيف برر خسارته؟

عفاف جقمور – خاص الأيام

“مملكة السماء” فيلم أمريكي يحكي قصة سقوط القدس بيد المسلمين وخسارة الصليبيين في المعركة بعد حكمها لما يقارب ال 100 سنة، الفيلم من إنتاج وإخراج “ريدلي سكوت” 2005.

كتب النص السينمائي “وليام موناهان” الكاتب الأميركي المهتم بموضوعات التطرّف وصاحب جائزة أوسكار عن أحد أفلامه.

ما يضيفه الفيلم وجهة نظر الخاسرين في المعركة بعد أن امتلأت صفحات التاريخ بانتصار “صلاح الدين” وخُلق بطلاً من قلب الجيوش المنهزمة، كانت إضافته بأنه ناقش الفترة من منظور فكري نفسي وليس عسكري أو حربي، ووضع أسباباً جديدة للهزيمة بأن وجود المتشددين وتخلي الفرسان الحقيقيين عن دورهم في المعركة الحاسمة هو ما سبب سقوط القدس آنذاك.

تمّ تصوير جزء طويل من الفيلم بمدينة وارزازات بالمغرب ولهذا كان له أثر على اللباس والديكور الموجود رغم أن الأحداث في الحقيقة كانت تدور في المشرق “القدس” وهو خطأ تاريخي، لكنه كان ناجحاً من ناحية إدارة اللقطات وتصويرها لاسيّما المعارك التي أديرت وكأنها حقيقيّة ما جعلني أبتعد ببصري عن الشاشة مرّات عدة.

الفيلم ذو المئة وخمسون دقيقة تحدّث عن قصة الحداد ابن الأمير الذي دافع عن القدس في لحظاتها الأخيرة، كان بطلاً بما يكفي حين صمد وقاتل وحث أهل المدينة على الصمود؛ لكنّه رغم ذلك كلّه ترك المشاهد يلقي اللوم على كاهله حين تخلّى عن طلب الملك المجذوم له بأن يتزوج من شقيقته “سيبيلا”  بعد موته ويتولّى عرش المملكة من بعده ويتخلص من منافسه جي دي  لوزينيان الصليبي المتشدد المتعطش للدماء.

رفض باليان طلب الملك كي لا يريق دماء أكثر وإن كان منافسه هو قاتله فيما لو تمكن منه، رفض طلبه أيضاً بالزواج من أخته سيبيلا الملكة من بعد أخيها رغم حبّه لها، وفضّل أن يبقى فارساً مقاوماً في المدينة “إن تخلّيتي عن المُلك فأخبريني سآتيكِ”.

صوّر الفيلم صلاح الدين بأنه ندٌّ شريف، كما هو الحال لدى الملك المجذوم الشريف الباحث عن السلام، القيمة التي رسختها مبادئهم الحالية؛ وألقى أسباب إراقة الدماء إلى المتشددين الصليبيين الذين كانوا متعطشين للدماء والحرب وحمّلوهم سبب خسارة المدينة.

رغم اعتراف الفيلم بأن صلاح الدين بطل سلام ورغم اعترافه بالدماء التي أريقت حين دخل الصليبيون القدس؛ لكن السبب الذي وضعوه لاسترجاعها على يد صلاح الدين كان القوة العددية والضعف الذي اكتنف أعداءه ما جعل الهزيمة حتميّة بنظره ونفى عن صلاح الدين شجاعته.

قصة فتح القدس على يد صلاح الدين من أكثر المفاصل التاريخية ذكراً في التاريخ الإسلامي وليس العربي على وجه الخصوص؛ إذ أنّ القائد كان كردياً كما هو معروف، كان مرحلة مفصلية إذ كانت الأم تسكت صغيرها بقوله “إما أن تسكت وإما أن يأتيك صلاح الدين” كان بطلاً ذائع الصيت في قوته ورحمته التي لم تغب حتى عن أعدائه.

يغيب ذاك القائد عن الصدارة في ذهن كاتب الفيلم ليتصدّر باليان الفارس ابن أبيه الفارس الذي دافع عن القدس في لحظات انهزامها الأخيرة لكنه كان ابناً غير شرعي، ذلك القائد الذي يجمع بين كريم الخصال وسوء المنبت، وبين نبل الأخلاق ودنوّ الشرف.

ازدواجية المعايير تلك والجمع بين متناقضات متلازمة مع الأفلام الهوليودية، ولا ندري أكان الغرض منها وضع المتلقي بالصورة بأنه لا يوجد من هو كامل الخصال مهما بلغت صفاته البطولية؟ أم كانت تمريراً وتغطية لبعض الكوارث الأخلاقية وبثها كأمر طبيعي قد يتمّ التغاضي عنه بأفعال أخرى؟

الفيلم ألقى اللائمة على التطرف الذي أسقط ضحايا بينما كان الناس ينعمون بالهدوء والسلام والعيش المشترك كما صورها الفيلم، والأهم من ذلك تخلّي الفرسان عن أمكنتهم؛ إذ لا شك أنّ المدينة حين يقاتل أبناؤها كفرسان تختلف النتائج لديها فيما لو هرب كلاً منهم تاركاً مسؤوليته وراءه ولذلك كانت محاولة باليان الأخيرة بأن حفّز أهل المدينة بقوله: “قوموا فرسانا”.

أحد النقاط التي استوقفتني أيضاً جملة ترددت كثيراً “إنها إرادة الله” على لسان القساوسة والمتدينين، وكانت في كثير من الأحيان تبريراً لسوء أفعالهم، إسقاط جملة كهذه من مكانتها رغم صدقها من المآخذ التي تضع حول الفيلم نقطة سوداء في الاستهزاء من مقدسات الكثيرين.

بلغت الفكرة الرئيسية أوجها حين تلا الأب على مسامع ابنه كلماتٍ وهو جاثٍ على ركبتيه وعاد الابن يتلوها على مسامع رجالات المدينة قبل سقوطها في اللحظات الأخيرة:

لا تخف في مواجهة أعدائك

كن شجاعا وصالحا ليحبك الله

قل الحق دائماً وحتى لو كان موتك هو الثمن

ساعد الفقراء والمستضعفين ولا تخطئ

هذا هو قسمك

وقف فارساً ..

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend