جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

الفقر عبر العصور الأدبية

الفقر آفة اجتماعية كتب عنه الأدباء وأنشد له الشعراء القصائد الطوال باعتباره همّاً جماعياً عبر العصور الأدبية المتتالية، من هم أكثر الشعراء ممّن أبدعوا في تناول قضية الفقر تعرّف عليهم؟

الأيام السورية؛ فاطمة محمد

الفقر همٌّ إنساني عبر العصور نال من سعادة الإنسان ورهافته، هذا الفقر الذي قال فيه عليٌّ كرم الله وجهه: لو كان الفقر رجلاً لقتلته.

إن الأدب إنساني بالطبع؛ لأنه يصدر عن الإنسان فيصور أحاسيسه وفكره وتطلعاته، فلا يمكننا تصور أدب يتحدث من فراغ.

الأدب الاجتماعي هو انعكاس الأدب الإنساني؛ الذي يكاد يلتصق بالإنسان وهمومه وتطلعاته ومصيره، فقد شغلت قضايا الأدب الاجتماعي الشعراء منذ عصر ما قبل الإسلام حيث وعى الشاعر العربي الحياة وبنية العلاقات الاجتماعية السائدة، والمثل الأخلاقية التي تحكم هذه العلاقات وعياً فطرياً لا ينفصل عن وعي القبيلة التي كانت قد خلت من مشكلات عرفتها المجتمعات الحديثة مثل: البطالة والفقر واستغلال العمال والفلاحين وحرمان المرأة حقوقها.

الفقر في عصر الجاهلية أو ما قبل الإسلام:

في عصر ما قبل الإسلام تجلّى تناول الفقر في ظاهرة أطلق عليها الصعلكة وتعني الفقر، وبالرجوع إلى معجم لسان العرب الصعلوك:” هو الفقير الذي لا مال له، وقد زاد الأزهري ولا اعتماد، وقد تصعلك الرجل أي افتقر”.

الصعاليك في عرف التاريخ الأدبي هم: جماعة من المخالفين العرب الخارجين عن طاعة رؤساء قبائلهم… وقد تطورت دلالة هذا المصطلح حيث أصبح يدل على طائفة من الشعراء ممن يمتهنون الغزو والسلب والنهب بسبب الفقر الذي ألمّ بهم.

الصعلكة ظاهرة اجتماعية برزت على هامش الحياة الجاهلية كردة فعل لبعض العادات و التقاليد والممارسات وقد استمرت ردحاً من الزمن.

الحياة في العصر الجاهلي- منتدى المرأة الخليجية

عُرف الشعراء الصعاليك بجرأتهم وإقدامهم على اقتحام المهالك وامتيازهم بالشجاعة والصبر وسرعة العدو وسيد الصعاليك عروة بن الورد كان صعلوكاً وفقيراً يقول وهو يخاطب زوجه وقد أثاره الإحساس بالفقر والتطلع للغنى، آلمه أن  يرتع في البؤس والحرمان بينما يلاصقه أناس آخرون يرتعون في الثراء والنعيم، إلا أنّه لم يحمّل مسؤولية هذا الفقر للقبيلة أو لساداتها:

ذريني للغنى أسعى فإني           رأيت الناس شرُّهم الفقير

وأحقرُهم وأهونهم عليهم          وإن أمسى له كرمٌ وخير

يباعده القريب وتزدريه           حليلته، وينهزه الصغير

وتلقى ذا الغنى وله جلالٌ          يكاد فؤاد صاحبه يطير

قليلٌ ذنبه، والذنب جمٌّ             ولكن للغنى ربٌّ غفور

الشاعر عمرو بن معد يكرب نراه ينتقد سياسة الكيل بمكيالين في المجتمع الطبقي فيقول:

إذا قتلنا ولا يبكي لنا أحدٌ            قالت قريش ألا تلك المقادير

نعطي السوية من طعن له نفذٌ       ولا سوية إذ تعطى الدنانير

الفقر في العصر الإسلامي:

أتى الإسلام بأخلاق عظيمة تحث على المساواة والزكاة وكفل للفقير حقه في مال الأغنياء، وخاصة مع قدوم الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم؛ الذي دعا إلى التكافل الاجتماعي وإعطاء كل ذي حٍّق حقّه فهو الدّين القيّم الذي نظّم المجتمع بقوانين العدالة السماوية فهذا الإمام الشافعي يقول في الفقر:

عليّ ثياب لو تباع جميعها           بفلس لكان الفلس منهنّ أكثرا

وفيهن نفس لو يقاس ببعضها       نفوس الورى كانت أجلُّ وأكبر

النفس تجزع أن تكون فقيرةٌ         والفقر خيرٌ من غنى يطغيها

وغنى النفوس هو الكفاف وإن أبت     فجميع أهل الأرض لا يكفيها

صورة تعبيرية عن الفقر – جريدة الراية

الفقر في العصر الأموي والعباس

مع بداية احتكاك العرب بأمم وشعوب أخرى أبّان الفتوحات الإسلامية، ارتسمت معالم أكثر تعقيداً للمجتمع العربي في العصر الأموي ثم العصر العباسي، وظهرت مواقف إنسانية للشعراء الذين كشفوا فيها عن عواطفهم نحو الشقاء الإنساني، فشكا شعراء القبائل من ظلم عمّال الصدقات وعنفهم، ورفعوا القصائد الطوال إلى الولاة والخلفاء، فكانت لامية الراعي النميري التي رفعها إلى عبد الملك بن مروان يقول فيها:

إنّ السعاة عصوك حين بعثتهم          وأتوا دواهي لو علمت وغولا

إن الذين أمرتهم أن يعدلوا               لم يفعلوا مما أمرت فتيلا

كل ما في الأدب يكاد يكون اجتماعياً؛ فالأديب بداية ظاهرة اجتماعية لا تنهض إلا في مجتمع، وهو ممارسة اجتماعية يتخذ من اللغة أداة له، وامتداداً لمراحل تطوّر الأدب الاجتماعي في العصر العباسي الذي تناول شاعره العباسي أبو فرعون الساسي الفقر على طريقته التي لا تخلو من الدعابة والطرافة يقول:

ليس إغلاقي لبابي أنّ لي                فيه ما أخشى عليه السّرقا

إنما أغلقه كيلا يرى                     سوء حالي من يجوب الطرقا

منزلٌ أوطنه الفقر فلو                   دخل السارق فيها سُرقا

بعض الشعراء العباسيين يأخذ الحديث فيه عن الفقر بمثابة الشكوى كتلك الشكوى التي رفعها أبو العتاهية باسم الفقراء احتجاجاً  على الغلاء الذي أرهق كاهل الرعية:

من مبلغ عني الإما         م نصائحاً متتالية

أني أرى الأسعار أس       عار الرعية غالية

أبو العتاهية – نيوز

ازداد وطأة الفقر على شاعرنا ابن الرومي المعروف بأنّه عسير الرزق، مخيب الآمال، سقيم الجسم، دميم الوجه، يتحدّث عن حظّه العاثر وطالعه المشؤوم وبؤسه الكبير يقول:

دعِ اللوم، إنّ اللوم عون النوائب          ولا تتجاوز فيه حد المعاتب

فما كل من حط الرحال بمخفقٍ             ولا كل من شدّ الرحال بكاسب

وما أشدّ براعته وأقوى معانيه في قوله:

وفي السعي كيسٌ، والنفوس نفائس         وليس بكيس بيعها بالرغائب

فأصبحت في الإثراء أزهد زاهدٍ             وإن كنت في الإثراء أرغب راغب

ومن راح ذا حرصٍ وجبنٍ فإنّه             فقيرٌ، أتاه الفقر من كلّ جانب

الفقر في عصور الدول المتتابعة:

تزداد الأوضاع سوءاً في عصور الدول المتتابعة وتسود معها الحياة الاجتماعية، فمشاهد الفقر والجوع والتشرد، قد أثارت قريحة الشعراء في عصر المماليك الذي شهد صراعات وحروباً كثيرة إثر انهيار الدولة العربية الإسلامية وانقسامها إلى دويلات، ودخول أعراق مختلفة في قيادة الدولة العربية الإسلامية (الفرس، الأتراك، المماليك) الأمر الذي أثّر في اللغة العربية وآدابها وعلومها، فكسدت بضاعة الشعراء عند الحكام الأعاجم، وغُلّقت الأبواب في وجوههم، وانكفؤوا على أنفسهم، وامتهنوا الحرف والمهن طلباً للرزق، فكان منهم الكحال والجزار والوراق والسراج، وانصرف الأدب إلى غير ما كان ميداناً له، وهبطت به الأحوال إلى موضوعات حياتية، وتجاوزت منهجيتها المعهودة إلى مقطعات في مؤلفات آنية جاءت استجابة لدفقات شعورية سريعة.

ومن شعراء هذا العصر يحيى بن عبد العظيم وكنيته أبو الحسين عُرف بالجزار لأنّه امتهن الجزارة.

تزيا بزي الكتّاب وعاش مرتزقاً بشعره، لكن شعره زاده فاقة وحاجة، فرجع إلى مهنة أبيه(الجزارة).

يقول الشاعر الجزار في معاناته مع الفقر الشديد ويبكي حظّه العاثر وذهاب عمره سدى دون أن ينعم برغد العيش أو ينال بعض أمنياته وفي ذلك يقول:

لي من الشمس خلعة صفراء            لا أبالي إذا أتاني الشتاء

ومن الزمهرير إن حدث الغي           م ثيابي وطيلساني الهواء

آه وا حسرتي لقد ذهب العم             ر وحظي تأسف وعناء

كلما قلت في غدٍ أدرك السؤ             ل أتاني غدٌ بما لا أشاء

الفقر في العصر الحديث:

هاجر بعض الشعراء أوطانهم وعاشوا آلام الغربة بظروفها القاسية والفقر الذي رافقهم مع قلة الحظ في تحصيل الرزق لحدٍّ وصل بالشاعر إلى اليأس، وفي هذا نتذكر الشاعر المهجري في العصر الحديث الذي أتى على نفس المعنى والذي يبكي حظّه العاثر أيضاً وهو إلياس فرحات يقول:

طوى الدهر من عمري ثلاثين حجة           طويت بها الأصقاع أسعى وأدأب

أغرّب خلف الرزق وهو مشرّقٌ             وأقسم لو شرّقت راح يغرّب

في العصر الحديث أيضاً نستطيع القول: إنّ الأدب بفنونه المختلفة تمكّن من الكشف عن قضايا اجتماعية أرّقت الأفراد، فهذا وصفي القرنفلي المهتّم بالقضايا الاجتماعية نلحظ في شعره إحساساً عميقاً بالواقع ورفضاً لمسلّماته، ولطالما دعا إلى حتمية التغيير والتحوّل إلى مستقبل أفضل يقول:

فقراؤنا قد حطموا حكم القناعة واستفاقوا

الجوع ليس من السماء، فمن إذاً؟…وهنا أفاقوا

الجوع؟…صنع الناهبين الشعب، صنع الأغنياء

أخذوا المعامل والحقول وطوّقونا بالقضاء

الفقر في العصر الحديث – الخليج أونلاين

وكم من شاعر قد دعا إلى الإحسان للفقراء منهم الشاعر عبد الله يوركي حلاق يقول:

أعط الفقير ولا تضنّ بعونه            إنّ الفقير أخوك رغم شقائه

كم محسن أثرى وعاش منعماً         في هذه الدنيا بفضل دعائه!

كما دعا الشاعر حافظ إبراهيم إلى الإحسان إلى الفقراء بقوله:

أيّها المصلحون رفقاً بقومٍ             قيّد العجز شيخهم والغلاما

وأغيثوا من الغلاء نفوساً              قد تمنت مع الغلاء الحِماما

ومن شعراء العصر الحديث من تناول الفقر بقالب إنساني رائع الشاعر محمد الفيتوري الذي ولد في السودان ويدعو الناس إلى الثورة للخلاص من الواقع الاجتماعي المتردي:

إن نكن سرنا على الشوك سنينا              ولقينا من أذاه ما لقينا

إن نكن بتنا عراة جائعينا                     أو نكن عشنا حفاة بائسينا

فلقد ثرنا على أنفسنا                        ومحونا وصمة الذلة فينا

الفقر في القرن العشرين:

في أوائل القرن العشرين بدأ الأدب يتوجه للشعب بكافة فئاته؛ للعامل والفلاح والطفل والمرأة، يلتقط منه مادة حية لأدبه شعراً ونثراً، ويرى في ملامسة واقع الحياة من فقر وجهل وتخلّف ما يتطلب من الأدب اقتحام هذا المحراب، فاتسعت اتجاهاته ومذاهبه، ومال الأدباء إلى إبراز كل من الفقر والغنى والجهل والعلم والتقدم والتخلف من جانب، وإلى التعاطف مع الطبقات البائسة وإثارة المشاعر الإنسانية تجاهها، ولفت الأنظار إلى ما تبذله من جهود، وما تعيشه من معاناة من جانب آخر.

من هؤلاء الأدباء الشاعر المهجري زكي قنصل الذي ولد في يبرود ثم هاجر إلى البرازيل في سن الثالثة عشرة من عمره وهو يصور لنا قسوة الحياة وشظف العيش وخاصة الطبقة العاملة في الغربة يقول:

يبني القصور وكوخه خرب             ساءت حياة كلها تعب

بالروح في تموز وقفته                 يكويه من أنفاسه لهب

يا غائصاً بالطين لا نصب              يوهي عزيمته ولا وصب

صبراً على الأيام إن عبست            فهيهات يفرج ضيقها غضب

أما الشاعر عبد الوهاب البياتي الذي نشأ في الريف العراقي نشأة فقيرة يقتحم عمق المجتمع الريفي، لينقل لنا بواقعية بالغة صورة توحي بحتمية التغيير، والتطلع إلى علاقات إنسانية ينتفي فيها التسلط يقول متحدثاً عن حالة شديدة من الفقر:

الشمس والحمر الهزيلة والذباب

وحذاء جندي قديم

يتداول الأيدي، وفلاح يحدق في الفراغ

” في مطلع العام الجديد

يداي تمتلئان حتماً بالنقود

وسأشتري هذا الحذاء”

من كل ما سبق نخلص إلى القول:

إننا نتطلع إلى مجتمع تسود فيه العدالة الاجتماعية والتفاوت الطبقي ويكفل للجميع فرص العمل وحق الاكتفاء، في مجتمع يتنافى فيه ظلم وقهر الإنسان وينقله إلى حياة الرفاه والسعادة.

ونضيف: إنّ الفقر والمعاناة الاجتماعية فتّحت قريحة الشعراء فأتحفونا بصور شعرية رائعة خلدها الزمن لما لها من أثرٍ على أحاسيسنا المرهفة، ونقول للفقراء المساكين والمحاصرين في زمن الحرب: إنّ الفرج قريبٌ، وإن الغنى غنى النفوس الأبية والمتعففة وغنى الأخلاق الكريمة فهي باهظة الثمن، حتى لتظنّهم أغنياء من شدة التعفف، وجلّ ما نتمناه للإنسان السعادة والعيش بكرامة وأن يهنأ برغد العيش، بعد أن يسود السلام وينتفي ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، فهو محور الحياة ولبّها.

المصادر:
1-محمد حسين عبد المحسن، الشعر الاجتماعي  في سوريا، الموسوعة العربية، المجلد الأول.
2- محمد زغلول سلام، الأدب المملوكي الجزء الثاني، دار المعارف بمصر.
3- عبد الوهاب البياتي؛ ديوان أباريق مهشمة المجلد الأول، دار العودة، بيروت ط4 ص 148

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر ديوان زكي قنصل وزارة الثقافة دمشق ص325 وصفي القرنفلي، وراء السراب، دمشق ص190 ديوان ابن الرومي شرح ابن يسج دار الكتب العلمية، بيروت الجزء الأول ص 134
قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend