الثورة في القفص: محامو الشيطان في سورية ونجاح رهانهم

“محامو الشيطان” حالة سياسية، طوعية أو مأجورة، خُلِقت لإيجاد تبريرات دفاعية، في “محكمة” غير مبنية أساساً على مقومات “العدالة” التي تتطلع إليها شعوب المنطقة. المتهم “ثورة شعب”، فهل انتهى الرهان؟

الأيام السورية؛ فرات الشامي

داخل أروقة “المحكمة”، ثمة “محامون” قدموا دفاعاتهم أمام الرأي العام الدولي، بطريقةٍ ثنائيةٍ متناقضة، فهم الشاهد المدافع، القاضي والخصم في آنٍ واحد. لكن نجاح قضيتهم ودفوعهم القضائية، اعتمد على رهاناتٍ كثيرة، من بينها لفت الأنظار من إطار ومحور أساسي تمثل بعدالة المطلب إلى آخر ثانوي، بل هو إنتاجُ وتدبير “الأيدي الخشنة”.

معظم “مرافعات محامو الشيطان” لم تتوقف عن عزف مقطوعةٍ تقليدية، والدندنة على وتر محاربة “الإرهاب، داعش، القاعدة”. بالمقابل، صمتٌ مريب، وتغافلٌ عن “مصنع الإرهاب”، ولا إشارة لإمكانية كبح “إدارة المصنع ولجمها”.

شوهت تصرفات “تنظيم البغدادي” الإسلام، وحرفت مسار الثورة الشعبية السورية، لكن أحداً من “القضاة”، لم يلتفت إلى “تنظيم الأسد”؛ الذي كان وليد “الانقلاب” على “الديمقراطية”…!! بل إنّ أحداً منهم لم يتحرك اتجاه “جرائمه”.

“روسيا” دخلت اللعبة والمفترض أنها “الخاسر”، في قضيةٍ “عادلة”؛ في حال استمرارها بلعب دور “محامي الشيطان”، التي انتقلت منه إلى دائرة “الحريص الضامن”.

“أمريكا” أو “الشاهد الملك”… لا يظهر إلا في الوقت النهائي، قبيل عقد جلسة المرافعة الأخيرة، كما هي عادةً الشخصيات “الهوليودية”… بدت خطواتها باتجاه فرض الحل الأخير “ضعيفة”، أو “متثاقلة”، لكنها تسجل حضوراً واضحاً في خواتيم لعبة الصراع على تقاسم “الكعكة السورية”.

تهتم “مجموعة محامو الشيطان” بخلق أجواء دولية تسعى لنيل موافقةٍ على “دفوعات المتهم” حول أفعالٍ ارتكبها، والتي يقدمها من خلال ورقة الأعذار المعنونة بشرعيته الدستورية، ومكافحة خطر “التطرف الإسلامي”، الذي يداعب عواطف “رئاسة المحكمة الدولية”.

يغيب في غفلةٍ ما، أنّ ثقافة شعوب المنطقة “الإسلامية” لاتزال بين قاعدتي: أنّ “البادئ أظلم”، و”الجزاء من جنس العمل”، ما يؤكد أن جلسات الاستئناف ممكنة، قابلة لتجديد الدعوة القضائية بـ”طرق مختلفة”، و”ضمن ضوابط منطقية” لتحريك القضية، وكسب الرأي العام في الشارع، بما يضمن لها “مطالبها”، حتى وإن بدا ضعف أدائها في المرافعات اليوم. بالمقابل، المنصف يدرك أن المساواة بين الفعل ورد الفعل في التعامل الإنساني أو في مثل هكذا دعوى تعتبر “باطلة”.

تشير معظم المؤشرات والتصريحات أن “الرهان” بات لصالح “إنهاء الملف السوري” خدمةً لأطراف دولية، سعت لتثبيت “تنظيم الأسد” بعد إعلان انتصارها على “تنظيم البغدادي”، وإنّ عملية مثل تلك تحتاج إلى المسارعة في إعلان “المنتصر”، وهذا ما يمكن قراءته من جملة المعطيات التالية:

  1. الإشارات الواضحة التي يمكن فهمها من خلال إعلان «قوات سوريا الديمقراطية» على لسان طلال سلو المتحدث باسمها، أن «التحالف الدولي» كان غطاءً جوياً حاسماً، أدى إلى سيطرتها الكاملة على مدينة الرقة، التي تعتبر “عاصمة داعش” ودولتها المزعومة.
  2. توقيت الإعلان لا يعني انتهاء التنظيم بقدر ما يرسل برسائل واضحة أن الانتصار حُسم لصالح البادئ بإعلان النتيجة. وتلك نقطة تحول هامة في الصراع على الأرض السورية.
  3. يأتي موقف “روسيا” من خلال تصريحات وزير دفاعها سيرغي شويغو في إسرائيل والذي أعلن عن “قرب انتهاء الحرب” المندلعة في سوريا، وكذلك حديثه عن قرب “إيقاف موسكو العملية العسكرية الروسية في سوريا” التي كانت قد بدأتها في 30 سبتمبر (أيلول) من عام 2015.
  4. عنوان المرحلة في الجلسة القضائية، لم تكن انتصاراً للديمقراطية التي طالب بها السوريون، بل كانت هزيمةً لوهمٍ تلاشى فجأة يدعى “تنظيم البغدادي” لصالح بقاء “تنظيم الأسد”.

كسب “القضية” كان يحتاج إلى خطوة استباقية يقوم بها فريق “محامو الشيطان”، للإبقاء على “سلطة موكلهم”، وتدعيم موقفها، وإن اختلفت الأساليب في تقديم “الدفوع” فالنتيجة واحدة، لا تعني إلا “انهيار الرغبة السورية” في تحقيق مطلبٍ تمثل بـ”الحرية”، وسورية دولة القانون واحترام الآخر.

“إعلان الانتصار”، هو التصريح الذي تتسابق إليه كلٌّ من “موسكو” و”واشنطن”، ولعل الشواهد السابقة قراءة صريحة لواقعة السباق بينهما، لكنه نصرٌ من نوعٍ “تمثيلي”، أمام محكمة “بلا شرعية”.

يمكن اعتبار ما سبق من التصريحات في إطار المصادفة، إذا ما وضعناها في نصابها الصحيح، وأنها خارجة عما يسمى “قيادات الصف الثاني”، لكنها تشير أن “الكعكة السورية” في مرحلة النضوج، وتعطي انطباعاً واضحاً عن ماهية الحكم النهائي في فصل المرافعات.

يمكن أيضاً قراءة المشهد بأنه لم يخرج عن كونه عملية “تبادل أدوار”، لا علاقة لها بانتصار طرفٍ على آخر، بدت ترتسم ملامحها منذ اللقاءات التي جمعت الرئيسين “ترامب-بوتين” في “هامبورغ” بدايات يوليو/تموز الماضي.

ثمة إذاً توافق وتفاهمات بين “موسكو-واشنطن” حول شكل سورية مستقبلاً، والقائم على أساس “النظام الفيدرالي”، الذي بدأ بطرحه الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” منذ شهر نوفمبر من عام 2015م، كحلٍ أمثل للملف السوري.

يضمن التفاهم بين “الولايات المتحدة الأمريكية” و”روسيا” نقاطاً هامة، لعل من بينها:

  1. ضبط الأمريكان للجانب “الإسرائيلي” الذي يسعى لتحصين وحماية حدوده عبر إبعاد “إيران” مسافة50 كيلومتراً عن جبهة الجولان جنوب شرقي سوريا، وصولاً إلى الحدود الأردنية.
  2. على أن تقوم “روسيا” بضبط “إيران” ومليشيا “الأسد”.

والسؤال ألا يعني ذلك وجود “صفقة” من شأنها أن تمنح “طهران” مكاسب أخرى في سوريا، نظير ابتعادها عن شريط الجولان؟ يؤكد ذلك ما تسرب في تقارير استخباراتية تحدثت عن مكالمة هاتفية عشية قمة هامبورغ، أجراها سيرغي شويغو مع الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني.

فصول الجلسة النهائية لم تنتهٍ بعد، فالشياطين التي أخذت دور محامي الدفاع عن “نظام الأسد”، بدا أيضاً أنها محرجة إبان قيام الطيران الإسرائيلي بتدمير قواعد صاروخية على بعد 50 كيلومتراً شرق دمشق، بعدما أطلقت صواريخ على مقاتلات إسرائيلية كانت تحلِّق في الفضاء اللبناني، ينذر بأنّ فوضىً لا تحمد عاقبتها في الطريق، ولعل زيارة “شويغو” الإسعافية إلى تل أبيب جاءت لضمان التهدئة، وضبط الوضع من التدهور.

الروس عموماً بدأوا بالحديث عن “قرب انتهاء الحرب”، ما يعني تحولاً نوعياً في سياساتهم، قد يكون ملمحاً يترجم مخرجات القمة التاريخية بين الملك السعودي “سلمان بن عبد العزيز” والرئيس “بوتين” في موسكو، التي جرت في الخامس من تشرين الأول الجاري.

الغريب أن المعارضة السياسية السورية غير معنية بكل ما يدور حولها، وكأنها نائمة في “العسل”، أو لعلها اختارت الانحياز إلى جوقة “محامي الشيطان”، بعد شعورها بنجاحه في كسب الرهان واقتراب موعد “دفن الملف السوري” في مقبرة “التقسيم”.

“محامو الشيطان” يبدو أنهم للوهلة الأولى نجحوا في وضع الثورة في القفص، لكن هل من متغيرات قريبة؟!!

 

المصادر:

روسيا تقترح جمهورية فيدرالية في سوريا

موقع استخباراتي إسرائيلي يكشف سر موافقة إيران على هدنة الجنوب السوري

شويغو في تل أبيب.. واتفاق بين الطرفين حول سوريا

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر BBCعربية إيلاف الجزيرة
قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend