جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

مراسل حربي بين نيران الأجندة

يجد معظمنا في المراسل الحربي صانع الحدث، فهل هو كذلك فعلاً أم أنه جزء من الحدث المصنوع على يد مؤسسته؟

الأيام السورية| عفاف جقمور

سمعت هذا الوصف للمرة الأولى في 2008 م، حين اشتدّ القصف على غزة، وبدأ يحفر في ذاكرتي، كنت أشهد المراسلين معفّرين بأجواء الحدث يتقاسمون الخوف وارتجاف الأصوات وربما الموت أيضاً.

بقيت الصورة الذهنية تلك إلى أن أصبحتُ في سنّتي الأولى من كلية الإعلام، كنت وصديقتي في حرم الجامعة نتحدث حول المجال الذي سوف تختاره كلاً منّا فيما لو أُتيح لنا اختياراً تفصيلياً في الكلية المنشأة حديثاً؛ كانت صديقتي ترغب بدراسة الإخراج السينمائي، وكنت أضع المراسل الحربي اختياراً بين احتمالين؛ كان اختياراً جنونياً كأحلام مطلع الشباب لكن اقتسام الأحداث المفصليّة لدى هذه الفئة -من منظوري آنذاك-كان مغرياً بالنسبة لي.

بلغتُ السنة الأخيرة وفيها طلب منّا أحد أساتذة الكلية بحثاً عن المراسل الحربي؛ ظننتها نهاية عهدي بذاك الوصف بعد أن عكفت عن اختياره، وتلاشى الأمل في أن أصبح مراسلة حربيّة؛ إذ أدركت صعوبة انتقالي لأماكن الحروب الدائرة في أمكنة أخرى من هذا العالم، لم أدرِ حينها أنني سألتقيه مجدداً وأنا أمخر عباب الحلم.

بضعة أشهرٍ كانت كافيةً لأكوّن فكرة كاملة عن العمل الذي اعتقدته بطولياً بما يكفي ليؤطَّرَ كحُلُمِ حياة، بضعة أشهر عشت ما سمعت عنه “الاحتراق الوظيفي” ولم أكن واعيةً لأبعاده رغم تردده، أن يحرقك عملك من أجل هدفك ذاك موقفٌ نبيلٌ؛ كاحتراق الشمع من أجل النور، لكنّ احتراقاً دون جدوى دون هدفك الذي أردت فذاك احتراق دون مقابل، وهذا ما يشهده المراسلون الحربيون مع انتهاء خدمتهم أو عند اختفائهم.

ظهرت وسائل الإعلام الحديثة بعد انقراض وسائل الاتصال عن بعد كالتلغراف والتلكس التي شكّلت عنصراً هامّاً لنقل المعلومات من منطقة لأخرى خلال العقود الماضية، كان اختراع الهاتف نقلةً نوعيةً في انتقال المعلومات من منطقة لأخرى، أمّا اليوم ومع سهولة التواصل أصبح لكل مؤسسةٍ إعلاميّةٍ مراسلاً ينقل لها الخبر بنفسه حتى وإن كانت مناطق توتّر وصراع وهذا ما يُسمّى “بالمراسل الحربي”.

المراسل الحربي يتفانى في نقل الحدث على خطورته من أجل هدف مؤسسته لا من أجل هدفه، وقد يتحداه أحياناً، وكلما كبرت المؤسّسة ازدادت سيطرتها على هدف الخبر المنقول، تلك المؤسّسة التي يفني جهده من أجلها، ومن أجلها يكون احتراقه.

قوة الأقنية والوكالات تستمدها من قوة مراسليها على الأرض، وكلما احتوت المؤسَّسةُ شبكةَ مراسلين أكثر وفي مناطق متعددة وخطرة، كان لها الحظوة في نقل خبرها بتفرّد.

رغم تغطيتي لأماكن خطرة؛ في المدن التي قد يطالها القصف؛ إلّا أنني لم أغطِّي معارك حامية على خطوط التماس، لكنني كنت على معرفة جيدة بما يجري لدى أولئك الثلّة من المراسلين؛ إخلاصٌ وتفانٍ من أجل الحصول على بضع معلومات تضعها المؤسّسة ضمن سياق أجندتها ووفقاً لأهدافها مهما ادّعت الحياديّة.

يحتمل المراسل الحربي العبء الأكبر لقربه من الحدث، ورغم كونه محطّ نظر المتابعين ومركز قوة المؤسّسة، ورغم تحمّله كافة المخاطر وحيداً لا يعدو عمله أن يكون أداة؛ إذ يجد نفسه مرهوناً بأولئك الذين يتيحون لصوته أن يظهر من قلب الحدث، ويخفونه متى أرادوا.

وفي النهاية يتمّ تأبين المراسل رقماً بطولياً لمؤسسته فتزداد قوة به ميتاً؛ كما تم تأبين الحقيقة على يديه وازدادت به قوة حياً.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend