جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

البعد الطائفي في ” انقلاب التفحيح”

عقاب يحيى

في الثالث عشر من تشرين الثاني 1970 قام الأسد بانقلاب عسكري على أعلى مؤسسة في الحزب الذي يدّعي الانتماء إليه، ودشّن السادس عشر منه تاريخاً رسمياً حين صدر بيان الانقلاب.. وما يزال ذلك النظام مستمراً ليومنا هذا، بكل ما حمله من مخاطر على البلد والوطن، وما فعله من موبقات آثمة طالت بنية المجتمع، وكل شيء..

كثيرون اعتبروا النظام حالة طائفية موصوفة، وهناك ممن ما يزال ينفي عنه البعد الطائفي، بينما يعترف عدد مهم، ممن عايشوا تلك التجربة، ومن أوساط العلويين بأن له بعداً طائفياً، وظلّ السؤال يطرح نفسه : هل كان الأسد الطاغية يحمل مشروعاً طائفياً نفّذه ؟، وهل كان هو طائفي في داخله ؟، أم أنه وظّف الطائفية، كما عديد الأمور لاستمرار حكمه ؟؟…

ـ التركيز على شخصية الأسد تغني عن البحث في طبيعة النظام لأنه كان الفرد الأوحد المستحكم بالأمور، وكان الجميع ممن جاء بهم تاليين له بدرجات، وعديدهم برتبة موظف من مستوى عالً، وبالتالي الكلام عن تركيبته تسمح بالتوصل إلى الإجابة .

ـ لا شكّ أن تطور المجتمع السوري على مدى فترات النهوض والاستقلال والحكم المتقطع قبل الوحدة، وما بعد انقلاب الثامن من آذار 1963 لم يصل إلى مرحلة تجاوز البنى القديمة وبناء مجتمع حداثي تضعف فيه حتى الاضمحلال جميع البنى ما قبل قومية أو وطنية، ومنها الحالة الدينية والمذهبية .

صحيح أن الأحزاب السياسية ـ جميعها تقريباً ـ رفعت شعارات عامة بعيدة عن المذهبية والتخندق بها، واشتهر البعث بشعاراته القومية، وتوحيد الأمة(من المحيط للخليج) بما يعني رفض كل علاقات دونها، والإلحاح على اعتبارها قيوداً للتقدّم، والوحدة، والحداثة فأدانها ظاهرياً باستمرار .

لكن في قاع أعضائه، وفي وعيهم، ومستوى التأثر ببيئاتهم كانت الحالة متفاوتة جداً، ومختلطة، وكثيراً ما ظهرت تلك البنى القديمة بعد الحكم، وفي الصراعات والمنعرجات بغض النظر عن اللبوس المظهري، وعن تمنطقها بكمّ من الأغطية اليسارية وغيرها .

ـ حافظ الأسد الذي انتسب للبعث طالباً لم يعش فيه سوى فترة قصيرة لم تسمح له بالتقولب فيه حيث أنه انتسب للكلية الحربية التي تمنع التحزّب رسمياً، بواقع عدم وجود تنظيم حزبي للبعثيين في الجيش، فاستمر ارتباط البعثيين منهم بالحزب برّانياً، وشكلياً، وعبر علاقات شخصية مع القيادة، أو مع بعضهم، والأسد نموذجاً الذي أظهر أنه يستخدم البعث وسيلة وغطاء، وأنه في جوهره لا يؤمن بشيء سوى ذاته، وأن داخله امتداد لتلك البنية الأقلوية التي تتلظّى بقصة المطلومية، والحقد ضد الآخر الأكثري والخوف منه، وبالتالي الاستنجاد بامثاله لتشكيل قوة، وأطر حماية، وسلم للوصول إلى المراكز الأعلى .

تطور المجتمع السوري على مدى فترات النهوض والاستقلال والحكم المتقطع قبل الوحدة، وما بعد انقلاب الثامن من آذار 1963 لم يصل إلى مرحلة تجاوز البنى القديمة وبناء مجتمع حداثي تضعف فيه حتى الاضمحلال جميع البنى ما قبل قومية أو وطنية، ومنها الحالة الدينية والمذهبية

ـ هنا يمكن المرور على تركيبة العقل الأقلوي المزدوجة بين الشعارات العامة القومية أو اليسارية، أو غيرها وبين ما يقبع في الجوف من ثقافة ومؤثرات، وسنلاحظ أنه في حالات المدّ يبقى العام مسيطراً، أو بارزاً بينما يضمحل درجة التناقض في مراحل الصراع ومحابهة الآخر، وفي مستوى التأثير على الوعي، والمواقف .

ـ الأسد في داخله يلخّص ذلك التركيب الأقلوي الذي غلّفه لسنوات يشعارات البعث الفضفاضة عن الأمة والوحدة والتحرر وتجاوز بنى التخلف، وفي أعماقه كان شخصاً آخر يستفيد من الوجود الطائفي فيلجأ إليه استناداً وتقوية في مواجهة الآخرين، بما فيهم رفاقه، وقد نوّه العقيد عبد الكريم الجندي ( رئيس مكتب الأمن القومي) في وصيته المعروفة إلى سلوك (العديد من الرفاق) في تجميع ابناء العائلة والقرية والطائفة حولهم والاستقواء بهم، وإلى استغلال الحزب والحكم للصالح الشخصي .

ـ قبل انقلاب الأسد الذي أفصح فيه عن وجه طائفي ارتكازي، حدثت خلخلات في الجيش أفقدته توازنه الوطني الذي اشتهر به، فعبر تسريح عديد الضباط المتهمين على أنهم انفصاليين(جميعهم من السنة، وأغلبيتهم من المدن الكبيرة) استدعي مئات ضباط الاحتياط وجرى تثبيتهم، وكانت نسبة العلويين فيهم طاغية، واستمر الأمر كذلك بعد 18 تموز 1963 حين حاول الناصريون العسكريون الانقلاب على حليفهم البعثي، فسرّح الكثير واستبدلوا بغيرهم كانت نسبة العلويين كبيرة فيهم، ويمكن القول أن هذه الوتيرة تواصلت رغم وجود فترة قصيرة حاولت قيادة البعث وضع ضوابط للدخول إلى الكليات العسكرية وتولي فروع الحزب عمليات الترشيح، وما عرفته تلك العملية من خروقات كان وراؤها ضباطاً ومسؤولين كباراً جاؤوا بأقربائهم وأبناء قراهم وطوائفهم . وقد كثر الحديث تلك الآونة، وإن همساً، وبالجلسات الجانبية، عن هذه الظواهر التي تلتهم الحزب وأهدافه، وتبعده عن غاياته، دون أن تجد العلاج الجذري .

ـ حين نجح انقلاب الأسد كانت القوى الضاربة فيه مجاميع من الضباط العلويين، خاصة ” مجموعة عمران”، رغم وجود اسماء ورتب كبيرة من غير العلويين، ومن السنة بالتحديد برزوا في الواجهة .

 

هناك عدد كبير حتى بين البعثيين السابقين من يرى أن الذي جرى لم يكن عفوياً، ولا بسبب تلك التطورات الصراعية، وإنما نتيجة وجود مخطط مسبق ـ علوي ـ ويذهبون أبعد من ذلك للحديث عن تنظيم طائفي قديم داخل الجيش كان هو الذي يخطط ويقود، وهو الذي قرر السيطرة على الجيش والحكم برايات بعثية، وبالتالي فالذي جرى من تغوّل طائفي في الجيش لم يكن عادياً،…

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend