جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

الشرق الأوسط: مصير المواجهة في ضوء التطورات الأخيرة

على ضوء التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط طبول الحرب تدق، قراءة تحتمل الصواب والخطأ، لا يمكن نفيها بالمطلق، لكن يمكن التأكيد أنها تسير باتجاه مواجهة مع طرفٍ بعينه.

خاص بالأيام - فرات الشامي

ثمة مؤشرات تنفي حالة الصدام العسكري القريب بين الأطراف الكبرى المتنازعة على المنطقة، لكنها بالمقابل ترجح تحريك أدواتها لتنفيذ سياساتها تدريجياً ريثما تحين فرصة الانقضاض على الفريسة ونهش ما أمكن منها.

المرجح اليوم استبعاد طرفٍ على حساب آخر، وفق تفاهماتٍ دولية، ومصالح إقليمية تدعم ذلك التوجه، ومن خلال المتابعة للواقع يمكن التكهن بطرفين في طور التصفية، أما الأول فجبهة النصرة، التي باتت تحت عباءة الأتراك تحت مسمى “هيئة تحرير الشام”، بالتالي فالأمر محسوم، يبقى الطرف الثاني، وهو العقدة “إيران” بنفوذها ومشروعها الأقوى في المنطقة، والذي بات تهديداً وعبئاً على الدول الكبرى التي تجد فيه منافساً قوياً لها.

غير أنّ تشابك المصالح والسياسة البراغماتية التي تقودها “الولايات المتحدة الأمريكية” مع شركائها في المنطقة العربية، ما يزال يفرض حالةً من عدم وضوح الرؤية، من الطبيعي أن يرخي ظلاله ويهيمن على الأرض، ويجعل المتابع في دوامة “الغموض” لمستقبل المنطقة، التي تعيش اليوم على “صفيحٍ ساخن”.

معظم ملفات المنطقة “الكردية-اللبنانية-اليمنية” بما فيها “الأزمات الداخلية والخارجية” تكاد تكون أيضاً “متشابكة” و”متقاطعة” مع بعضها كما هي مرتبطة مباشرةً بالملف “السوري”، فهو المسرح المشتعل عسكرياً، ومركز الصراع الدولي والأرضية الأنسب لتصفية الحسابات، وتشكيل التحالفات الجديدة؛ بالتالي لا يمكن الفصل بينها، ما يزيد من عقدة القراءة للمشهد المستقبلي في الشرق الأوسط.

عموماً تستدعي التطورات السياسية اليومية والعسكرية قراءة أكثر تأنياً للمشهد، وإن ارتفعت الأصوات بالحديث عن اقتراب “حلول سياسية” تشهد عليها بعض التحركات الدولية، فإنها مجرد تكهنات، ينفيها تاريخ طويل من الملفات التاريخية العالقة، التي لا يمكن حسمها بجلسات حوارية على المدى القريب، لكن ذلك لا يمنع حدوثها، من جملتها الملفين “الكردي-السوري”.

عامل الحسم يحتاج إلى وقتٍ أطول، فالمنافسة المحمومة على “منابع الثروة” في المنطقة لم تزل مشتعلة. والسعي ما يزال في طور الرهان لتحصيل مزيدٍ من المكاسب واستثمار الفرص، للتموضع بقوة وتثبيت قدمٍ راسخة لفترة أطول، بالتالي، يبدو أن اللعب على الوقت هو العامل الأقوى في تأخير كتابة الفصل الأخير من تاريخ الشرق الأوسط الجديد.

بالمقابل يأخذ الصراع منحىً آخر، حيث تتكشف تدريجياً أن حلقة النزاع الدولي على تفتيت المنطقة العربية وتشكيل خارطة جديدة تنتهي عند المواجهة مع الجانب “الإيراني” الذي يدخل في تفاصيل كل نزاعات المنطقة، مدافعاً أو مهاجماً.

تمدد النفوذ الإيراني، وظهور الأزمة الكردية-العراقية، تلاها القنبلة السياسية التي فجرها “سعد الحريري” بإعلانه قرار استقالته من رئاسة الحكومة اللبنانية؛ ومن العاصمة السعودية “الرياض”، يفتح الباب على دلالات التوقيت والمكان، بعد أن فتح النار على “طهران” العدو الرئيس لـ”آل سعود”، ما يزيد من التأكيد على تطور المواجهة، وانتقالها إلى المسرح اللبناني؛ الذي لم يكن بمنأىً عن مسرح الأحداث السياسية في المنطقة مهما حاول الابتعاد، فقد جرته سياسات “حزب الله الإرهابي” إلى مستنقعٍ موحل، بعد أن حوّل القرار السيادي للدولة اللبنانية إلى رهينة بيد أسياده في “إيران”، ولعل ذلك ما دفع الحريري للاستقالة بعد أن وجد نفسه حبيس دولةٍ أخرى.

المرحلة اليوم تدخل في طور تصفية حسابات تاريخية عربية-إيرانية، تقف “واشنطن” داعمة لها، ولعل تطورات المشهد على الساحتين السياسية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط يجد أرضيةً مناسبة لجرد الحساب، ما يزيد من فرصة تطور الصراع تدريجياً.

بدورها تدخل “الرياض” التي من المرجح أن تقود ذاك الصراع العربي-الإيراني في طورٍ داخلي قبيل الحشد للمعركة مع العدو التاريخي “طهران”، وما يرسخ فكرة أن تحولاتٍ جذرية في المنطقة بدأت تتبلور هو تلك التصفيات الداخلية في دولة “آل سعود” التي تعتبر مقدمة لخطواتٍ جريئة في المستقبل القريب. فهي تسير باتجاهين داخلي وخارجي بقوة.

بالمقابل تملك “طهران” ما يكفيها من الأوراق الرابحة لمواجهة “الرياض” والمحيط العربي وتحديداً الخليجي؛ وأبرز أوراقها “الملف الطائفي” والنفوذ “الشعبي” في المنطقة والذي يمكّنها من تشكيل طوق نجاة يجعل منها معادلة صعبة في حال المواجهة.

“إيران” تجد نفسها اليوم في مواجهة من نوعٍ آخر مع “إسرائيل” التي وجدت الفرصة مواتية للدخول وتصفية الحسابات العالقة مع “طهران”، بدا ذلك جلياً من خلال تصريحات “نتنياهو” من العاصمة البريطانية، يوم أمس السبت 4 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، والتي اعتبر فيها أنّ استقالة الحريري “بمثابة قرع جرس الإنقاذ للمجتمع الدولي، لاتخاذ خطوات ضدّ عدوانية إيران”، مضيفاً أنّ “إيران تسعى لتحويل سورية إلى لبنان ثان”.

تحاول “تل أبيب” استثمار المشهد اللبناني لصالحها في إنهاء ملف الجار الشمالي “حزب الله”، ووضع حدٍّ لتمدد المشروع الفارسي في المنطقة والذي بات يهدد “كيانها”.

من جانبٍ آخر، جبهةٌ جديدة مشتعلة في منطقة الشرق الأوسط، يبدو أيضاً أنّ على إيران التعامل معها، ومواجهة “الملف الكردي” المدعوم أمريكياً، وهو ملفٌ ما يزال متقلباً، لكن القريب من الشخصية الكردية يعلم تماماً أنّ الحلم الكردي بتشكيل دولة مستقلة لا يمكن أن ينته سريعاً، فالمعروف عن الأكراد “عنادهم”، بالتالي المسألة داخلة في حالة التحرك السياسي بانتظار الانفجار، ولن تكون “طهران” بعيدة عن شظاياه. لكن الواضح حتى اللحظة حالة الترقب فالقرار الدولي بشأن “ملف كردستان” لم يتخذ بعد، لما له من تأثير وأبعاد استراتيجية وجغرافية واقتصادية على تشكيل خارطة جديدة للمنطقة.

الأكراد لديهم أوراقهم أيضاً، كما أن لديهم الامتداد القومي الذي يمكن تجييره لخدمة الحلم الكردستاني، خاصةً مع إحساسهم بالخذلان واليأس أو الانزعاج ممن كان يحسبهم حلفاء مشروعه.

هذا يزيد من فرصة إدخال المنطقة حرباً أكثر دموية تنتقل تدريجياً إلى ساحاتٍ أخرى منها “تركيا” وربما “إيران” ذاتها.

المسألة بدأت تزداد تعقيداً على الأرض، لكن الواضح أن خيارات المجتمع الدولي تصب قريباً في إطار المواجهة مع الحلف الـ”إيراني-الروسي” وتفكيكه تدريجياً، وهو بتلك الصورة نزاع طويل الأمد باعتبار عامل القوة الذي يشكله ذاك التحالف، والذي قد يخرقه تحركات إسرائيلية ترجح كفة الحرب وتكسر شوكة “موسكو-طهران”، مع التأكيد هنا أن “تل أبيب” ترفض تمدد المشروع الفارسي قرب حدودها، وتحاول تحجيم الدور الإيراني في المنطقة فقط.

الصراع قريباً لن يكون “عربي-إيراني” بقدر ما سيكون “العرب” و”الأكراد” أدواتٍ فيه، وبذات الوقت سوف تكون “محرقة” لـ”دولة ملالي قم”، مسرحها “الشرق الأوسط”، والمستفيد منها “إسرائيل”.

أخيراً، لا يمكن إغفال الدور الروسي ومصالحها في المنطقة، وهي حتى اليوم تبدو في موقفٍ قوي مع قدرتها على الإمساك بالملف السوري.

بالمجمل وحتى اللحظة يمكن الحديث فقط عن ضبابية المشهد، ريثما يتم حل “العقدة السورية”.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر الشرق الأوسط arabic.rt
قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend